محاولة فهم : هل الجزائر تعيش أزمة سيولة أم أزمة سياسة نقدية

في كل دول العالم قانون المالية أو الموازنةكما تسمى في بعض الدول يبنى على ثلاث سياسات أساسية .

1/ السياسة الميزانياتية politique budgutaire   ويحدد فيها إيرادات الدولة ونفقاتها وكذا العجز المحتمل أو الفائض المحتمل.

2/ السياسة الجبائية –politique fiscale  ويحدد فيها أهم الضرائب والرسوم ليس برؤية توفير الموارد المالية للدولة و إنما يراعى فيها كيفية المساهمة والتوجيه نحو صناعة جو مناسب للسير الحسن للإقتصاد وكذا نموه .

3/ السياسة النقدية –politique monétaire –  ويحدد فيها كيفية توفير السيولة الضرورية للنمو اﻻقتصادي و السير الحسن له مع المحافظة على استقرار العملة غير أن عندنا في الجزائر قانون المالية والميزانية تتم مناقشته في البرلمان من خلال سياستين فقط هما : السياسة الميزانياتية والسياسة الجبائية ،أما السياسة النقدية لا تناقش في البرلمان ، هذا الوضع الذي ساد طول حياة الدولة الجزائرية منذ الإستقلال ربما لم تكن له أهمية أو لم يرد التركيز على إبرازه وتحليل وجوده كونه يشكل وضع غير صحيح وغير طبيعي  ، الأمر كان ببساطة تامة ، يتم إعداد الميزانية على سعر مرجعي  آخره 37 دولار للبرميل والعجز كان يغطيه فائض الجباية االبترولية الذي هو جزء من إيرادات الدولة المودع في صندوق استحدث بعد الإرتفاع المفادأ للأسعار في الأسواق الدولية ويسمى بصندوق ضبط الإيرادات fond de regulation des recettes frr  رغم أن هذا الإجراء كان مخالفا لقواعد الحكم الراشد لأنه كان من المفروض أن الفائض (يعني الباقي بعد الإقتطاع لتسوية العجز ) هو جزاءا من إيرادات ميزانية الدولة والأصل أن الحكومة ليس من حقها إيداعه في صندوق ضبط إيرادات والتصرف فيه كأحد الصناديق للتحصيص الخاص cas  و إنما اعداد برنامج إضافي تستهدف من خلاله تطوير شروط السير الحسن للإقتصاد وكذا نموه من جهة ومن جهة آخرى الرفع من قيمة العملة من خلال إستثمارات سياسية الشيء الذي طالبنا به كثيرا من نواب حركة مجتمع السلم .

أما اليىم وبعد السقوط الحر الئي عرفته أسعار المحروقات في الأسواق الدولية ومدى تأثيره على ميزانيات الدول التي ترتكز بنسبة 100%   على مداخيل الجباية البترولية والجزائر احدى هاته الدول ، فلم يعد من الممكن أن نعالج عجز ميزانية بنفس الكيفية ونفس الأدوات في  ظل انهيار قدرات صندوق ضبط الإيرادات خاصة بعد الترخيص الئي جاء في قانون المالية لسنة 2017 برفع المنع عن استعمال مبلغ العتبة والذي كان مقدرا ب740 مليار دج ، بمعنى استعمال كلي لإحتياطي هذا الصندوق .

إن المتتبع للسياسىة المعلنة من قبل الحكومة من خلال قوانين المالية لسنة 2015 تكميلي و2016،2017 يلاحظ للجوء إلى الضغط على سياستين فقط وهما السياسة الميزانياتية والسياسة الجبائية ، ففي قانون المالية التكميلي 2015 وقانون المالية لسنة 2016 ، تم التركيز على السياسىة الجبائية من خلال رفع نسبة معدلات بعض الضرائب والرسوم تارة واستحداث آخرى تارة آخرى من أجل تعويض الفرق الذي أحدثته انخفاض أسعار محروقات في الأسواق الدولية ، فبغض النظر عن الأثار الاجتماعية  والإقتصادية عن هكذا سياسة ، لأن اتخائ مثل هذه السياسة سوف تنجز عنها آثار في الجانب الاجتماعي من خلال انخفاض القدرة الشرائية وبالتالي انخفاض الإستهلاك ، ومن الجانب الاقتصادي انحسار وعدم توسع في الإستثمار الإنتاجي بسبب ضعف الإستهلاك ، ومن جهة أخرى تم وضع إجراء قانوني في قانون المالية التكميلي لسنة 2015 ‘المادة 50′ تعطي الحكومة إمكانية وضع ضمن قانون المالية ………..  رؤية استشرافية للإيرادات والنفقات لثلاث سنوات مقبلة .وذلك إبتداءا من سنة 2017.(1)

أما في قانون المالية لسنة 2017 تم الإستمرار على نفس السياسة الجبائية المكرسة لسنتي 2015و2016 ، بالإضافة إلى السياسة الميزانياتية من خلال تسقيف ميزانية الدولة في 6800 مليار بعد ما وصلت إلى مشارف 8 ألف مليار في كل ما مضى .منقسمة إلى 4500 مليار  لميزانية التسيير و3200مليار لميزانية التجهيز طبعا و موازاة مع ذلك تم اللجوء إلى تخفيض من فاتورة الإستيراد من خلال تسقيف كوطة الإستيراد وتجسيدها من خلالها آلية رخص الإستيراد (الإجراء إداري وليس إقتصادي ) طبعا كان الهدف هو ضمان توازن الميزانية و توازن ميزان المدفوعات أو ما يسمى بالتوازن للاقتصاد الكلي وعدم الذهاب إلى عجز الكلّي للدولة.

والسؤال المطروح هل لم  يكن للحكومة خيارات آخرى تعالج بها الوضعية غير تلك التي أتخذت أو بديل عن ما تم إتخاذه ؟

الجواب ، لماذا لم يتم تفعيل السياسة النقدية وهي الحامل الأساسي للحلول النقدية اليوم  الحكومة تشتكي من أزمة في السيولة ، والسيولة موجودة بشكل كبير وكثير في :

الدوائر غير الرسمية للأسواق والإقتصاد. تحمل أكثر من 40مليار دولار سيولة .

-غياب آلية الأسواق النقدية أو بما يسمى بأسواق رأس المال

-غياب وعدم فاعلية الأسواق المالية .

– فوضى السوق والأسعار

-نظام مالي متكلس ، صعوبة وبيروقراطية في إيدااع الأموال ، وسحبها ، صعوبة  وبيروقراطية في عملية الإقتراض ، ولا يوجد سياسة لدى هذه البنوك  لتحفيز نحو الإدخار فيها أو الإستثمار من خلالها و تحويل الاقتصاد الرسمي ذات قيم تنافسية أكثر من الاقتصاد الموازي ,

طبعا هذا غيض من فيض ، بعد هذا التحليل الأ يحق لنا  أن نقول بأننا في الجزائر لسنا أمام أزمة سيولة لأنها موجودة في الجزائر وبيد الجزائريين وإنما نحن,,,,,,,  أمام سياسة نقدية عجزت عن إمتصاص الكتلة النقدية خارج الدائرة الرسمية والتي تمثل أكثر من 30%  من الناتج الداخلي الخام ، وماتشكله من ضغط قائل للإقتصاد الرسمي ومايمكن أن تحدثه امتصاص هذه الكتلة النقدية من حل لمشكلة عجز الميزانية من خلال الضرائب والرسوم .

عجزت كذلك عن إيجاد حوافز تساهم من خلالها في إيجاد أسواق نقدية ومالية لتكون أحد البدائل التمويلية للإقتصاد الوطني .

عجزت في المساهمة في بناء وتنظيم مؤسسة السوق لمعالجة كثير من الفوضى وعلى رأسها فوضى الأسعار ، ومنه معالجة عجز ميزان المدفوعات والتجاري بأدوات اقتصادية ، وليس إدارية قد تساهم في إطالة العجز.

عجزت عن إصلاح النظام المالي والمصرفي وتخشى أن تتحول الأزمة من أزمة ميزانية وميزان مدفوعات إلى أزمة مالية و اقتصادية تمس جميع المؤسسات الاقتصادية وهذا في الأجل القريب.

عجزت في توفيق تدهور قيمة العملة وماينجز عنه من انهيار للقدرة الشرائية وبالتالي المساس بالمتغيرات الاقتصادية (الإستهلاك ، الإنتاج،الإستثمار) .

المحتوى : اربع ورقات

                                               من إعداد النائب السابق

                                                عبد العزيز بلقايد

تعليق