يبقى العمل السياسي في دائرة الظّنّيات المتغيّرة، وليس في مساحة القطعيات الثابتة، وفي محراب الاجتهاد والتقدير والتدبير البشري، وليس في ساحة الفصل والحسم والدّقة النّصيّة.

فهو يخضع للقواعد العامة والمقاصد الكلية، وليس إلى الأحكام الجزئية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وبالتالي فهو لا يخضع إلى منطق “الحلال والحرام” أو “الكفر والإيمان”، بل ينتمي إلى دائرة “الخطأ والصواب”، وفق الاجتهاد البشري، وقد قال صلى الله عليه وسلّم: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”.

ولذلك شُرّعت “الشّورى” لصناعة القرار في قوله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم..” (الشورى:38)، وشُرّعت “المشاورة” لاتخاذ القرار في قوله تعالى: “وشاورهم في الأمر..” (آل عمران:159)، لأنها تتناول المسائل الاجتهادية وليست القضايا القطعية، مصداقا للحديث الصحيح، وهو يتحدّث عن الاجتهاد السياسي: “إنّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجرٌ واحد”، والذي لا يُحرم المجتهد من الأجر فيه في كلّ الحالات.

وهو سرّ التفريق في “الطاعة” بين الله ورسوله من جهة، فأكّد على لفظ “الطاعة” لهما، وبين اجتهاد الحاكم من جهة أخرى، فلم ينصّ له عليها باللفظ، لأنها مشروطةٌ، في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسولَ، وأولي الأمر منكم..”(النساء:59)، أي في اجتهاده السياسي التقديري، الذي لا يصطدم مع الشريعة الإسلامية وقواعدها العامة.

ويجد العمل السياسي مندوحة في فسحة الفراغ المسكوت عنها في الشريعة الإسلامية، كما قال صلى الله عليه وسلّم: “.. وسكت عن أشياءٍ رحمةً بكم غير نسيانٍ فلا تسألوا عنها..”.

ولذلك فالعمل السياسي يخضع إلى الفسحة المقاصدية وليس إلى الحدّية النّصية، وهو ما يجعله أقرب إلى الواقعية والمرونة والتغيّر، وهو ما يستوعب التعدّدية ويقبل الاختلاف..

ونعني بالمقاصد ما قصده الشّارع الحكيم لتحقيقه من وراء تشريعه للأحكام الشرعية.

ويمثل فقه المقاصد: فلسفة التشريع وروحه، كعِلمٍ معياريٍّ، يحقق مقصد التيسير ورفع الحرج، ويتداخل مع فقه المآلات والموازنات والأولويات، ويتشابك مع فقه مراتب الأعمال وترتيب المقاصد بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ويفرض وَصْل الجزئيات بالكلّيات، وينسجم مع فقه وأدب الاختلاف.

ويضربون لذلك مثلا بقوله صلى الله عليه وسلّم: “لا يصلّيّن أحدُكم العصر إلا في بني قريضة”، فأدركوا الصلاة في الطريق، فقال بعضُهم: لا نصلي حتى نأتيها (باعتبار ظاهر النّص)، وقال بعضُهم: بل نصلّي (باعتبار مقصد النّص وهو الإسراع)، فذُكِر للنبي صلّى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحدًا منهم.

وهو إقرارٌ بامتداد العقل في مساحة النّص، عبر الاجتهاد في معرفة المُراد (المقصد)، وهو أمرٌ معتبرٌ شرعًا، ولذلك لم يعنّف النبيُّ صلى الله عليه وسلّم على صاحبه.

وقد ظهر فقه المقاصد كأحد أدوات علماء الأصول في ضبط المصالح ومراعاتها، بعدما فرضت المصالح المرسلة نفسها بما لم يستوعبه القياس، بعد التطوّر الهائل للدراسات الأصولية، كنتيجةٍ حتميةٍ للتدافع الفقهي والفلسفي بين المذاهب والفِرق، وكتجلٍّ من تجلّيات تداخل المقصد الشرعي مع الحكمة والعلّة من الحكم الشرعي.

وإدارة الأحكام الشرعية مع مقاصدها – كما هو مع عِللِها – يدلّ على مرونة الشريعة وقدرتها على استيعاب الأقضية، مهما تغيّرت الأحوال، وهو المنهج الأقرب إلى المنطق العقلي المعاصر، وهو ما يساعد على تقليل دائرة الاختلاف، برَدّ المختلف فيه إلى فقه المقاصد منه، والتي تدور كلّها على قاعدة: جلب المصالح، ودرء المفاسد.

وإذا كان علماؤنا قد اسْتقرُوا ستة مقاصد شرعية كلّية، وهي: حفظ النّفس والدّين والعقل والمال والنّسل والعرض، فإنّ التجديد فيها واردٌ، على اعتبار أنّ الاعتماد على استقراء النّصوص كتصوّرٍ نظريٍّ في ذهن المجتهد، يفتح المجال أيضا لاستقراء مقاصد جديدة، لتغيّر العقول والأفهام حسب تغيّر الزمان والمكان، وأنّ ما تصل إليه عقول العلماء ما هي إلا تعبيرٌ عن الاجتهاد القابلِ للتطوّر.

ونحن بحاجة إلى تطوير المصطلحات المقاصدية في العمل السياسي، من أجل توظيف الشريعة في خدمة قضايا الأمة وتحقيق مصالحها، بما يجعلها كذلك مواكِبةً وصالحة لمعالجة اختلالات الواقع الذي تعيشه الإنسانية، وهو ما يساعد على الفهم والتصوّر، ويواكب تطوّر المصطلحات السياسية، ويضعنا في قلب الاهتمام بالشأن العام تعبّدا وتقرّبا.

ومن ذلك مثلاً:

تطوّر مقصد “حفظ النّسل” إلى مقصد “حفظ الأسرة”، باعتبارها البنية الأساسية للمجتمع والدولة، وما يتطلّبه من مراعاة حِفظ حقوق مكوّناتها، ومنها: حقوق المرأة وحقوق الطفل.

وتطوّر مقصد “حفظ المال”، بتطوّر مفهوم المال والقيمة، المرتبط بالاقتصاد الوطني والدولي، ونظريات الاقتصاد الاسلامي، ومجالات عمل البنوك الإسلامية، وتحقيق التنمية، وحفظ الممتلكات الخاصة والعامة.

وتطوّر مقصد “حفظ النفس والعرض”، إلى مفهوم “حفظ الكرامة الإنسانية”، والدفاع عن “حقوق الإنسان” وعن “الحريات”، بما لا يتناقض مع ثوابت الإسلام.

وتطوّر مقصد “حفظ العقل” من مجرد حفظه من كلّ مُسْكرٍ أو مُفتِر، إلى حرية الفكر والإبداع والاختراع والعقلية العلمية، والتخصص في أنواع العلم الضرورية لخدمة الإنسان والعمران والكون، وهجرة العقول والاستيلاب الحضاري والغزو الفكري والأفكار الهدّامة..

ومما يجب الانتباه إليه في العمل السياسي هو: تقديم المقاصد الكبرى والكلّية على المقاصد الصغرى والجزئية، مثل التفضيل بين مقصد “الحرّية” في الدساتير والقوانين، والدفاع عنها كأحزابٍ ونقاباتٍ ومنظماتٍ ومجتمع مدني، ومقصد تطبيق حكمٍ تفصيليٍّ مثل: الرّبا، في واقعٍ ربوي، تنبّأ به صلى الله عليه وسلّم، بما عمّت به البلوى، كما قال: ليأتينّ على النّاس زمانٌ لا يبقى أحدٌ إلا أكل الرّبا، فإن لم يأكله أصابه من غباره، مع عدم استسلامنا وتسليمنا بهذا الواقع.

كما أنّ المرجعية الشرعية التي تستند إليها الحركة الإسلامية، بالاعتماد على النصوص الدينية العامة تستدعي اجتهادًا في فهم النصّ وحسن استنباط الحكم منه، وإبداعًا في كيفيات استدعائه وتنزيله على واقع الناس، عن طريق الفهم الدقيق والفقه العميق، وما يتطلّبه من التزاوج بين فقه التنزيل وفقه الواقع، بكل أبعاده المتعدّدة والمعقدة، تعقيدات الحياة المعاصرة.

وهو الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تريد إصلاحه والتمكين لمشروعها فيه، خاصة مع تعدّد الفواعل المؤثّرة فيه، وتقاطع المصالح وتداخل المعطيات والأسباب المتشابكة معه، وإلا فإنها ستعاني معاناةً كبيرة، وتدفع أثمانًا باهضةً للجهل بهذه العملية المركّبة.

ولعل من أهم محاور نضالات الحركة الإسلامية: النضال من أجل القيم السياسية الإسلامية الأساسية، والتي هي إرثٌ مشترك بين الإنسانية، مثل مقصد: العدالة والحرية وحقوق الإنسان والشورى والأمن.

والتي هي من أساسيات الدّين، بل ومن أركان الإيمان، وهي مفتاح التغيير والإصلاح، وهي التي تضمن حرية الرأي والتعبير، وحرية الاختيار والانتخاب، وحقوق تكافؤ الفرص والمنافسة.

وإذا رجعنا إلى العديد من النصوص الدينية، وفهمناها في سياق التعاطي السياسي المقاصدي الجماعي الواسع، وليس في سياق التعاطي الشعائري الظاهري الفردي الضيّق سنجدها من صميم التديّن، ومن جوهر العبادة التي نتقرّب بها إلى الله سبحانه وتعالى.

فهي في المراتب المتقدّمة من سُلّم الأولويات، ويجب أن تكون حاضرةً يوميًّا في الفهم التصوّري وفي الجهاد الميداني، لتمتدّ في الزمان والمكان من حياة المسلم المعاصر، ناهيك عن ابن الحركة الإسلامية، وترتقي في السُّلَّم الإيماني كأصولٍ وليست كفروع، وككلّيات وليست كجزئيات، مثل: قيمة “التكافل والعدالة الاجتماعية”، وهي تتجلّى في الشّعور والإحساس بالآخر في مثل قوله صلى الله عليه وسلّم: “ليس منّا مَن بات شبعان وجارُه إلى جنبه جائعٌ وهو يعلم”، وهو نصٌّ عامٌ وخطيرٌ في حقِّ كلّ جار، مهما كان دينه وجنسه ولونه وثقافته وانتماؤه.

أو قيمة “حقوق الإنسان” في مثل قوله صلى الله عليه وسلّم: “المسلم مَن سَلِم النّاسُ من لسانه ويده”، وهو نصٌّ عامٌ في حقِّ كلِّ النّاس بدون استثناء، وهو تعريفٌ للمسلم الحقيقي، ببُعده الأخلاقي المعاملاتي وليس بجانبه الشّعائري التعبّدي.

ومن فقه التنزيل: مراعاة تغيّر الواقع الذي نريد إصلاحه والتعامل معه، وتنزيل الأحكام الشرعية عليه، فقد يكون الحكم الشرعي الذي نزل في بيئةٍ وواقع، يختلف عن البيئة والواقع الذي نعيشه الآن، مثل قضية تولّي المرأة للإمامة الكبرى، فهل هي تصدق على واقعنا المعاصر، الذي تغيّرت أنماط الحكم، وصلاحيات الحاكم فيه، أم هي مثل الحكم المطلق والفردي، الذي كان سائدا في الماضي، وقد ذمّ القرآن الكريم الحكم المطلق من الرجل مثل: فرعون، ومدح الحكم الشوري الموسّع للملكة بلقيس في سورة سبأ…

تعليق