بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة شكر وعرفان
إخواني أحبائي أعزائي في أرض الجزائر الطاهرة وخارجها

الحمد لله الذي قضى بأن بعد العسر يسرا ، وأن بعد الضيق فرجا، وأن بعد الهم والغم راحة واطمئنانا والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة وبشرى ورضي الله على آله وصحبه أجمعين اما بعد :
يشاء قدر الله وقضائه أن يكتب لنا أن نلبث في السجن بضع شهور أحسسنا فيها بمرارة الظلم وقساوة الحبس وألم البعد والفراق عن الأهل والأقارب والأحباب والأصحاب والإخوان عايشت فيها همومي وهموم من كان معي بما ألهمني الله من صبر ويقين .
فاللحظات القاسية والمعانات المتتالية كانت ممزوجة بلطف الله ورعايته فاختلطت بها دقائق مسلية وجدنا فيها لذة عابرة هونت علينا الم الفراق وظلمة السجن والسجان فالتجربة لم تكن طويلة لكنها كانت ثمينة وغالية ، فكنت حريصا على الإستفادة منها بالتقرب والتعرف على كل فرد كان معي أحاول التخفيف عن معاناته والأخذ بيده إلى طريق الهداية والإصلاح ،وكم أدركت حينها أننا مستأمنون على هذه الدعوة ومقصرون في كثير من قضايا المجتمع وهمومه فلم أكن أدرك أن المجتمع عميق إلى هذا الحد وأن مسؤوليتنا عظيمة وشاقة لا تسعها الجهود المبذولة ولا تكفيها الأوقات المتاحة ، فسنة الله اقتضت أن المشاريع والأفكار والدعوات أوزانها بأوزان التضحيات التي تبذل من أجلها.
والحمد لله فالسجن لم يزدنا إلا تبصرا واستمساكا بالحق ويخطئ من يظن بأنه باعتقالنا وسجننا قد سلب منا قناعتنا وإيماننا الراسخ بمنهجنا في الدعوة إلى الحق والعدل والحرية ونضالنا المستمر دفاعا عن الحريات وحقوق الإنسان والعمل على تحقيق الانتقال الديمقراطي السلمي والسلس ورفض كل أشكال العنف والتزوير للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها فلن نحيد ولن نلين كلا والله فقناعتي وفكرتي ملك قلبي وقلبي ملك ربي .
فخلال فترات السجن كانت تصلني أخباركم ورسائلكم ودعواتكم فكانت نعم الأنيس وخير المواساة، لكني لم أكن أتصور أن تضعوني في هذا المقام الذي لا أستحقه ، لقد أحرجتموني بمشاعر الحب التي غمرت قلبي فهذا دين لا أقدر أن أوفيه لكم ولا أجد إلا أن أقول ” اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون وإغفر لي ما لا يعلمون “

يظنون بي خيرا وما بي من خــــــــير ولكني عبد ظلوم كما تــــــــــــــــــــــــدري
سترت عيوبي كلها عن أعـــــينهم والبستني ثوبا جديدا من الســـــــــــــــــــــتر
فصاروا يحبونني وما أنا بالــــــــــــــــــذي يحب ولكنهم شبهوني بذي الغـــــــيـــر
فلا تفضحنني يا رب يوم القيامة وكن لي يا مولاي في موقف الحــــــــــــــــــــشر

فلكم مني جميعا كل كلمات الحب والتقدير وكل عبارات الوفاء والإخلاص وكل معاني الأخوة والمحبة ولو أني أوتيت حر النطق في النظم والنثر لما كنت بعد القول إلا مقصرا ومعترفا بالعجز عن واجب الشكر وأقول لكم كما قال البحتري :

فلو كان الشكر شخص يبين إذا ما تأمله النــــــــــاظر
لبينته لك حتى تــــــــــــراه فتعلم اني إمرؤ شاكر
ولكنه ساكن في الضـــــمير يحركه الكلم الســـــــــائر

وفي هذا المقام لا يسعني إلا ان أتقدم بالشكر والتقدير والدعاء لكل من سأل واتصل ودعا وكتب كما لا يفوتني أن أنوه بالمجهودات الجبارة التي بذلتها قيادة الحركة رغم التماسي وإصراري عليها بالابتعاد عن الخوض والتعاطي مع قضيتي حتى تبقى مركزة ومستنفرة جهودها كلها في القضية الكبرى المتمثلة في إصلاح المجتمع ومنظومة حكمه. كما لا يفوتني هنا أن أعبر عن كامل تقديري وجزيل إمتناني لكل أبناء وإطارات وقيادات مدرسة الوسطية والاعتدال على تعاطفهم وتضامنهم وحرصهم على تقديم كل جهد.
كما وجب مني تنويها خاصا لأخي العزيز الدكتور عبدالرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم الذي بقي متابعا ومتواصلا مع العائلة متباحثا معها في كل جديد، مؤازرا ومساندا وناصحا فلم يقصر رغم كثرة واجباته وثقل مسؤولياته وعظيم التزاماته فله مني كل العرفان والامتنان .
فلكل هؤلاء أقول شكرا لكم وبارك الله في مسعاكم وجعلنا وإياكم من العاملين لرفعة ديننا ووطننا وسنواصل معكم ومع كل أحرار الجزائر الحبيبة جهود النضال والدعوة من أجل رفع الظلم والغبن عن الشعب الجزائري الأصيل ومن أجل الدفاع عن الحريات وتحقيق الإنتقال الديمقراطي السلمي والسلس بعيدا عن الفوضى والأجندات الخارجية وكذلك رافضين لمسارات رهن مستقبل الأجيال من خلال التخويف والتهويل والتخوين وفرض الوصاية وهدفنا في ذلك تحقيق التنمية الشاملة وتمكين العدالة الاجتماعية الناجزة وصولا إلى رفاهية الشعب والمجتمع في ظل القيم الإسلامية والوطنية ونسأل الله الثبات على الحق حتى نلقاه.
والحمد لله رب العالمين.

أخوكم جعفر شلي

تعليق