بسم الله الرحمن الرحيم،

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

مداخلة السيد رئيس الحركة بمناسبة انعقاد مجلس الشورى العادي يوم 22 جانفي 2017.

يوم 28 جانفي 2017

 

السيد رىيس مجلس الشورى الوطني ونائبه،

السادة والسيدتان أعضاء المكتب التنفيذي الوطني،

السادة والسيدات أعضاء مجلس الشورى الوطني،

السادة والسيدات أسرة الإعلام،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

نجتمع اليوم في دورتنا العادية الثامنة لنناقش تقريرنا السنوي لسنة 2016، وبرنامجنا لخمسة أشهر مقبلة من سنة 2017، والآليات التفصيلية لتطبيق قرار الوحدة مع جبهة التغيير، ومتابعة استعدادت خوض المعركة الانتخابية التشريعية المقبلة. وستكون الفرصة مواتية في هذا المجلس لتقييم الوضع العام في لجزائر وعلى المستوى الإقليمي والدولي.

وبخصوص الوضع العام الجزائري الذي يهم كل الجزائريين، ليس لنا ما نقوله سوى التعبير عن أسفنا الشديد لتحقق توقعاتنا أكثر فأكثر في المجال الاقتصادي والاجتماعي وإدارة الشأن الحكومي في مختلف المجالات,

لقد تأكد لدى الخاص والعام أن الهيئات الرسمية المكلفة بإدراة شان البلاد لم تكن في مستوى تطلعات الشعب الجزائري وثقته وصبره وتضحياته، لم تكن هذه الهيئات في مستوى الخيرات العظيمة التي منحها الله لهذا البلد العظيم المسقي بدماء الشهداء والقائم بجهد المخلصين الذين لا يسألون جزاء من العباد ولا شكورا. ليس من السهل أن نتحمل وأن نتقبل وأن نهضم ضياع الفرصة الأخيرة الكبيرة التي أتيحت لبلدنا في سنوات البحبوحة المالية ضمن فرص أخرى كثيرة أتيحت منذ الاستقلال. ليس من السهل أن تقبل عقولنا ضياع فرصة كان بإمكانها أن ترفعنا لمصاف الدول المتطورة والمتقدمة، ليس من السهل أن ينسى جيلنا هذه الفرصة الضائعة إلى أن نلقى الله، ليس من السهل علينا أن نرى دولا استطاعت أن تسابق الكبار بعدما كانت مثلنا أو أصغر منا بمواردها الطبيعية وبتناقضات نسيجها الاجتماعي وبعضها بتاريخها المتناقض. ليس من السهل علي وطني صادق، شغوف ببلده، متيم بتاريخه، محب لشعبه، مشفق على خيراته، خائف على مسقبله،  ان يتعايش مع هذا الإخفاق المدوي الذي نراه، ويراه الناس جميعا. نراه  بشكل كلي في عجز الميزان التجاري، في عجز ميزان المدفوعات، في عجز ميزان الحسابات، في أزمة الخرنية العموية، في تهاوي احتياطي الصرف، في العودة للمديونة الخارجية، نراه في عودة أرقام البطالة والتضخم المتصاعدة، نراه في صدمة ارتفاع الأسعار، نراه في معدلات النمو المعاكسة لحجم تمويل التنمية، نراه في الناتج الإجمالي الخام الذي أبقانا ضمن الدولة الراكدة، نراه في الفساد المهيكل وفي شبكة الفاسدين المهيمنة، ونراه بشكل جزئي في خيبات الأفراد والأسر والمؤسسات، نراه في ضعف الإنتاج، في العدد القليل للمؤسسات الاقتصادية، في ضعف التنافسية، في قلة الإبداع، في سوء بيئة الأعمال، نراه  في غلاء المعيشة، نراه في عدم قدرة الموظف الشريف على إغلاق شهره، نراه في قيمة الدينار المتهاوية، نراه في الخدمات الصحية المتهالكة، نراه في الأوضاع التعليمية المتأزمة، نراه في أزمة السكن اللامنتهية، ، نراه في الهياكل القاعدية غالية السعر ولكن رغم ذلك متهرية، ونراه بشكل عام في الاحتجاجات الاجتماعية المضطردة والمتوسعة، وفي غياب الحكامة ومفهوم الحكم الراشد في الأحوال العادية، ونراه في العجز على مواجهة الأزمات في الفياضنات والعوارض الطبيعية. وحين غابت أسباب البهجة العادية تعلق الجزائريون جميعا بلعبة كرة القدم، أطفالهم وشبابهم وشيوخهم، ورجالهم ونساؤهم، فصارت هي ملهمتهم وصانعة أحلامهم، وكأنها نفخة من مخدر تنقلهم لعالم البهجة الخيالي الغادر. وصاروا ينسجون بطولات وهمية وإنجازات أسطورية عنوانها ” شكون حنا”, ثم ما هي إلا مبارة أو مبارتان حتى تبخر الحلم وعرفنا حقيقة “شكون حنا”. عرفنا أننا هؤلاء الذين حباهم الله بكل المقدرات ليكونوا عظماء بين الأمم فاختاروا أن يكونوا صغارا، حباهم الله بمقدرات كبيرة ليكونوا عظماء في العلم والفكر والتعليم والإدراة والصناعة والفلاحة والخدمات والتضامن والترفيه فتصبح كرة القدم صناعة متقنة تصنع أفراحا لا تنقطع، ليس للقاعدين والبطالين المهمشين كمخدر لهم، بل لشعب عامل مبدع منتج يقصد كرة القدم للفرجة وللاستراحة والاعتزاز بالمنجز الكروي بعد المنجز الحضاري والعمل في المخابر والجامعات والمصانع والحقول ومختلف المؤسسات.

أيها السادة، أيتها السيدات،

هل حينما نقول هذا نقصد بأنه لم تحقق الجزائر إنجازات، وهل الأفق أمامنا منسد، ولا أمل في المستقبل، ولا مأمول في الآتي. الجواب هو بكل تأكيد لا وألف لا.

أما الإنجازات فهي محققة، بعيدا عن القدر والمستوى المطلوب، وغير متناسبة مع الإماكانيات التي سخرت، وغير مرضية بالنسبة لحجم الفساد والخير المنهوب، ولكنها موجودة ولا بد من أخذها والارتكاز عليها والانطلاق منها. فهل الذي يأخذ منك مائة دينار فلا يرجع لك سوى عشرين أخذتها لأنك في أمس الحاجة إليها تقول أنه لم يرجع لك شيئا؟ لقد أرجع لك عشرين وعجز أو سرق وبذر ثمانين، فتنعم بالعشرين، وواصل طريقك نحو المستقبل. وإن من أعظم إنجازات الجزائر تعميم التعليم، خصوصا في زمن المدرسة التي سموها ظلما منكوبة. إن في الجزائر كما هائلا من المتعلمين الجيدين الذين بإمكانهم صناعة نهضة وطنية شاملة، فإن من هؤلاء من صنع الفرق حتى بين متعلمي الأمم الأخرى حيث التنافسية العلمية والإبداعية قوية، وإن من الإنجازات كذلك الكم الهائل من الهياكل القاعدية والتغطية الصحية والطاقوية القابلة للتحسين وحسن الاستغلال إذا توفر الحكم الراشد. جزى الله كل من كان له دور في توفير هذه المكتسبات كائنا من كان.

أيها السادة، أيتها السيدات،

إن آفاق الخير والبر والبشر أمام الجزائريين واسعة مفتوحة ممتدة. وإن بعد الفجر الكاذب فجر صادق بحول الله. رغم الفساد والتبذير وقلة الرشد. لا تزال إمكانيات الجزائر ضخمة كبيرة، تستطيع الجزائر أن تصنع نهضتها بلا بترول ولا غاز. إن ما في الجزائر من الإمكانيات والمقدرات أعظم بكثير مما كان لديها وما عند غيرها من البترول والغاز. غير أن استغلال هذه الخيرات يتطلب فكرا جديدا، وثقافة جديدة، ونمطا جديدا للحكم والإدراة والتسيير. إن البلد الذي يعيش على البترول الغاز لا يتطلب عبرقيات ومستويات عقلية كبيرة، طبيعة ريع البترول والغاز أنه يسهل تحويله إلى أموال نقدية فيتصرف فيها السفهاء كما يشاؤون إلى أن ينضب ذلك الريع، أما الخيرات والموارد العظيمة الأخرى المكنونة والمخبوءة في القارة الجزائرية ومحيطها فيتطلب استغلالُها والاستفادة منها ثلاثةَ شروط: الاستقرار والوقت ورشاد الحكم.

أيها الإخوة والأخوات،

إن هذه الشروط الثلاثة هي التي نشتغل عليها في حركة مجتمع السلم. همنا في حركتنا أن نحفظ استقرار بلادنا لأن الأمن هو من النعم الأولى في سلم الاحتياجات الفيزيولوجية، ثم هو شرط أساسي لتحقيق التنمية والأمن الغذائي الذي هو نعمة أخرى في سلم الاحتياجات، والأمن الغذائي هو بطريقة عكسية شرط مهم في تحقيق الأمن والاستقرار ضمن الجدلية الاقتصادية الاجتماعية التي ذكرها الله في كتابه العزيز (( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعهم من جوع وآمنهم من خوف)).

إن من أكبر ما يشغلنا في حركتنا، كيف لا نُضّيع الوقت مرة أخرى، كيف لا نهدر الفرص، كيف نستغل المتاحَ من الزمن، لنستغل ما بقي من موارد الطبيعية الحاضرة، والمواردِ البشرية المجندة، والتي لا تزال متفائلة، لندفع عجلة التنمية في أقرب آجال ممكنة، حتى لا نلتقي مع الاضطرابات الاجتماعية الكبرى مطلقا، ولكي نستأنف تشييد الوطن عاجلا.

إن من أكبر ما يُشغلنا كيف الوصول إلى حكم راشد يفهم هذا الذي نقول، حكمٌ يرتكز على قيم الوطنية الصادقة والوفاء لقيم الوطن وتاريخه، يضمن صلاحَه الضميرُ وخوفُ الله تعالى، والتدافعُ والشفافية واحترام القانون والرقابةُ على الشأن العام، يُعلي من شأن المواطنة حتى يشعر كل جزائري بأن سعادته وهناءه وكرامته وحريته ومصيره في بلده، فيعطي بلده أحسن ما عنده، يُعمِل التنافسية الحقة بين المؤسسات الاقتصادية والعلمية والسياسية والاجتماعية والرياضية والفنية والإبداعية على أساس النزاهة والمصداقية والكفاءة بعيدا عن الفساد والغش والتزوير والتدليس والصراع القذر، والغدر وصناعة الأزمات والتفريق بين الناس.

أيها السادة والسيدات،

منذ أن أنشئت حركة مجتمع السلم وهي تحاول أن توفر هذه الشروط فاستعملت وسائلَ عدة، وآلياتٍ متعددةً، واستراتيجياتٍ متنوعةً، تارة من خارج منظومة الحكم وضده بل ومصادمته في منتصف السبعينيات حين كان أحاديا متصلبا، ثم بمعارضته ضمن منهج استقر نهائيا على الوسطية والاعتدال طيلة الثمانينيات حين انتهج هذا الحكم سياسة الانتفتاح، ثم بالتعاون معه من خارجه مع معارضته، في زمن انهيار مؤسسات الدولة ووشوك الانغماس كلية في الصوملة واللبننة والحرب الأهلية الشاملة كما كنا نقول في النصف الأول من التسعينيات، ثم بمحاولة الإصلاح من داخله منذ النصف الثاني من التسعينيات بغرض طمأنته ومرافقته من داخله في الحفاظ على ما بقي من الديموقراطية وصيانة فرصة استمرار العمل وبناء مؤسسات الدولة من جديد، فحققنا في ذلك انجازات معتبرة لصالح الوطن، ثم حاولنا الانتقال إلى الشراكة الكاملة من داخلة في بداية العشرية الأولى من القرن الجديد بغرض بناء الاقتصاد وتكريس الديموقراطية والشروع في الإصلاح السياسي بعد صيانة المؤسسات ووقف العنف وتحقيق المصالحة الوطنية فلم نفلح في ذلك للأسف الشديد. ثم خرجنا في زمن البحبوحة المالية من الحكومة حين لم يُسمع لنا وحين عرفنا بأن البحبوحةَ مؤقتةٌ وأننا مقبلون على زمن قد يصيبنا ما أصاب البلاد العربية المنكوبة بعد الربيع العربي إن لم نبادر للإصلاح. أدركنا حينها بأن خطنا في الكفاح من أجل الاستقرار والصراع ضد الزمن والسعي لتوفير الحكم الراشد لا بد أن يستمر من خارج الحكومة، ضمن معارضة وسطية صارمة معتدلة بناءة إيجابية تفضل العمل المشترك وتقريب وجهات النظر، تبني على مضى ولا تهدم ما فات، عنوانها: لا حل لأزمة البلاد إلا بالتوافق المبني على المصداقية والسيادة الشعبية.

أيتها السيدات، أيها السادة،

هل ستنقل الانتخابات المقبلة حركة مجتمع السلم إلى طور سياسي جديد ضمن هذه التطورات الكبرى منذ السبعينيات. الجواب: قد يكون نعم وقد يكون لا ولكن في كل الأحوال سنبني على ما مضى ولا نكرر التجارب الفاشلة أو غير المجدية. إن آخر عهدنا بالحكومة أننا أردنا أن ننتقل فيها من التحالف إلى الشراكة فلم نفلح فخرجنا، ولن نعود لها إلا من حيث أنتهينا، أي ضمن شراكة حقيقية تقوم على أساس المصداقية السياسية والإرادة الشعبية. إننا لن نعود إلى الوراء، بل سننتقل بوطننا وحركتنا إلى الأمام على أساس وضع الانتخابات وحقيقتها ونتيجتها.

ولفهم هذه الفكرة أضع بين أيديكم السيناريوهات المستقبلية الممكنة بالنسبة للجزائر كلها والسيناريوهات المستقبلية الخاصة بالحركة.

وقبل الحديث عن السيناريوهات أضع بين أيديكم ـ مجددا رؤية حركة  مجتمع السلم للخروج من الأزمة:  ترى حركة مجتمع السلم بأن الجزائر دخلت في أزمة كبيرة على الصعيد الاقتصادي تتعلق باختلال هيكلي بين الواردات والصادرات. تراجع الريع بسبب تراجع الإنتاج وراتفاع الاستهلاك الداخلي للطاقة وعدم قدرة الأسعار الارتفاع فوق معدل 60 دولارا لسنوات طويلة مقبلة، فتلاشت مداخيلنا، ومن جهة أخرى ليس  لنا ما ننتجه من البضائع والخدمات فبقيت تكاليف حياتنا مرتفعة رغم المجهودات المبذولة في نقص الواردات. والنتيجة السريعة لهذا الإخفاق قد بدات بعد وسستعاظم في نهاية 2017-2018-2019 وهي غلاء مضطرد للمعيشة، ارفتاع معدلات البطالة والتضخم، انهيار مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، تصاعد أزمة السكن رغم المجهودات الكبيرة المبذولة ، تهري الطرقات دون القدرة على صيانتها، انتشار العوز والفقر والعياذ بالله، ونتيجة ذلك اضطرابات اجتماعية متلاحقة، تصاعد موجات العنف والإجرام والانحرافات الاجتماعية.

إن السبب في هذه الأزمة سياسي متعلق بسوء التسيير والفساد والنهب والتبذير وقلة الكفاءة واستحالة الرقابة على الشأن العام. ومهما كانت هذه الأزمة فإن للجزائر قدرات خارقة ومقدرات لا محدودة للخروج منها. غير أن الفرق بين المقدرات الطاقوية التي بذرت وبددت والمقدرات الأخرى العظيمة في الجزائر أن الاستفادة المالية من مقدرات البترول والغاز لا تتطلب ذكاء ولا عبقرية ولا رشدا. يكفي أن يخرجها الحاكم العاجز من تحت الأرض، بإمكانيات البلد او بتسليم ذلك للشركات البترولية العالمية، فيبيعها في الأسواق العالمية ويدخل جزء من أموالها في خزينة الدولة فيصبح البلد غنيا. أما المقدرات العظيمة الأخرى فإن استغلالها والاستفادة منها يتطلب حكما راشدا، ووقتا كافيا، واستقرارا دائما للاستفادة من عوائدها. ودليل النجاح في هذه الحالة هو كثرة المؤسسات الاقتصادية المنتجة للثروة والمستخدمة لليد العاملة والإبداعات البشرية. فإن تحقق ذلك يدفع البلد ديونه من عرق العمل، ثم يصبح يلبس مما يخيط ويأكل مما يزرع، ثم يصبح ينتج سيارته وأدواتِه الكهرومنزلية وربما قطارَه وطائرته، ثم تَصلُح طرقه وتتحسن مستشفياته وخدماته الصحية، وقبل ذلك وأثناءه يتحسن مردودُ التعليم وترتبط الجامعة بالقطاع الاقتصادي وتكثر براعات الاختراع ويكثر علماء الجزائر ويشتهرون في كل البلدان ومنهم من يأخذ الجوائز العلمية الدولية. وفي ظل هذه الظروف تتحسن الخدمات السياحية ويكتشف العالم جمال الجزائر فتصبح وجهةً سياحية لا تنافس، فتجر السياحة معها صناعاتٍ وخدماتٍ أخرى كثيرة، فيتطور قطاع النقل وتصبح مطارات الجزائر من أكبر محطات الترنزيت بسبب الجمال والخدمة والمصالح والجغرافية، ثم نصبح نصنع سلاحنا بيدنا وتصبح الكتنولوجيا الصلبة والحديثة تحت تصرفنا، ونصبح عندئذ قوة اقليمية حقيقية تحسب الأمم معنا وليس ضدنا أو بنا، فيصبح الجزائريون فخورون ببلدهم، فيستديم الهناء والاستقرار والرفاه، ويحق لنا عندئذ ان نقول ” شكون حنا”.

أيها السادة والسيدات،

إن الوصول إلى هذا المستوى لا يتطلب أكثر من عشر سنوات إلى خمسة عشر سنة، وثمراتُه تبدأ تظهر منذ السنوات الخمس الأولى بعد قرار الانطلاق. وقد يقول قائل هذه أحلام اليقظة، ولا يمكن لهذا أن يتحقق. والجواب: إذا كان غيرنا ممن كان مثلنا قبل عشرين، ثلاثين سنة قد حقق هذا أو شيئا منه، وبعضهم في الطريق إلى ذلك، فلماذا لا نستطيع نحن أن ” نفعلها”؟  انظروا إلى ماليزيا، تركيا، إيران، اندنوسيا، فييتنام، بولونيا، كيف كانوا وكيف هم؟ بل انظروا إلى بعض جيراننا كيف يتطورون، ولو بقي الأمر هكذا سيسبقوننا ونبقى نحن نحسدهم ولا نستطيع اللحاق بهم.

إن الشيء الذي يجب أن نفهمه، ويفهمه حكامنا خاصة، أن تجنب الصورة القاتمة الأولى التي رسمتها والانتقال إلى المشهد المشرق الثاني الذي صورته يتطلب بالإضافة إلى الحكم الراشد تضحيات كبيرة ويمر عبر سنوات عصيبة. لا بد من السير الصحيح نحوه والصبر الجميل معه في السنوات الخمس الأولى. لن تستطيع الحكومة التي تقود الانتقال إلى ذلك الواقع المشرق أن تحقق احتياجات الناس التي تعودوا عليها بالاتكال على الدولة، لن تسطيع تحمل التحويلات الاجتماعية بالشكل الذي هي عليه. ولن يصبر الناس على هذا التحول الكبير، الذي هم متجهون إليه في كل الأحوال، إلا إذا رأووا الرشد في حكومتهم، ورأوا مسالك الفساد قد قطعت، وأحسوا بتضامن وطني مجتمعي وحكومي صادق وفاعل، وتقشف يبدأ به المسؤولون، وخاطبتهم كل الطبقة السياسية بلسان واحد بخطاب الأمل: أن المرحلة العصيبة مؤقتةٌ وأن مستقبلنا جميعا سيكون مشرقا، وشعروا مع ذلك بأن كرامتهم مصونة وحريَتهم مكفولة وأصواتَهم محفوظة وقيمَهم مأمونة. فإذا وقع ذلك سنرى من الجزائريين من الصبر والتفاني في العمل والتضحية والإبداع  ما يدهش العالم، وسنكون جميعا، كلنا، بكل توجهاتنا وانتماءاتنا وأعراقنا، وأعراشنا، وجهاتنا، ومدننا وقرانا ومشتاتنا وعوائلنا في ذلك المشهد الممتاز البديع الذي حلمت به هاهنا، والذي لا شك يحلم به كل الجزائريين.

سادتي، وسيداتي،

إن مغزى كلِّ هذا أن الطريق إلى الخروج من الأزمة ومعانقة الآفاق الواعدة يتحقق بتوفر حكومة راشدة مسنودة من كل الطبقة السياسية، خصوصا في السنوات الخمس الأولى. أي أن تتجه الجزائر كلها نحو الحل، نتعاون على الحاضر بكل مصاعبه ونبشر جميعا بمستقبل واعد، يعين الإيمان به على تحمل تلك المصاعب .

إن الزمن للبدء باقتحام هذه الآفاق يلوح لنا في مستقبل قريب، وأن الفرصة للمسك بأطراف هذه الحبال الموصلة ليست بعيدة. إنها الانتخابات التشريعية المقبلة التي لم يبق لإدراكها سوى ثلاثةِ أشهر ونيف. وإن المسؤولية كلَّها في يد النظام السياسي القائم لو توفرت له الإرادة السياسية. إنه لم يصبح من المفيد الحديث عن التزوير الانتخابي، رغم القوانين الجائرة التي لم نصوت على نصوصها في البرلمان.  يمكن أن تكون الانتخابات غير مزورة، يكفي أن يقرر ذلك أصحاب القرار، يكفي أن يشعروا بخطورة التزوير هذه المرة، يكفي أن يدركوا بأن الأزمة الكبيرة القادمة، والتي ولجناها بعدُ، لن تستطيع مؤسساتٌ غيرُ شرعية ومعطوبةُ المصداقية أن تواجهها. ، يكفي أن يشعروا بأن استمرار نمط الحكم على ما هو عليه لن يخرجنا من الأزمة بل سيغرقنا فيها لا قدر الله.

إن الذي نقترحه أن تعبّر الانتخابات حقيقة هذه المرة عن الإرادة الشعبية، فتفرز كتلا برلمانية قوية ذات مصداقية، فتتطوع الأحزاب الفائزة لدعم حكومة توافقية تشمل كفاءات جزائرية من الأحزاب الناجحة وغيرها يقودها رئيس حكومة ذو كفاءة يتفق عليه، فتتعاون هذه الكفاءات على بلورة رؤية اقتصادية شاملة على النحو الذي ذكرناه وبرامج قطاعية وفقها تطبقها الحكومة ومختلفُ المؤسساتِ التنفيذية المركزية والمحلية ضمن معايير الحكم الراشد والشفافية والابتعاد عن الفساد بغرض الانقال بالجزائر من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المنتج.

إن أهمية التوافق بين مختلف القوى التي تمثل الشعب ومن يتعاون معها ليس في بلورة الرؤية ووضع البرامج ومكافحة الفساد فحسب، بل من أجل دعم الحكومة التوافقية وحمايتها أثناء هذا الانتقال الصعب الذي ستضطرب فيه الجبهة الاجتماعية، بما يحفظ هذه الحكومة من مواجهة معارضة قوية تهيج عليها الجمهور. وإن المقابل الذي تأخذه هذه الأحزاب نظير هذه التضحية بالكراسي هو شرف حماية الجزائر وخدمتها، ونيلُ فرصة الشراكة في ذلك، وضمان المستقبل الديموقراطي بتحقيق انتقال ديموقراطي متواز مع الانتقال الاقتصادي يتوافق فيه على دستور توافقي مستقبلي، وهيئةٍ مستقلة مستقبلية لتنظيم الانتخابات، وغير ذلك مما يلزم التوافق عليه من أجل مصلحة الجزائر وليس لمصلحة الأحزاب ولا الأشخاص.

أيها السادة، أيتها السيدات،

في ظل هذه الرؤية سيتشكل مستقبل الجزائر بعد الانتخابات التشريعية وفق هذه السيناريوهات الثلاثة:

1 ـ السيناريو المشرق: وقوع انتخابات حرة ونزيهة وذات مصداقية و الانخراط في الرؤية التوافقية التي ذكرناه في هذه الرؤية وعندئذ ستتجه الجزائر نحو المشهد المشرق الذي رسمناه أعلاه.

2 ـ تزوير الانتخابات والفشل في تحقيق التوافق وفرض سياسة الأمر الواقع وستتجه الجزائر عندئد إلى أحد السيناريوهين:

أ ـ سيناريو الانفلات والعياذ بالله حيث ستتافقم الأزمة بين نهاية 2017

و2018 و2019 كما قلنا وتعجز الحكومة أو الحكومات التي ستتغير كثيرا لمواجهة الشعب الجزائري الغاضب، ويعجز قلمي حقيقة أن أعبر عن ملامح هذا السيناريو نسأل الله العافية، غير أني أقول بأن أي مكروه يصيب الجزائر في هذه الحالة  المسؤول الوحيد عليه هم من بيدهم الحكم اليوم.

ب ـ سيناريو الأزمات الدائرية: الدخول في مسلسل أزمات دائرية متفاقمة قد تطول ولكن دون حدوث انفلات في بادئ الأمر وقد تتطور هذه الأزمات الدائرية إلى أحد السيناريوهين: إما العودة للسيناريو 1 أي السيناريو المشرق ضمن أصعب في اللحظة التي تتوفر فيها شروط الانتقال الاقتصادي والسياسي، إما باستفاقة على مستوى أصحاب القرار عندئذ أو تغير ميزان القوة بصعود أحزاب معارضة عاقلة تقدر على فرض قواعد لعبة جديدة تحفظ الجزائر من الانفلات ولكن تفرض على السلطة القائمة آنذاك إرادتها لمصلحة الجزائر، متسلحة بالوعي الجماهيري الجديد نتيجة زوال الوهم. وإما الدخول في لحظة يفقد فيها التوازن في السيناريو 2-أ في حالة استماتة من بيدهم الأمر في تعنتهم وفشلهم في الاستجابة لاحتياجات المواطنين وغياب أحزاب ووسائط مجتمعية تقدر على تأطير الجمهور الغاضب عنذاك.

قد يقول قائل ولكنك لم تذكر سيناريو  آخر ولو على سبيل الافتراض وهو أن يصلح هذا النظام الحاكم دون الحاجة لكل هذا ويتكفل وحده دون غيره بإخراج البلاد من الأزمة التي صنعها بنفسه، وجوابي في ذلك أن هذا السيناريو بعيد المنال ولا يصح التفكير فيه، إذ هو تسليم الجزائر لسلطة أكدت عدم قدرتها مرات ومرات ومرات على تحقيق ذلك، ليس من العقل، وليس من المسؤولية وليس من المصلحة الوطنية  أن نفكر في هذا  أو نتبع هذا الوهم، فالذي عجز عن تحقيق هذا في زمن البحبوحة المالية ضمن ظروف سياسية وأمنية وإقليمية ودولية مثالية هو أعجز على تحقيق ذلك في زمن التقشف ضمن ظروف سياسية وأمنية وإقليمية ودولية صعبة. إن التجربة البشرية في مختلف القارات ضمن ظروف مشابهة أثبتت بأن تحقيق ذلك غيرُ ممكن، وعلاوة عن كل ذلك كتاب الله يرشدنا إلى الحذر من هذه الأوهام وفق قوله سبحانه: (( إن الله لا يصلح عمل المفسدين))، وقولِه (( ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)) وقوله (( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)).

هذا عن السيناريوهات الممكنة المتعلقة بالجزائر كلها فما هي سيناريوهات خادمةِ الجزائر ، حركة مجتمع السلم.

لا بد من التأكيد قبل ذكر ذلك بأن حيرتنا في حركة مجتمع السلم هي على الجزائر وليس على حركتنا. حركتُنا أعدت نفسها لكل السيناريوهات وهي في كل الأحوال ستكون بإذن الله واقفة شامخة لا يحدوها إلا البحث عن الموقع الذي تخدم منه بلدها وفق السيناريوهات الآتية:

1 ـ تكون الانتخابات ذات مصداقية، وتنجح الحركة في الانتخابات وتستطيع أن تصل في مفاوضاتها من أجل التوافق مع المعنيين إلى مستوى الشراكة الذي يمكنها من أن تساهم في خدمة الجزائر كشريك حقيقي وليس مجرد واجهة لنظام لا تعرف أين يتجه، فتساند الحركة في هذه الحالة الحكومة بأن تكون طرفا فيها، أو أن تساندها مساندة ناقدة من خارجها للاحتياط وفق مستوى الاتفاق لمصلحة الجزائر.

2 ـ تكون الانتخابات مزورة أو لا تنجح الحركة في الانتخابات أو لا تصل إلى اتفاق يسمح لها بأن تنتقل إلى الشراكة المأمولة التي طالبنا بها في أواخر فترة وجودنا في التحالف الرئاسي، ويطلب منها أن تكون مجرد ديكور يهتم وزراؤها بقطاعاتهم ولا شأن لهم ولا لحركتهم بوجهة البلاد: وفي هذه الحالة سنبقى ملتزمين بسياسة المؤتمر الخامس، أي نحافظ على وجودنا في المعارضة على أن يكون همنا هو الانتشار التنيظمي والهيكلي والشرائحي في كل أنحاء الوطن لنكون قادرين على تأطير المواطنين بما يساعد على الانتقال إلى السيناريو 1 حين تتوفر الظروف، وتجنب الذهاب للسيناريو 2ـ أ بالنسبة للسيناريوهات المتعلقة بالجزائر على النحو الذي ذكرناه أعلاه.

هذه استشرافاتنا التي ستعمق النظر فيها مؤسساتنا بعد الانتخابات التشريعية بكل مسؤولية وبكل سيادة، وسيتحمل كل منا مسؤوليته تجاه تلك القرارت.

أيها السيدات والسادة،

إن الحركة تأخذ هذه الأمور بجد، ولا تهزل أبدا في نظراتها واستشرافاتها، كما  لا تتهاون في إعداد نفسها لتكون قادرة على التعامل مع كل هذه الاحتمالات، لأن الأمر يتعلق بوطن بات أمانة في أعناق جيلنا، نحن جيل الاستقلال ورثة جيل الثورة بعد أن أصبحنا في الصف الأول من حيث تحمل المسؤولية، كما أن الأمر يتعلق بمصير أبنائنا وأحفادنا حتى نسلم لهم وطنا آمنا مزدهرا، تشارك طلائعهم الواجب معنا اليوم ولكنهم سيعيشون فيه وحدهم غدا فلا نريد أن يلعنونا حين نغادرهم، بل نريد أن يترحموا علينا وأن يكون كل ما يقومون به غدا حسنات جارية تلحقنا في قبورنا حيث يزول بهرج المناصب والأضواء ومتاع الدنيا وغرورها. كما أن الأمر يتعلق بمصير أمة وبمصير فلسطين إذ ستقوى الأمة وتشفى من جراحها وتتحرر فلسطين إن قويت الجزائر وسلمت، وستزداد أزمات الأمة وينتهي ريحها وتذهب معها فلسطين إذا ضعفت الجزائر وغرقت في أوحال أزماتها.

لأجل هذا كله لا نتوقف عن العمل ليل نهار على بناء حركة قوية عصرية تعتمد الاستشراف والفكر والتخطيط، وترتكز على الانتشار في كل أنحاء الوطن وعلى تنمية عدد أعضائها ومناصريها وعلى تأطير الشباب والنساء ومختلف الشرائح سواء داخلها ضمن الوظيفة الحزبية أو بالتوجيه نحو مختلف مؤسسات المجتمع المدني ضمن نظرية الفصل الوظيفي بين الحزبي والدعوي، وبين الحزبي ومختلف الوظائف المجتمعية الأخرى غير الحزبية. وقد مكننا هذا من توسيع دائرة التأثير في مختلف سبل الخيرات، كما سهل لنا ذلك التفرغ للسياحة في أرض الجزائر للقاء مع الجزائريين عبر أكثر من ….. زيارة لكل الولايات في سنة 2016 وحدها شارك فيها رئيس الحركة وكل أعضاء المكتب التنفيذي الوطني لتوعية المواطنين وشرح رؤانا ومواقفنا، و180 عملا جواريا للاستماع لانشغالات المواطنين، وتحميلهم مسؤولية دعمنا لنقدر على حل مشاكلهم، ولكسب ودهم وتعاطفهم، كما استطعنا ان نملأ الساحة الإعلامية بمداخلات قادة الحركة التي تألقوا بكفاءتهم وبراعتهم في دفاعهم عن حركتهم ووطنهم وقضايا أمتهم، كما قدرنا على إنشاء مؤسسة خاصة ببلورة الرؤى والبرامج القطاعية من خلال أحسن كفاءاتنا لنقابل الحكومة ببراعة واقتدار سواء من حيث مراقبتُها أواقتراح البدائل الأفضل، وقد توصلنا إلى بلورة رؤية اقتصادية شاملة وبرامج قطاعية ل36 قطاعا لم نخبر بها الرأي العام بعد. كما استطاعت كتلتنا البرلمانية أن تتميز بعطائها في وجه الحكومة نصحا ونقدا ومساءلات كتابية وشفاهية ومشاريع قانوينة ومداخلات علمية جريئة وحكيمة وقد سطع نجمهم في مناقشة قانون المالية 2016 و2017 وكانوا سببا للوعي العام الذي وصل إليه الجزائريون تجاه ما يعد لهم من هاذين القانونين، حتى نال نوابنا اعتراف وتقدير القريب والبعيد، كما تميز منتخبونا المحليون بكفاءة عالية في حدود الصلاحيات المحدودة الممنوحة للمنخب المحلي فصنعنا في العديد من البلديات نماذج للنجاح لا يستطيع أحد مواراتها، كما توصلنا بفضل الله ان نوسع شبكة علاقاتنا الخارجية سواء في داخل الوطن حيث صارت الحركة هي بيضة القبان، الكل يرغب في دعمها، والكل يغضب من بعدها، والكثير يغار من أدائها، فاستطاعت رغم الصعوبات أن تحفظ علاقتها مع الجميع وأن تساهم في نشر ثقافة التعايش وتقبل الآخر والصبر على الخلاف وتجنب المهاترات، والتركيز على الهم الأكبر والتخلي عن سفاسف الأمور، فكانت بحق من أهم من ساهم في جمع المعارضة والإبقاء على مؤسساتها التشاركية الجديدة كالهيئة والتنسيقية رغم الاختلاف في وجهات النظر والتباين في المواقف والسياسات. كما أستطاعت أن يمتد نشاطها خارج الوطن فكانت بحق من أكبر الحركات الإسلامية التي تساهم في تطوير الفكر الإسلامي ونقل الحركة الإسلامية كلها إلى مستوى وفكر ومهارات العهد الدولي الجديد سواء على مستوى منتدى كوالالمبور أو ملتقى العدالة والديموقراطية أو التنسيق المغاربي أو الزيارات الثنائية في مختلف الدول، كما استطاعت ضمن نشاطها الخارجي ان تحتل المراتب الأولى شعبيا في دعم القضية الفلسطينية باعتراف أصحاب القضية ذاتهم.

وأما الإنجاز المبارك الأخير الذي ختمنا به سنة 2016 هو الوحدة الاندماجية التنظيمية مع إخواننا في جبهة التغيير، وحدة طبيعية لا غرابة فيها بين إخوة كانوا معا ورجعوا إلى بعضهم بعضا في سابقة غير مرصودة في الساحة السياسية والإسلامية. وحدة دفعنا إليها الواجب حين اجتمعت ظروفها المساعدة، وحدة  سنبقى نسعى لنكملها ونوفر شروطها مع إخواننا في حركة البناء كذلك، على ما تركنا عليه الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فكرة ومنهاجا وتنظيما. وحدة توصلنا إليها مع أحبائنا في جبهة التغيير بعد مسار طويل، لا شأن لها بقانون الأحزاب كما يقول بعضهم. إن الحركة غير عاجزة على جمع التوقيعات ليضطرها هذا الإكره للوحدة مع غيرها. إن قرار وزارة الداخلية إعفاءنا من جمع التوقيعات هو في مصلحة غيرنا أكثر من مصلحة حركتنا، فحركتنا هي الطرف الأساسي الذي وفر النصاب القانوني في كل الولايات باسم تكتل الجزائر الخضراء، ونحن أسعد الناس ولا شك بأن يستفيد من ذلك شركاؤنا السابقون الذين سنسعى لسبل التقارب معهم بما يخدم مشروعنا ووطننا وأمتنا.

كما أن وحدتنا لا علاقة لها بالنتيجة الانتخابيية ابتداء. إن وحدة الإسلاميين مجتمعين لن تؤثر في موازين القوة في الوقت الراهن. لا يزال النظام السياسي يستطيع أن يزور الانتخابات ويفرض إرادته ولا يستطيع الإسلاميون أن يفعلوا شيئا حيال ذلك. إن أي سلطة حاكمة مزورة في العالم تتوقف عن التزوير حين تعلم بأن الثمن الذي تدفعه إذا زورت الانتخابات سيكون فادحا. ولا يكون ذلك إلا حينما تستطيع الأحزاب حماية أصواتها بتيار شعبي قوي يقبل الخروج للشارع ليدافع عن أصواته سلميا، وهذا غير متاح في الجزائر الآن بسبب جراح مأساة التسعينيات وبسبب ما يحدث في المشرق وخصوصا سوريا، وبسبب بقاء آثار البحبوحة المالية وبسبب روح المسؤولية الوطنية التي تتحلى بها الأحزاب وفي مقدمتهم إسمها السلم. إن الشيء الوحيد الذي يضمن نزاهة الانتخبات هو تحرك النخوة الوطنية داخل النظام السياسي (وهي موجودة بقوة داخل الدولة الجزائرية)، حين يدرك هؤلاء بأن الجزائر ستواجه أزمة اقتصادية شديدة ضمن محيط أقليمي ودولي متربص لا تنفع معه المؤسسات الهشة.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات،

إن كل ما نقوم به مما ذكرته ومما لم أذكره  نقوم به هو واجب نريد به وجه الله أولا ، ثم هو واجب تجاه وطننا وأمتنا، ثم ضرورة قصوى لمواجهة المخاطر الدولية الجديدة المتعلقة بتغيير موازين القوة العالمية، التي توشك فيها الصين أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم وهي تعد نفسها استراتيجيا وعسكريا على غير عادتها لمواجهة أمريكا حماية لمصالحها،  والتي صارت فيها روسيا لاعبا أساسيا تحرك بياطق الشرق الأوسط كما تشاء من أجل مصالحها خلفا لأمريكا والغرب كله. إن تراجع القوة الغربية التقليدية الأمريكية والأوربية أنتج فراغا كبيرا مهد لصعود اليمين المتطرف الذي جعل الإسلام هدفه الأول والذي تنبئ أفكاره وخطابه باقتراب محنة صعبة يكون ضحيتها المسلمون في تلك البلاد وقد يتحول الأمر إلى مواجهات أبعد من ذلك. وفي ظل تلك الظروف الصعبة كلها يتجه المشرق العربي نحو التفكك والحروب الطائفية التي تغذيها قوى إقليمية تستغل ضعف العالم السني، مما جعل فلسطين معزولة محاصرة بانشغال المسلمين عنها، ومعزولة ومحاصرة بكيد الكيان الصهيوني الذي تفرد بها، يهدد مقدساتها بالتهويد وووجودها بالإستيطان ولو لا صمود المقاومة القسامية في غزة وصمود ثورة الدحس والسكاكين في القدس والضفة لانتهى أمرها.

إن كل هذه المخاطر الوطنية والإقليمية والدولية هي التي جعلتنا نعد أنفسنا بقدر ما نستطيع وهي التي جعلتنا نقول لشعوبنا وحكامنا في كل العالم العربي والإسلامي: إن الزمن والظروف لا تسمح بالاختلاف بيننا لنضع أيدينا في أيدي بعضنا صفا واحدا من أجل حماية أوطاننا وحماية أمتنا. اللهم فاشهد اللهم قد بلغنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. عبد الرزاق مقري

تعليق