مداخلة النائب أحمد صادوق رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم حول مشروع قانون المالية 2019،

يوم 12 نوفمبر 2018 الموافق  لـ 04 ربيع الأول 1440 هـ

 بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله اما بعد :

السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني

السادة الوزراء

زميلاتي زملائي  النواب

أسرة الإعلام..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

تحتفل الجزائر بالذكرى الرابعة والستين لاندلاع الثورة التحريرية المباركة و بهذه المناسبة  نقف وقفة اجلال واكبار وتقدير لأولئك الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل ان ننعم بالحرية والعيش الكريم في ظل الدولة الديمقراطية الشعبية والاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية والتي لم تستكمل  معالمها كما ارادها الشهداء  والمجاهدون.

السيد الرئيس ..

السيد الوزير ..

يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2019 في ظل أزمة متعددة الابعاد تشهدها الجزائر على عدة مستويات فعلى المستوى الاقتصادي لازالت الجزائر تابعة كليا في اقتصادها للمحروقات و عجزت عن تنويع اقتصادها رغم الانفاق الكبير ولم تصل الى تحقيق التنمية الاقتصادية ولم تطور البلد بما يحقق الرفاه و الازدهار  .

و على المستوى السياسي يعيش الجزائريون حالة من الغموض والريب و الترقب و عدم قدرة الطبقة السياسية في مجملها على رسم معالم واضحة و شفافة و مستقرة للتنافس السياسي النزيه رغم طول تجربة الانفتاح و التعددية .

وعلى الصعيد الاجتماعي نشهد غياب الوسائط الاجتماعية القادرة على امتصاص الصدمات و تأطير التوترات و ذلك بسبب سياسة الاضعاف الممنهج لمنظمات المجتمع المدني الفاعلة وللأحزاب الجادة  .

اما على الصعيد العالمي و الاقليمي فالجزائر مهددة  بمخاطر عديدة و مخططات استعمارية للسيطرة على خيراتها، اضافة الى توتر الاوضاع الامنية على طول حدودها، ناهيك عن الأنشطة المشبوهة المتعلقة بالإرهاب والمخدرات وتجارة السلاح في منطقة الساحل والهجرة غير الشرعية والتنافس المحموم بين الكبار على الاسواق والثروات .

 

السيد الرئيس ..

السيد الوزير ..

ان الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الجزائر ليست وليدة اليوم بل هي نتيجة جملة من النقائص والاختلالات الهيكلية وفشل السياسات الإصلاحية المنتهجة من طرف الحكومات المتعاقبة التي كانت تغلق أعينها وتصم آذانها حينما كنا ننبه للمخاطر المحتملة ونستشرف الوضعية الصعبة التي تنتظر بلدنا .

و الغريب ان قوانين المالية المتعاقبة منذ ظهور بوادر  الازمة لم تأتي في سياق رؤية  اقتصادية واضحة و تصحيحات عميقة و اجراءات فعالة بل كانت مجرد مسكنات وحلول مؤقتة تستهدف الاستحقاقات الانتخابية و شراء  السلم الاجتماعي و اللافت ان جل المؤشرات الواردة في مشروع قانون المالية  لسنة 2019 سلبية و تشير لحالة العجز و الفشل في تجاوز الازمة و كأمثلة على ذلك  :

  • لم يتحرك معدل النمو فوق 3% منذ سنة 2010 الى يومنا هذا، بل هو في تراجع مستمر مخالفا بذلك كل  التوقعات السابقة التي جاءت بها البرامج الحكومية .
  • العجز المستمر و المتتالي في ميزانية الدولة منذ 2007 الى يومنا هذا مع عدم وجود مصادر لتغطيته خصوصا مع نفاذ الادخار الوطني و نضوب  صندوق ضبط الايرادات .
  • العجز المستمر في ميزان المدفوعات وخاصة الميزان التجاري .
  • التراجع المستمر لقيمة العملة الوطنية حيث انتقلت من 80 دينار مقابل 1 دولار سنة 2014 الى 118 دينار مقابل 1 دولار سنة 2018 وهو معرض لمزيد من الانهيار ، دون الحديث عن السعر الحقيقي في  السوق الموازية  الذي يتجاوز هذه القيمة بكثير كما يعلم الجميع ، مما يؤثر تأثيرا مباشرا على القدرة الشرائية للمواطن وكذا ربحية المؤسسات ويقلل من التنافسية خصوصا  بين تلك المؤسسات التي تعتمد منتجاتها على الواردات .

السيد الرئيس ..

السيد الوزير ..

لم يتضمن مشروع القانون الاجراءات الصلبة والقوية لمعالجة هذه الاختلالات وتصحيحها ولا يزال يعتمد في تمويل الميزانية على ثلاثة مصادر هشة وغير قادرة على الاستجابة للطموحات ومواجهة التحديات :

  • فالجباية العادية التي مصدرها الطبقة الشغيلة ذات الدخل المحدود لا تتحمل مزيدا من الضغط الجبائي والاقتطاعات في ظل تجميد الاجور ومحدودية التشغيل اضافة الى ركود القطاع الاقتصادي وكذا التهرب الضريبي .
  • أما الجباية النفطية : فهي غير متحكم فيها لارتباطها المطلق بتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية الخاضعة لمصالح الدول الكبرى وصراعاتها على النفوذ والسيطرة كما ان مشكل  المحروقات في الجزائر لم يعد منحصرا فقط في  تراجع الاسعار بل مرتبط ايضا بعاملين آخرين مهمين و هما :
  • تراجع القدرات الانتاجية للجزائر حيث انخفضت بنسبة 37 %  منذ 2008 الى 2018 اي خلال العشر سنوات الاخيرة .
  • زيادة الاستهلاك المحلي – وهذا حق للمواطن وهو أولى به – والأرقام تشير الى أننا في سنة 2030 لن نكون قادرين على التصدير بسبب تساوي ما ننتجه مع ما نستهلكه .
  • وبخصوص التمويل غير التقليدي : فإن طبع النقود تجاوز السقف الذي حددته الحكومة بكثير حيث فاق مجموع ما تم طبعه 3500 مليار دينار جزائري  بعد سنة واحدة من اقراره ، ورغم اننا حذرنا من تداعياته السلبية و الخطيرة  على قيمة العملة الوطنية والاسعار والقدرة الشرائية للمواطن ، وطالبنا آنذاك بضرورة : ايجاد هيئة رقابية من المجلس وليس مجرد هيئة ادارية حتى نضمن الشفافية وطالبنا بتسقيف الآجال الزمنية على الا تتجاوز سنة واحدة قابلة للتجديد عند الحاجة  و الححنا على توجيه هذه الأموال لفائدة الاستثمار بهدف تحريك النمو وليس سد العجز في التسيير، الا ان مقترحاتنا رفضت كلها وها نحن اليوم أمام الأمر الواقع والتداعيات الخطيرة لطبع النقود بدون تغطية من انتاج او و اصول ذات قيمة  مما يرهن الاجيال القادمة  ويحملها ثقل المديونية التي يتسبب فيها هذا الاجراء   .

السيد  الرئيس ..

السيد  الوزير ..

الاصل في قوانين المالية ان تكون مشجعة للاستثمار بما يخلق فرص العمل ويمتص البطالة ويرفع نسبة النمو ويوسع فرص التنافسية وانشاء المؤسسات لكن الملاحظ  :

  • ان بيئة الاعمال في الجزائر غير مشجعة للاستثمار وطاردة لرأس المال ويكفي للتدليل على ذلك ان الجزائر مصنفة في الرتبة 156 في مؤشر التنافسية وممارسة الانشطة التجارية وفي الرتبة 103 في مؤشر المعلوماتية  سنة 2018.

– لازالت المنظومة البنكية والمصرفية في الجزائر جد تقليدية تعتمد على الخزينة العمومية بدل الاعتماد على الادخارات من الافراد والمؤسسات ناهيك عن التخلف في مجال الرقمنة والخدمات المصرفية المعتمدة على التكنولوجيا الحديثة  .

  • غياب الشفافية وهيمنة البيروقراطية الادارية وعدم تكافؤ الفرص بين المستثمرين وتركيز المال والاعمال في يد فئة قليلة لا أفضلية لها على غيرها سوى الولاء المطلق و شبهات الفساد .
  • رغم أهمية التحويلات الاجتماعية والمزايدة بها من طرف البعض الا انها لم تستطع ان تحافظ على القدرة الشرائية للمواطن التي تتأثر بالاقتطاعات الضريبية المتنوعة والتضخم المتزايد وانهيار قيمة الدينار والاجور الثابتة مما ادى الى تراجع متوسط الدخل السنوي للفرد من 5626 دولار سنة 2013 الى 4099 دولار سنة 2018، و كنتيجة لذلك فقدت الطبقة المتوسطة 40 % من المنتسبين اليها لصالح الطبقة الفقيرة .

ناهيك عن ان جزء معتبرا من هذه التحويلات الاجتماعية  يذهب الى جيوب رجال المال والاعمال وكبار المستوردين في شكل نفقات جبائية دون خضوعها للتقييم والمراجعة رغم اعتراف الحكومة بفشلها وعدم جدواها .

السيد  الرئيس ..

السيد  الوزير ..

إن ارادة حركة مجتمع السلم  أن تساهم في نهضة الوطن  فيصبح حديثنا  عن التطوير بدل الأزمات،   و عن منافسة الدول الغنية في أرقام الناتج الإجمالي الخام وارتفاع نسب الفوائض بدل الحديث عن عجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات ،            و عن إبداع المؤسسات وارتفاع أرقام أعمالها وتدفق سلعها وقوة تنافسيتها في الخارج وغزوها للأسواق العالمية، بدل الحديث  عن إعادة هيكلة المؤسسات والتمادي في خوصصتها .

إن مطلبنا  أن نرى الجزائر ذات يوم وقد كثرت مؤسساتها الاقتصادية الناجحة في الصناعة والفلاحة والخدمات حتى نتحرر من التبعية للبترول والغاز، وحتى تكثر فرص التشغيل والعمل .

إننا نتطلع في حركة مجتمع السلم  أن تستقر مؤسساتنا التربوية فلا تتعرض للتوظيف الايديولوجي ولا تتعطل فيها الدراسة بالإضرابات الطويلة والأزمات المتواصلة، وأن تخرج  مدارسنا المواطن الصالح العالم المفكر المنتج، وأن تكون جامعاتنا في المراتب الأولى في مصاف  الجامعات على مستوى  العالم .

إن مطلبنا ومطلب كل الجزائريين أن تكون الخدمات الصحية في مستشفياتنا و مصحاتنا راقية توفر العلاج و الراحة والسكينة لمن يقصدها وأن يكون دواؤنا من صنع ايدينا ، بما  يغني الكثير من  الجزائريين عن رحلات العلاج اليومية لدول الجوار  وعن اختيار الميسورين والوجهاء لمستشفيات فرنسا و أوروبا.

إننا نطمح  أن نصنع سياراتنا، وطائرتنا، وأن تكون مصانعنا في كل أنحاء الوطن جزء من المشهد اليومي تتدفق بضائعها ماركاتٍ جزائريةً في مختلف احتياجات الناس من الإبرة إلى الطائرة ، فلا نبيع مواردنا الطبيعية من أجل أموال نحرك بها مصانع الاستعمار والأمم التي تتربص بنا.

السيد  الرئيس ..

السيد  الوزير ..

مطلبنا أن تكون خطوطُنا الجوية جزءا بارزا في ممرات السماء في كل أنحاء العالم، وأن تكون قطاراتنا سريعة و نظيفة توصلنا حيث نريد بلا قلق ولا عناء ولا تعطيل، وأن تكون وسائل الاتصال الحديثة بين أيدينا يستعملها كل الناس لوفرتها ويسرها  ، وأن تكون إدارتنا راشدة عصرية فاعلة في خدمة المواطن بلا رشوة ولا محسوبية.

ان أملنا أن نتمتع بطبيعة وطننا الخلابة حين تتوفر خدمات السياحة في صحرائنا الشاسعة، وغاباتنا البديعة، وجبالنا المهيبة، وشواطئنا الجميلة، وحماماتنا وزوايانا وآثارنا ذات المنفعة والمعنى والتاريخ.

السيد  الرئيس ..

السيد  الوزير ..

ان أكبر ما يشغلنا في حركة مجتمع السلم، كيف نستغل الوقت و لا نضيعه و وكيف نستغل الفرص و لا نهدرها  وكيف نستثمر  المتاح من الموارد و لا نفقده حتى نجنب البلد ما يتهدده من ازمات مركبة و تحديات صعبة .

ان قناعتنا الراسخة ان  هذا لن يتم الا  من خلال توافق وطني يقتضي شراكة  الجميع وتوافقهم على رؤية سياسية واقتصادية واضحة تحصن البلد من الدخول في النفق المظلم وتخرجه من الوضعية الصعبة الى آفاق الحل  من خلال  بناء اقتصاد قوي قائم  على العلم و الخبرة والمصلحة الوطنية بعيدا عن الراي الاحادي و النظرة الاستعلائية و الاقصاء وصولا الى النهضة الحضارية الشاملة التي لطالما حققتها الجزائر طيلة تاريخها الحافل والمجيد  بما  يحقق حلم الجزائريات و الجزائريين وامنية الشهداء و المجاهدين  .

تلكم هي  آمالنا و طموحاتنا و تطلعاتنا و احلام الامس حقاق اليوم و احلام اليوم حقائق الغد والجزائر حررها جميع المخلصين و يبنيها جميع المخلصين كما كان يرددها الشيخ المجاهد محفوظ نحناح رحمة الله عليه  .

شكرا لكم جميعا و السلام عليكم .

تعليق