بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

الكلمة الافتتاحية
مجلس الشورى الوطني.
24 جانفي 2020
د. عبد الرزاق مقري
رئيس الحركة

السيد رئيس مجلس الشورى الوطني بالنيابة المحترم.
السيد نائب رئيس مجلس الشورى الوطني المحترم.
السادة نائبا رئيس الحركة المحترمان.
السادة والسيدتان أعضاء المكتب التنفيذي الوطني المحترمون.
السادة رئيسا الحركة السابقان المحترمان.
السيد رئيس المجموعة البرلمانية للحركة، السيد نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، السادة الوزراء السابقون، السادة والسيدات النواب الحاليون والسابقون، السادة والسيدات المنتخبون.
السادة والسيدات أعضاء مجلس الشورى الأفاضل الأكارم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

ينعقد مجلسنا هذا كأول مجلس بعد الانتخابات الرئاسية، ضمن دورة عادية تتضمن جدول أعمال عادي يتمحور حول تقارير سنة 2019 وبرنامج 2020، وانتخاب رئيس مجلس الشورى الجديد وفق اللوائح والقوانين المعمول بها. غير أن كون هذا المجلس يأتي مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية سنقيم فيه بلا شك قرارنا تجاه هذا الاستحقاق الانتخابي، ونقف عند التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد في ظل الوضع الجديد، ونناقش رؤيتنا السياسية الجديدة وفق هذه الأوضاع المستجدة، ومقارباتنا في تناول موضوع الإصلاحات واستعداداتنا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ومهما يكن من أمر مداولات مجلس الشورى الوطني فإن الإجماع الحاصل بيننا، أن قرارتنا كلها ضمن الظروف الصعبة التي مر بها ويمر بها البلد هي شأن وطني قبل أن يكون شأن حزبي، وأن مؤسساتنا التي عودت الجزائريين بأنها سيدة شورية ديمقراطية تضع المصلحة العامة نصب أعينها في كل شأنها. وسنلتقي بوسائل الإعلام مجددا في إحاطته علما بقرارات مجلس الشورى وبرامجنا المستقبلية، وبما أن هذا المجلس هو أقرب مجلس لمناسبة مرور سنة على الحراك الشعبي الذي أمرنا هذا المجلس أن نكون فيه مكونا من مكوناته، سأتطرق إلى الأهداف الأساسية التي اندلع من أجلها الحراك من زوايا غير معهودة نسبيا في اللقاءات بيننا.

أيها الإخوة والأخوات، أيها السادة، أيتها السيدات.
بعد أقل من شهر سنعيش بإذن لله تعالى السنة الأولى على اندلاع الحراك الشعبي العظيم، ولا بد أن نتذكر معا لماذا خرج الشعب الجزائري عن بكرة أبيه إلى الشوارع؟ ما هي مطالبه؟ ما هي الشعارات الجامعة التي أطلقها؟ ما هي اللافتات المجمع عليها التي رفعها؟
إنه لم يتحقق شيء بعد بيان أول نوفمبر اجتمع عليه الناس بمختلف توجهاتهم، وتياراتهم، وأحزابهم، ومنظماتهم، وولاياتهم، ومناطقهم، وبلدياتهم، كالذي اجتمعوا عليه في الحراك الشعبي. لقد اجتمع الجزائريون في مسيرات شاركوا فيها بالملايين في كل أنحاء الوطن على مطالب محددة مثلت مشروعا إصلاحيا للتغيير الشامل:
1- لقد اجتمعوا على رفض الهيمنة والإهانة وتأله الحاكم وتأليهه والتزوير وفرض سياسة الأمر الواقع، والاستعانة بالأجنبي وتقديم التنازلات المفرّطة في السيادة من أجل البقاء في الحكم، فانتصروا لكرامتهم حين أريد تمرير العهدة الخامسة. وحين سقط الصنم لم يدخلوا بيوتهم بل استمروا يجوبون الشوارع بأرجل حاسمة لا ترتعش من أجل أن تكون العهدة الخامسة بداية تجسيد الإرادة الشعبية والانتقال إلى حكم ديمقراطي يكون فيه الحاكم خادما للشعب لا متأله عليهم، وأسقطوا في مسيرهم وسائط الحكم وأجهزته الانتهازية المنتفخة بالتزوير الانتخابي فلم يخطئ حكمهم ولم يمرُق سهمهُم في تحديد هذه الفئات الكاشيرية بكل أنواعها إذ سماها باسمها بلسان واحد صارم صادع في كل ساحة، سقطت أمامه كل محاولات التستر بالتعويم وإدخال ما لم يقبله الضمير الجمعي الشعبي العادل. ” ما كانش الخامسة يا بوتفليقة” ، ” ما كانش الخامسة يا ولاد فرانسا”،
2- لقد اجتمعوا على بغض الفساد والفاسدين ورفض كل أشكاله وحددوا رموزه الذين سموهم العصابة وحملوهم مسؤولية ضياع البلد وإفلاسه رغم خيراته العظيمة، وكان شعار ” كليتو لبلاد يا سراقين ” هتافا عاما على ألسنتهم جميعا ينبئ عن حسرة عظيمة في قلوبهم، وعضات عميقة تأكل صدروهم، على نهب أموال أرقامها فلكية مدشهة، وضياعِ فرصة عظيمة عليهم وعلى أولادهم و على أجيال وأجيال وأجيال وأجيال وأجيال وأجيال بعدهم، للرفاهية والابتعاد عن كل أنواع الاحتياج لكل الجزائريين عبر كل الأزمنة كما فعلت أمم عديدة بأموال لا تصل عشر عشر ما أنفِق عندنا، وكأنك ترى جموع الجزائريين، وهم يطلقون تلك الزفرات في الطرقات، يتحاشون صك رؤوسهم على الجدران لعدم وقوفهم جماعيا ضد ذلك الفساد العظيم قبل فوات الأوان، حين كان يقال لمن نبههم إنكم تسودون صورة الجزائر.
3- لقد اجتمعوا جميعا، كل من وجهة نظرهم، بصوابهم وخطئهم، باتفاقهم واختلافهم، سواء من اعتدل منهم ومن تطرف، يدافعون عن هويتهم، يظهرون اعتزازهم بانتمائهم، فكان رفع الراية الجزائرية في أول جمعة هو الجامع المانع الذي انطوت فيه كل الانتماءات والهويات، فلم يكن ثمة من حاجة غير التمسك بالهوية الوطنية في لحظة الكفاح من أجل الهدف المشترك والأرضية الصلبة التي لا خلاف فيها، المتمثلة في مطلب تجسيد الإرادة الشعبية وتوفير الحريات ووقف التزوير وصناعة المشهد فوقيا، وكسر محور الفساد وإنهائه وفضح أصحابه. ثم جاءت الاختلافات وصراعات الهوية في ساحات الكفاح من أجل الحرية فكاد الحراك أن يضربه الاستقطاب الأيديولوجي مبكرا لو لا صمود فئة فاهمة مدركة مجربة عملت على المحافظة على السمت العام للحراك، بصعوبات كبيرة، إذ لا يكاد صوت العقل يُسمع عادة وسط صخب التشدد والشحن والتهييج.
هذه المطالب الثلاثة الكبرى هي التي كُتبت على جداريات الحراك بالشعارات والهتافات، وغيرها تفاصيل، اثنان منها محل إجماع، وثالثها تمسك عام بالهوية وخلاف شديد في تفاصيلها، فكيف نكون أوفياء للحراك ومطالبه الثلاثة الكبرى ونحن نتجه بعد أقل من شهر على مرور سنة على انبجاسه؟ سواء استمر تدفقُه ليكمل مسيرة الإصلاح ضمن معطيات جديدة يتصرف بها بعبقرية وذكاء، أو غار في منابعه الأولى في أعماق الشعب حيث يُحفظ من التلوث ولا يبذر، بإرادته هو، في الوقت الذي يريد، دون ضغط ولا تحرش ولا تحايل عليه وعلى ثماره.
إن وفاءنا للحراك يكون باستمرار النضال في يوم الجمعة، وفي يوم السبت، وفي الأحد، وفي يوم الاثنين، وفي يوم الثلاثاء، وفي يوم الأربعاء، وفي يوم الخميس، وفي يوم الجمعة، و في سائر شهور السنة، بأساليب متنوعة ومتعددة، من أجل التمكين لمطالبه الثلاثة بلا تفريط ولا تقصير، ولا خداع ولا تدليس، من كل القوى السياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية في السلطة والمعارضة ضمن تقييم موضوعي دقيق لما تحقق وما لم يتحقق، ومعالجات للمفاسد والأضرار التي أنجتها الأنانية والتهور والتزمت، في إطار رؤية جامعة يعرفها الجميع لا تتطلب أي التقاء للتفاهم عليها، ولا تسمح باحتكار ولا استغلال تتمحور حول الحرية ومكافحة الفساد وصيانة الهوية.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد عزمت أن أتجرأ بالبدء بمعالجة المحور الأصعب وهي مسألة الهوية. لأقول مباشرة بأن غيرة الناس على انتمائهم وأصولهم، ولغة آبائهم وأجدادهم، وثقافاتهم ومعتقداتهم، وتاريخهم ومآثرهم شيء عادي فطري لا عجب فيه ولا غرابة. وإنما الصراع بين مكونات الهوية في البلد الواحد هو المذموم الممقوت شرعا وذوقا وتحضرا ومصلحة، لا سيما إذا كان يصب في مصلحة الأجنبي المتربص. لقد تسبب صراع الهوية في زمن الحراك في تعطيل هدفيه الآخرين المتعلقين بالكفاح المشترك ضد الفساد ومن أجل الحريات وتجسيد الإرادة الشعبية، ومهما ابتهجنا بما تحقق من إنجازات، أو مهما اختلفنا في تقييم ذلك فإن المؤكد بأنه لو لا صراع الهوية لكنا اليوم قد حسمنا الأمر كله ولكنا ننعم بالجزائر الجديدة المنشودة دون مزيد من الانتظار، ولا تهيب من المستقبل، ولا خوف من أن يكون فجر الحراك كلُه غير الفجر الصادق إذ ظننا أن أنواره قد لاحت. لقد أكلت طاقاتِنا الحراكيةَ بروباغندا الإشاعات والصراعات والتجاذبات وعمقت بيننا العداواتِ خطبُ الكراهية والشحنُ الجهوي والأيديولوجي وصناعة الأوهامُ فصار الطعن في تاريخنا وصحابة نبينا ورموزنا وعلمائنا وأبطالنا بلا خجل ولا حياء، ثم بالغنا في تعميق الشرخ إلى حد صناعة صراع عدمي بين محطتين مهمتين في تاريخ ثورتنا نحمّلها ما يحمله ولا يتحمله التاريخ، نركز فيهما على الخلاف بدل التركيز على ما يجمع، نخالف في ذلك سير الأمم غير المتجانسة ثقافيا في البلد الواحد التي تنسج ما يجمعها من لا شيء. كيف يعقل أن نجد في الجزائر من يتحفظ من بيان أول نوفمبر وهو الوثيقة التي حققت الإجماع بين الجزائريين كما لم يحققه شيء قبلها وبعدها، كيف نجد في الجزائر من يتحفظ على بيان صنع الدولة الجزائرية الحديثة، فلا يعتبر نفسه نوفمبريا ويستهزئ بمن يقول أنا نوفمبري، إن الذي يتحفظ على بيان أول نوفمبر لا يمكنه أن يكون جزائريا لأننا ندين بعد الله في كل شيء لأول نوفمبر، ثم كيف يمكن أن نجعل خلافات وقعت بين قادة الثورة سببا لإدانة مؤتمر الصومام كله، كيف يعقل أن يُدان مؤتمر الصومام وهو الذي نظم الثورة ورتبها؟ وهل كان يمكن للثورة أن تستمر بهبة نوفمبر وحدها دون تنظيم ولا ترتيب ولا إدارة وخطط ورتب وهياكل ثورية، وهل إذا ألغينا مؤتمر الصومام نستطيع أن لا نلغي العربي بن مهيدي النوفمري الباديسي الأصيل مثلا، صانعَ نوفمبر وخريج باديس ورئيس مؤتمر الصومام، ثم ما الذي يجعل المتحسسين من النوفمبرية يحاولون احتكار مؤتمر الصومام، بأي حق يفعلون، ما دخلهم في موضوع هو شأن كل الجزائريين، هل لديهم صكك الملكية الحصرية للحديث باسم مؤتمر الصومام، لماذا يعطون أنفسهم هذا الدور الكيدي الخلافي البغيض.
إنه لا صدام ولا تناقض بين بيان أول نوفمبر ومؤتمر الصومام، إلا من أراد الفتنة، وإشغال الجزائريين بخلافات بين قادة الثورة درستها إنجازات الجهاد، وأذلتها دماء الشهداء، وطواها إنجاز الاستقلال العظيم، وعفى عنها الزمن، وإن كان ثمة من مكروه أصاب الجزائر بعد الاستقلال فإنما وقع بسبب إلغاء مبدأ الديمقراطية والإرادة الشعبية التي أعلنها بيان أول نوفمبر وقد تواطأ على ذلك في انقلاب واحد على الشرعية قادة من مؤتمر الصومام وقادة من المعترضين عليه، فلا داعي للبحث عن أسباب أخرى لم تتعاظم إلا لهذا السبب الجوهري الحاسم.
لا يستطيع مؤتمر الصومام ـ والمتحدثون بلا تكليف من قادته باسمه ـ أن يلغي بيان أول نوفمبر كإطار فكري حضاري حدد فلسفة الثورة وأهدافنا وبين طبيعة الدولة التي يكون من أجلها الجهاد والاستشهاد، ومنها بناء دولة جزائرية ديموقراطية شعبية اجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية، وتحقيق وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي، كما أن بيان نوفمبر لا يمكنه أن يحكم على مؤتمر الصومام لأن المؤتمر لم يلغ في أدبياته بيان أول نوفمبر، ولو حاول لا يستطيع، فذاك يمثل الاتجاه الخالد المستغرق في الزمن، وذاك يمثل تنظيما وإدارة وهياكل ثورية انتهى دورها مع انتهاء الثورة، ستبقى جزء من تاريخنا نستمر في تدريسه لأولادنا بإيجابية، كما درسناه نحن تلاميذ في المدارس، ونترك ما فيه من خلافات يحقق فيها المتخصصون وتدرسها النخب للاستفادة دون تهويل ولا تهوين، مع حفظ قاعدة “لا يحكم قاعد مستمر في القعود مهما علم على مجاهد مات شهيدا أو ثبت على الجهاد مهما أخطأ وتعثر” ، فنجعل التاريخ سببا لاجتماعنا لا لتفرقنا.
أما عن مكونات هويتنا، بالله عليكم أيها الأفاضل، ما الذي جعلنا ندخل في دوامة الصراع العرقي واللغوي والجهوي والمناطقي في زمن خرجنا فيه للشارع لنسترجع المواطنة المهدورة وننقذ الوطنية المغدورة. كيف سمحنا لأنفسنا أن نتراجع عن ذلك المستوى الشاهق السامق، من الذي أوقعنا في هذه الجاهلية الجهلاء؟ هل هو جهلنا؟ هل هي مقاصدنا المعلولة، هل هي ثورة مضادة، هل هي أصابع العمالة والخيانة؟ لا أدري قد يكون شيء من ذلك أو بعضُه أو كله.
أيها السادة والسيدات،
إن معالجتنا لصراع الهوية في الجزائر لا يكون إلا في إطار الإسلام الذي يجمعنا، هذا الدين العظيم الذي يثمن كل الهويات ويعتبرها ثراء يعبر عن نعم الله وآلائه فيقول سبحانه في سورة الروم: ((وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِي ـ 22)) وبين بأن القصد من خلقنا شعوبا وقبائل أن نتعارف لا أن نتنافر فقال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ)) وأكد بشكل قطعي صارم أن لا تفاضل بالأنساب والأعراق بين المسلمين وإنما الشرف الأعلى بينهم مهما كان أصلهم إنما هو تقوى الله فقال عز وجل في تمام نفس الآية: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13))، ثم جاءت السنة النبوية فبينت ذلك وفصلته فعن جابر بن حيان في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ )) صدق رسول الله وغير ذلك جاهلية جهلاء لا تمثلنا ولا تشرفنا.
إنه من حق الجزائري أن يعتز بعروبته أو كونه قبائليا أو شاويا أو ترقيا أو شلحيا، أو من هذا العرش أو ذاك، أو هذه الجهة والولاية أو تلك، فتلك فطرة لا يمكن فصلها عن التكوين النفسي للإنسان، ولكن لا يصح أن يتعالى على غيره بأصله البتة، وأن يعتدي أو يستهزئ بانتماء غيره. وإنما شرفنا الأكبر أن نكون مسلمين لمن اختار الإسلام، ولا يوجد شيء يستطيع أن يجمعنا في العمق وفي القناعة كالإسلام الجامع للأغلبية الساحقة في هذا البلد المحمدي، وإن المشكلة الحقيقية في تذكية صراع هوية ليست عناصر الهوية في حد ذاتها، وإنما ضياع الحقوق وغياب مفهوم المواطنة وانخرام العدل بين الجزائريين، عبر سنوات طويلة من الزمن حتى صار الالتجاء للعرق والجهة والانتماء المناطقي هو ما يجلب المنفعة في التوظيف والترقيات وفي مجال المال والأعمال وغير ذلك، ثم جاء تحالف شبكات الفساد مع شبكات الانتماء العرقي والجهوي فعقد الوضع الأكثر.
فإذا حسمنا هذا الأمر، أيها الإخوة والأخوات، على أساس هذه القاعدة الصلبة، يمكننا أن نتحدث عن خياراتنا للتكتلات الدولية المحتومة، فنقول: إنه في زمن التكتلات الدولية، التي تقوم كلها على أساس ثقافي حضاري، لا يمكن للجزائر أن تبقى معزولة بسبب صراع الهوية الذي تفتننا فيه أقليات متصارعة لا علاقة لها بعمق الجزائر، وإذا كان علينا أن نختار إلى أي فضاء ننتمي ونبني عليه مجدنا التنموي والحضاري فإننا ولا شك نقدم انتماءنا المغاربي ثم انتماءنا للعالم العربي ابتداء بشمال افريقيا، ثم للعالم الإسلامي ضمن فكرة الأمة الواحدة لمن كان يؤمن بالقرآن الكريم: (( وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون))، وقد أعطينا رسالة عبر قمة كوالالمبور كيف يكون البعد الإسلامي رافعة عظيمة لتحقيق التطور والازدهار الجماعي إذ أصبح ضمن الدول الإسلامية دولا متقدمة علميا وتكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا تتعاون بينها لتفرض نفسها بالقوة الناعمة بعيدا عن الصراع والحروب في عالم متكتل على أساس الثقافة الواحدة أو المتقاربة، ولنا الفخر كل الفخر، أن تتولى الجزائر من خلالنا الأمانة العامة لهذا التكتل الكبير في إطار الدبلوماسية الشعبية. غير أنه لا يعني انتماؤنا الحضاري أن نعيش معزولين عن باقي الشعوب فنحن أفارقة ننتمي لإفريقيا وتاريخنا وأفضالنا ومصالحنا في هذه القارة كبيرة وعظيمة، ثم نحن قريبون من أوربا تفرض علينا الجغرافيا أن نتعامل مع شعوبها ودولها وفق قاعدة الربح للجميع، بعيدا عن الوصاية وعن التبعية وعن التدخل في شؤوننا بأي شكل من الأشكال، مع الوقوف صفا واحدا ضد كل أصناف العمالة من أي جهة كانت. ثم إن في العالم الأوسع مندوحة للبحث عن مصالحنا مع من يريد التعاون معنا في كل القارات ضمن تطور مذهل في وسائل الاتصال والتواصل ألغى معنى المسافات وتباعد الأقطار.
فلنخرج أيها الجزائريون الأفاضل والفضليات، من عقلية التخلف والبدائية والصراع القبلي الذي أسقطته العقيدة، وأنهته الحداثة، وألغته عقلانية المصالح، ولنتصالح بيننا كجزائريين مسلمين عربا وأمازيغ، من كل جهات الوطن، نبحث عن مصالحنا معا، وعن مجدنا معا، ولنصنع معا دولة القانون ونجسد معا معنى المواطنة، وإن كانت بيننا أقليات بأي مكون من مكونات الهوية، لا تريد الانسجام مع الأغلبية، فإن من حقها أن تطمئن على حقوقها الكاملة في إطار الوطن الواحد والمعنى الكامل للمواطنة، ولكن عليها أن تعلم بأنها لا تستطيع أن تبتزنا ولا تستطيع أن تفرض علينا صراعا عدميا لا نريده ولا نؤمن به، كما أننا لا نقبل أبدا أن تستعمل نزعة المظلومية من أي كان للسيطرة على مقدرات هي لكل الجزائريين.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات،
إننا إن حسمنا مسألة الهوية وأخرجناها من الاحتكار فصارت شأنا وطنيا يدافع عنها الجميع، ويلتزم بها الجميع، وأبعدناها عن الصراع فعشنا بتنوعنا في انسجام ووئام، سنستطيع استدراك ما فاتنا في مطلب مكافحة الفساد واحترام الإرادة الشعبية، وبخصوص مطلب مكافحة الفساد لنكن واعين بأن شبكات الفساد متجذرة في الدولة والمجتمع وأنها لم تُستأصل، بل أحيانا لا تختفي، وتارة تطل علينا ببعض رؤوسها، في بعض الملفات بلا خوف ولا خجل، وثمة أمارات عديدة تدل على أن العصابة لم تُقطع رؤوسُها كلُها، وأن الحكام الجدد أمام مسؤولية كبيرة لتأكيد انفصالهم التام عن العصابة وعهدها، وتبيين شجاعتهم على اجتثاثها وتدميرها، وإظهار كفاءتهم في ملاحقتها، وإن من الملفات التي تنتظر جوابا استرجاع الأموال المنهوبة، وإن كان للنظام السياسي خطة في ذلك فليخبر بها الرأي العام، وليخربنا دوريا عن قيمة الأموال المسترجعة، وعلينا نحن كسياسيين شجعان، وأحزابٍ أصيلة، ومجتمع مدني مفيد، ومنتخبين نزهاء، وصحفيين أحرار أن يكون لنا دور في ملاحقة الفساد بمختلف أنواعه وعلى كل المستويات، وفي كل الولايات، كما هو حال الدول التي انتصرت في معركة محاربة الفساد، إذ الشأن شأن وطني لا يقدر عليه المجتمع وحده ولا تقدر عليه الدولة وحدها، ولكن تحالف الدولة والمجتمع يأتي عليه ويدمره بإذن لله تدميرا.
يجب أن نعترف أيها الإخوة والأخوات، بأننا غُدرنا ولا مجال لجبر الكارثة العظمى التي حلت بنا بتبديد ونهب أموالنا ….. حقيقة ” اتفرت فينا! اتفرت فينا! اتفرت فينا! راح الوقت وراحو الدراهم! ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن إن أعظم انتقام ضد الفساد وضد غفلتنا إذ لم نستمع لنداء فساد قف أن نتوقف عن الصراعات الجانبية وأن نجعل مكافحة الفساد شغلنا الشاغل، جميعنا دون تمييز، وعلى السلطات أن لا تعرقل اعتمادات المنظمات الحقوقية والمتخصصة في محاربة الفساد وأن تمد لها يد العون بدل عرقلتها كما كان الحال قبل الحراك، وإننا في حركة مجتمع السلم عازمون من جهتنا على المساهمة الفعالة في ذلك، إنه لا ينقصنا في الحركة التصور الفكري في هذا الشأن فقد كتبت كتابا قديما عنوانه ” الحكم الصالح وآليات مكافحة الفساد” ولدينا تجربة سابقت أجهضها عبد العزيز بوتفليقة على المباشر كان عنوانها “فساد قف”، وما دامت محاربة الفساد صارت قضية مقدسة بعد الحراك، عند السلطة وعند المعارضة، وفي الدولة وفي المجتمع، هذه المرة سننجح بإذن الله، وسيكون ذلك عبر خطة شاملة، ومؤسسات وشبكات سننشئها سنعلن عنها بعد أن يصادق على فكرتها مجلسنا هذا الموقر.
غير أن أقرب الطرق إلى الانتصار على الفساد، أيها السادة والسيدات، هو تحقيق مطلب الحراك الثالث وهو تجسيد الإرادة الشعبية الفعلية التي وحدها تسمح ببناء مؤسسات وتدافع مؤسسي في إطار القانون يمكّن من مكافحة الفساد بفاعلية وشفافية وديمومة وعدالة. وعلى أساس ذلك سنتابع مسار الإصلاحات المعلن عنها، وقد أعددنا مقترحاتنا في مختلف مواضيعها، وبغض النظر عن شكل الحوار الذي تريده السلطات وهل سيكون جادا وشفافا وصادقا ومع الجميع أم لا فإن المخرجات الأخيرة للنصوص هو الذي سيُفصح عن النوايا الحقيقية للإصلاح، وهو ما يبين هل طريق الكفاح من أجل إصلاح النصوص لا يزال طويلا، وإذا كان كذلك لا قدر الله فإننا نؤكد بأنه لنا كامل الهمة والعزيمة على مواصلة الكفاح جيلا بعد جيل، بما لا يخطر على بال المتابعين، أم أننا ـ عكس ذلك كما نتمنى ـ سنجعل في حدود منتصف السنة الجارية مجال الإصلاح الدستوري والقانوني وراء ظهورنا شاكرين الله والسلطات على وفائها في هذه المحطة والمشاركين في الحوار وفي الاستفتاء على المساهمة والإيجابية، ثم نتجه بعد ذلك جميعا إلى المحطة الموالية المتمثلة في المنافسة التاريخية الحقيقية في الانتخابات التشريعية والمحلية على أساس البرامج والأفكار، وهاهنا بيت القصيد وأس الإصلاح، إذ كل المحطات الإصلاحية ستحكم عليها هذه المحطة، كل المحطات التي بعدها لاغية إن انتكس المسار في الاستحقاقات المرتقبة، وكل الإصلاحات التي بعدها باطلة إن وقع الخلل وغلب الدخن في المناسبة الشاهدة، وإن نجحت ذلك ـ كما نحب ونأمل ـ فذلك تمام دليل النوايا الطيبة في أحسن تجليها، وكل الذي بعدها أمان وسلام ورقي وازدهار.
لقد قال الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى قديما: ” المشكل في الجزائر ليس مشكل نصوص ولكن المشكل مشكل لصوص” ثم قال: ” واللصوص في الجزائر لصوص الأقوات ولصوص الأصوات”. نحن نعلم بأن الحراك الشعبي فتح شهية نخب متحزبة ومتأدلجة فاعتقدت بأنها ستكون ذات حظوة شعبية تخرجها من حال الانحصار الجغرافي الذي عانت منه ولا تزال، ونخبٍ كثيرة لم تكن منشغلة بالسياسية قبل 22 فبراير، وبعضها كانت مهتمة بالسياسة ولم تكن لها فرصة للنضال الحزبي، أو لم تشأ ذلك، وبعضها انشقت عن أحزاب قائمة، وبعضها كانت في الخدمة في مؤسسات الدولة، وهي اليوم تحاول تنظيم نفسها ضمن أحزاب جديدة أو بإعادة الانتشار بأحزاب محدودة الانتشار لعلها تكون ضمن المشهد السياسي الذي ستصنعه الانتخابات المقبلة، كما أننا نعلم أن النظام السياسي يجد حرجا كبيرا في مواجهة تلك الانتخابات في ظل انهيار أحزابه التقليدية التي كان ينفخها بالتزوير الانتخابي، وهو يعلم أن مجرد رجوعها للحظوة بالأغلبية البرلمانية سيحبط كل الآمال فينعزل النظام السياسي من جديد عن الشعب ويجد نفسه وحده في مواجهة أزمات عظيمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ودولية.
إننا نعلم أن هذه الحقيقة تمثل كذلك وعلى هذا الأساس مشكلة كبيرة للأحزاب القائمة ذات التمثيل الواسع والتجربة السابقة التي أنصفها الحراك وكانت جزء منه ومتفاعلة معه، إذ تذكّر الجزء الغالب من الشعب مواقفها الصادقة والواضحة في مطالب مكافحة الفساد والتحذير المتواصل منه، وكفاحها من أجل تجسيد الإرادة الشعبية وتضررها العظيم من التزوير الانتخابي، وتناغمها التام مع عناصر الهوية، ووجه المشكلة أن هذه القوى الطامحة في الحظوة بالمشهد السياسي القادم ترى في الأحزاب الحراكية القائمة ذات التمثيل الواسع حاجزا أمام تمددها وربما نجاحها، و من جهة أخرى ترى السلطة أن الأحزاب القائمة الثابتة قد تستغل قوتها وانتشارها فتكون لها مسافة سبق بالنسبة لغيرها، ونتيجة هذا لتفكير من هؤلاء جميعا هو اجتماعهم للرمي بقوس واحدة، بتنسيق مدبر أو بتحالف موضوعي رغم خلافاتهم وتناقضاتهم، ضد هدف واحد، هو الأحزاب الصامدة الصابرة المناضلة المكافحة النزيهة النظيفة ذات الكفاءة والجدارة، ولو أدى هذا التحالف ضدها إلى تضييع فرصة كبيرة على الوطن … فهل يكون هذا عملا ديمقراطيا إصلاحيا، أليس هذا مجرد صراع على السلطة والكراسي لا غير.
إن الذي نقرره في حركة مجتمع السلم حيال هذه المشكلة هو أننا نرحب بإقبال قوى جديدة في الساحة السياسية والحزبية، ونعتبر ذلك في مصلحة الجزائر، وإن حدث هذا سيكون ذلك من الأعظم النتائج الإيجابية للحراك الشعبي، ونكون حقا حللنا مشكلة العزوف عن السياسة والعمل الحزبي وعن الانتخابات، كما نؤكد في الحركة أن الساحة الجزائرية واسعة جدا ولا يضيق فيها أحد بأحد، ونجزم أننا لسنا تهديدا بل نحن فرصة لهؤلاء جميعا باستعدادنا للدعم بخبرتنا وإمكانياتنا، وبقناعتنا وسعينا للتوافق بدل التزاحم، ونؤكد أن لا أحد في الجزائر يستطيع الهيمنة على الساحة سواء من القوى القائمة أو القوى الناشئة. هذا إن كان المبرر هو النزعة التنافسية فحسب، أما إن كان في الأمر إن وأخواتها، فإننا نقرر بأنه لا يعادينا في هذا الوطن عداء وجوديا إلا فاسد أو عميل أو فاشل متعطش للسلطة لا يقدر على الوصول إليها أو البقاء فيها إلا بكسر المنافسين الأقوياء، وهيهات هيهات أن تقلع أحجار الوادي في بلادي، هيهات هيهات. ما صب علينا من بلاء الدولة العميقة تشيب له الولدان، ولم يستطيعوا أبدا الإجهاز علينا، وها هم كبراؤهم قد ذهبوا ونحن بقينا، خشوا من الشيخ محفوظ فجاءهم بعده من شيب رؤوسهم حتى ذهبوا جميعا وها أنا أكلمكم كالجبل الشاهق، وإن ذهبت وذهب قادة هذه المرحلة سيقابلهم من غير جيلنا من هم أكفأ وأصلب وأكثر مراسا.
أيها الإخوة والأخوات،
إنه لا يملك أحد أن يصنع المشهد المستقبلي سوى الانتخابات الحرة والنزيهة، فمن ظن بأنه يستطيع التمدد في المساحات على حساب الآخرين بالعدوانية والأكاذيب والأراجيف والتحالفات المشبوهة وأنواع الدعم المسمومة فإن داءه سيقتله، كما فعل بمن فعل ذلك من قبل، ومن ظن بأن إعادة الكرة لصناعة الأجهزة الحزبية بالإرادة السلطانية أو هندسة السناريوهات والأحداث التي تَذهل فيها العقول فلا يدري أصحابها ما يفعلون فيؤخذون عن غرة، فإنه سيرتكب جريمة في حق الجزائر مجددا ستقسم ظهره ولا يفلت من جرمه أبدا. وإنما خوفنا في هذه الحالة من أن يقسم ظهر الجزائر كذلك إذ لم يبق للجزائر طاقة لتتحمل خيانة أخرى كخيانة سحرة المخابر السابقة. إنه لا يوجد سبب للتآمر على الأحزاب القائمة: إن قالوا نترك فرصة للشباب فمعدل أعمار الحركة 45 سنة والطلائع القيادية التي لم تبلغ الأربعين بلا حصر تملأ الفضائيات والساحات والوسائط الاجتماعية، والطاقة الشبابية ذات العشرين والثلاثين بعشرات الآلاف نستطيع أن نؤسس بها أحزابا بعدد ولايات الجزائر ودول المهجر وأكثر، وإن قصدوا الكفاءة فإن الحركة خزان من الكفاءات العلمية والإطارات ذات الخبرة العالية في كل الاختصاصات ولو أرادوا المقارنة فليأتوننا بكفاءاتهم للمناظرات، وإن قالوا النزاهة فالحمد لله لم يوجه رجالنا ومن يمثلوننا ومن هم معنا للسجون، فإن قالوا لقد كنتم قبل عشر سنوات في الحكومة سنقول لهم ثمة رؤساء دول وحكومات ووزراء وسفراء وأصحاب نفوذ ـ بعضهم قبل سنوات قليلة ـ لا أحد اليوم يلومهم على ذلك، بل يقدمون لتمثيلنا جميعا. إنه لا أحد يملك أن يصنع المشهد الانتخابي فالحذر الحذر من فبركة المشهد بجرم مخابر السحر الأسود في الكهوف المظلمة السوداء، إن لعنته على الجزائر ستكون هذه المرة فالقة فارقة.
أيها الإخوة، أيها الأخوات،
إن المخاطر التي تهدد البلد كبيرة جدا، ولو نقرر أن نكون علميين كما هو البشر العادي في سائر البلدان في الشأن السياسي فإننا نؤكد بأن الجزائر متجهة لوضع لا يتحمل عند نفاذ احتياطي الصرف في أقل من سنتين، وأن لا حل يبقى سوى المديونية لتجاوز فجوة انقطاع السيولة، وأن لمديونية التي سنتجه إليها ستكون بغياب كل الأوراق التفاوضية فتكون بشروط قاسية ترهن السيادة، ولا تحقق التنمية بل تجعلنا تابعين لا جهد لنا سوى لتسديد مقادير خدمة الديون، وقد يكون في ذلك حتفنا لا قدر الله. ولو أضيف لهذه المخاطر استمرار ذهنية هندسة المشاهد السياسية فوقيا بما يمنع كل رقابة وتدافع فإن الأمر يكون أجل وأعظم. إن حل المشكلة الاقتصادية، التي تربط بها أجور العمال، ومعيشة المواطنين، وأمانُهم الصحي، وأمانهم السكني، وأمانهم التعليمي، وحتى أمنُهم على بلدهم واستقرارهم ومصيرهم، لا يكون بالقرارات السياسية ولا بالترضيات المؤقتة، ولكن بوجود الرؤى والكفاءة والحكم الراشد، وبيئة الأعمال وتدفق رؤوس الأموال الاستثمارية من الداخل والخارج. والنتيجة العملية الملموسة ليست هي التقارير التلفزيونية التي تسكن المخاوف مؤقتا، ولكن ما مدى الاستجابة لمؤشرات الاقتصاديات الناشئة المعلومة المعروفة في العالم بأسره، وما أثر ذلك على المؤسسات وعلى الإنتاج الوطني في مختلف القطاعات والتشغيل ودخول الدولة ودخول الفرد وظروف المعيشة ومستوى الادخار.
إن من النتائج الإيجابية للحراك الشعبي تحديد المسؤولية، بالسلب والإيجاب، ومن نتائج الانتخابات أن المسؤول عن حل الأزمة الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة الجزائريين هو الذي يحكم، وبيده القرار، وأن المعارضة لا تتحمل أي مسؤولية في ذلك، وبالمناسبة نخبر الرأي العام بأننا في برنامجنا السنوي الجديد سنعمل على تطوير قدراتنا الحزبية في دراسة الشأن الاقتصادي بما يزيدنا كفاءة ويمكننا من الاطلاع الدائم على الشأن الحكومي، ومتابعة تطورات القطاعات الوزارية مركزيا ومحليا، بالنقد البناء الذي لا مزايدة ولا مجاملة فيه، وتقديم البدائل بواسطة منتخبينا ونوابنا وعبر وسائل الإعلام، فنساهم بذلك في رفع مستوى الأداء السياسي والحزبي، وحتى تكون الأمور على بينة: من في المعارضة في المعارضة ومن في السلطة في السلطة.
أيها السادة، أيتها السيدات:
لا نختم هذه الكلمة دون التطرق إلى الملف الخارجي لنكرر دعمنا للسياسة الخارجية الرسمية في إدارتها للملف الليبي إلى حد الآن، من حيث التزامها بالشرعية الدولية، وتفضيلها للحل السلمي، وتقديم المساعدات للشعب الليبي الشقيق، وقدرتها على ولوج القضية الدولية بكفاءة رغم التأخر الكبير في السابق، غير أننا ننبه بأن المتسببين في التأزيم صعاب المراس ولا يؤتمنون أبدا، وأنهم يشتغلون ضمن مشروع التآمر على الجزائر الذي قد يكون مدخله الفوضى في ليبيا، وهم في خدمة المصالح الإسرائيلية من خلال دعم انبوبها لتزويد أوربا بالغاز الذي تنهبه من فلسطين، ومن غزة بالذات، والذي تتآمر حوله على دول عربية وإسلامية، وسيكون هذا الأنبوب مهددا لمصالح الجزائر في سوق الغاز في أوربا.
إن الجزائر لن تستطيع مواجهة هذه المخاطر وحدها ولا بد أن تختار محاور تنسجم معها، وفي هذا الإطار نشجعها على الاتجاه شرقا نحو الصين وروسيا وتركيا وإيران، ونثمن عاليا زيارة الرئيس التركي للجزائر، وإنه في يوم من الأيام ستكون الجزائر من أقوى الدول المنشطة لتحالف القوى الإسلامية الصاعدة، ضمن تحول محور العالم نحو الشرق ضمن أقل من عقد من الزمن.
إن الغرب الذي يفقد أكثر فأكثر سيطرته على العالم لا يزال يرعى ربيبته إسرائيل، بدعمه المطلق لها، وبالاستفادة من النفوذ الصهيوني على المؤسسات الرأسمالية المالية في العالم، وبالضغط على الدول لدعم هذا الكيان الاستعماري الظالم، باستغلال مَرَضي فج مفضوح للمحرقة، متناسين جميعا المحرقة اليومية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. غافلين أن الفلسطينيين في أرضهم ومهما تكالبت الأمم ضدهم فلن يستطيعوا انتزاعهم منها، لا يضرهم من خالفهم أبدا، كما نبأ بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وإن الأمل في المستقبل اليوم، في الدراسات الإسرائيلية ذاتها، هو عند الفلسطينيين رغم مآسيهم وعزلتهم، والخوف والشك في المستقبل هو لدى الإسرائيليين رغم غناهم وترفهم وجبروتهم، وإن تحرير فلسطين هو دين علينا كجزائريين، لا يكتمل استقلالنا إلا باستقلال فلسطين، وإن فلسطين لهي وديعة الله عند المسلمين جميعا، وهي الحق الضائع عند الأحرار في كل العالم، ولا يستطيع أحد أن يؤهل نفسه للقيادة والريادة في أي مجال من المجالات في العالم العربي والإسلامي ما لم تكن فلسطين جزءً من كيانه، بل قد فهمها هكذا أحرار العالم ـ خصوصا في أوساط المعادين للهيمنة المالية الرأسمالية العالمية ـ فلا يعدون الحر حرا بينهم ما لم تكن له الشجاعة على مواجهة الجبروت الإسرائيلي في العالم ومناصرة القضية الفلسطينية، ودعوني أقول لكم في الختام ما دامت الجزائر مع فلسطين دوما كما كانت، حكومة وشعبا، لا تتوقف عن دعم الشعب ومناصرة القضية فإنها في بركة وحفظ وستر، فإن رأيتم المواقف تتلون وتتغير تجاه فلسطين فاعلموا أن سوء وشيكا يتربص بنا، فاهرعوا دوما لمناصرة القضية الفلسطينية كمبدأ وشرف وواجب وخدمة لبلدنا ووطننا.
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.
تحيا الجزائر، المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

تعليق