مداخلة السيد: ناصر حمدادوش، رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم حول مخطط عمل الحكومة يوم:28 ذي الحجة 1438هـ، الموافق لـ: 19 سبتمبر 2017م.

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمّدٍ النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين .. أما بعد:

السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني المحترم..

السيد معالي الوزير الأول الفاضل..

السادة والسيدات  النواب والوزراء الأكارم..

السادة والسيّدات أسرة الإعلام..

السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته..

إنّ أهمّ وظيفةٍ للسيد الوزير الأول في المرحلة الراهنة هي في مدى نجاحِه في رسائل الطمأنة للرأي العام، ولا أظنه استطاع – أو يستطيع ذلك – فلأولّ مرّة – في مخططات الحكومة تبدأ بـ: “الأمن والاستقرار ووَحدة البلاد”، وما فيه من إيحاءاتٍ سلبية.

هل أصبحت أهمُّ إنجازات “الشعب الجزائري” بتحقيق الأمن والاستقرار في خطر؟ وهل هذه الحكومة تقايضنا بين “الأمن والاستقرار” وبين القبول بهذه الإجراءات والتوجّهات الخطيرة، ومنها “التمويل غير التقليدي” وكأنّه قدَرٌ وحدَه لا شريك له؟ وهل هذه هي النتيجة الحتمية للحصيلة السّلبية لسياساتكم السابقة؟ وهل يتمّ – الآن – القضاء على كلّ الإنجازات السّابقة والعودة إلى المربّع الأول من السنوات العجاف لا يوسف لها؟

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

بالرّغم من التأكيدات المتكرّرة على “الحوار” إلا أنّه لا تزال لم تتوفّر “الإرادة السياسية العليا” في مباشرة “حوارٍ وطنيٍّ شاملٍ” بين جميع الشّركاء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، من أجل “التوافق السياسي” وتحقيق “الانتقال الاقتصادي”.

والحوار لا يكون إلا بين المختلفين، أما ما وقع من اللقاء مع “الثلاثية” أو مع “أحزاب الموالاة”، فهو لا يمثّل إلا مظهرًا من المونولوج السياسي والديكور الشكلي والنّظرة الآحادية الضيّقة، ولا يمثّل إلا “حوارًا مع الذّات”، بحوارٍ ظرفيٍّ وجزئيٍّ، يريد “الموافقة” ولا يريد “التوافق”، ويريد “تمييع المسؤولية السياسية” لتحميل الجميع تبعات “الإخفاقات” و”الحصائل السّلبية”، مع الاستئثار بالحكم، بعيدًا عن التداول السّلمي على السّلطة بطريقةٍ ديمقراطيةٍ شفّافة.

لا يمكن التحايل علينا بحوارٍ قد أُفقد معناه وأُفرغ من محتواه، والحركة ليست مستعدّةٌ للدخول في مسلسلٍ لإلهاء الرأي العام بركوب قطارٍ لا نعرف وجهته أو نهايته.

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

إنّ صراع الأجنحة وحالة الاستقطاب التي خرجت للعلن، وكانت من أبرز مظاهرها معركة كسر العظام بين “الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون” وبعض – وليس كلّ – ما يسمّون أنفسهم بالشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين، بالرغم من تزكيته كوزيرٍ أولٍ وتزكية “مخطّط  حكومته” بنفس الأغلبية التي تطعن فيه الآن، والتراجع عن “فصل المال عن السياسة”، يدلّ على حالة الإرباك والضبابية والترهّل الذي تعاني منه السلطة، لا تؤشّر على “الاستقرار والطمأنة وثقافة الدولة”، وهو ليس في مصلحة الوطن.

وما يخيف في هذه التغييرات الدراماتيكية هو هذا “الزواج غير الشرعي” الذي يُراد له أن يكون زواجا كاثوليكيا بين “المال والسياسة”، و”شبح” عودة رجال المال والأعمال للتغوّل على مؤسسات الدولة واختطاف قرارها السياسي والسيادي.

إنّنا لسنا ضدّ رجال الأعمال الوطنيين الشّرفاء، الذين بَنُوا شركاتهم ومؤسساتهم واستثماراتهم بعرق جبينهم، ولكنّنا ضدّ الأقلية التي تحتكر القروض والامتيازات والإعفاءات والتعامل التمييزي لصالحها دون تكافؤٍ للفرص مع غيرها، ودون أن تكون لها قيمةٌ مضافةٌ حقيقيةً وإيجابية للاقتصاد الوطني.

وإذا كانت لهم من مساندةٍ للحكومة فهو في التزامهم بالإنجاز وفي الآجال، وفي التزامهم بتوفير مناصب الشّغل، وفي الوفاء بضرائبهم، وزيادة الإنتاج الوطني، وتقليص فاتورة الاستيراد، وهو ما لا نلمسه منهم..

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

لا يمكن أن تتحقّق نهضةٌ دون أن تتوفر معايير الحكم الراشد، ومنها: استقلالية القضاء، وسيادة القانون، والشفافية والمراقبة والمحاسبة، كما لا يمكن أن تتحقّق تنميةٌ دون ديمقراطيةٍ حقيقية، وهو ما يدعونا للتأكيد أنّ أكبر مظهرٍ للفساد تعاني منه البلاد، – ومنذ الاستقلال – يطعن في شرعية المؤسسات المنتخبة ومشروعيتها هو: التزوير، الذي يزعزع الثقة ويُضعف المؤسسات ويمكّن للفاسدين، ويغري الطفيليين ويرهن التنمية ويغتال المراقبة والمساءلة ويهدّد سيادة البلاد

وإذ نعتبر “الانتخابات المحلية” القادمة (23 نوفمبر 2017م) فرصةٌ أخرى للجزائر، وهي أكبر امتحانٍ حقيقيٍّ للوزير الأول، فهل سيمسح عار “التزوير الأسود” لسنة: 1997م الذي أثبتته “لجنة التحقيق البرلمانية؟ أم سيرسّخ التاريخ وإلى الأبد بأنّ “العصا معوجّةٌ من فوق وليس من تحت”.

والواضح أنّ مخطط الحكومة لا يعبّر عن “الإرادة السياسية” في تعديل قانون الانتخابات، لضمان نزاهتها، كما أوصت “الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات”، وما يفضح ذلك هو قولُكم في هذا المخطط: “ستبقى الحكومة صاغيةٌ للهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات بعد الاستحقاق الانتخابي لشهر نوفمبر القادم..”، فماذا بقي من استقلاليةٍ لهذه الهيئة؟ وماذا بقي من مصداقيةٍ لهذه الانتخابات؟

إنكم تريدون الذّهاب إلى انتخاباتٍ بدون ناخبين، وإلى مجالسٍ منتخبةٍ بدون “شرعيةٍ شعبية”، وهذا يشكّل تهديدًا خطيرًا لمستقبل مؤسّسات الدولة.

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

إنّ دفع المديونية الخارجية سيكون من أعظم الإنجازات لو تمّ دفعه من مداخيل الاقتصاد الحقيقي، والاستثمار الفعلي، والمداخيل من خارج المحروقات.

وسيكون من أعظم الإنجازات لو استفدنا من القضاء على هذه “المديونية وخدماتها” للتحرّر من التبعية المزمنة للمحروقات، وعدم رهن البلاد بأكملها بأسعار البترول التي لا نتحكّم فيها.

إنّ عدم الذهاب إلى المديونية الخارجية (مع أنكم فتحتم بابها بقانون المالية لسنة: 2016م و 2017م، وعن طريق البنك الإفريقي للتنمية) ليس من أجل “الحفاظ على السّيادة الاقتصادية”، لأننا لا نملك اقتصادًا حتى نتحدث عن السيادة فيه؟ بل هناك أسبابٌ خفيّة تكابرون بعدم الاعتراف بها، وهي:

_ أنّ العودة إلى المديونية الخارجية قضاءٌ على أحد أهمّ الإنجازات الوهمية للرئيس واعترافٌ على الفشل الاقتصادي له.

_ ولأنّنا لا نجد مَن يُقرضنا إلا بشروطه وإملاءاته ورقابته، التي تفقدكم الحرّية في التصرّف في الديون كما تشاؤون، ولعدم وجود الضمانات لذلك.

_ ولأنّكم تحتاجون إلى السيولة النقدية لتسديد الأجور وتغطية عجز صندوق التقاعد وتسكين الجبهة الاجتماعية قبل: 2019م، وأنتم تعلمون أنّ المديونية الخارجية لا توجّه إلى ذلك، بل إلى إعادة هيكلة الاقتصاد.

_ ولأنه ليست لكم الثقة في نجاح الاقتصاد والاستثمار بتلك المديونية الخارجية المشروطة.

إنّ “الاستيراد” و”المديونية الخارجية” لا يمكنهما أن يهدّدا الاستقلالية المالية والسيادة الاقتصادية للبلاد عندما يتوجّها إلى الإنتاج والاستثمار وليس إلى النّهب والاستهلاك، فألمانيا مثلا: تستورد: 2000 مليار أورو، ولكنّها تصدّر: 3000 مليار أورو، ولذلك لا يمكنكم مغالطتنا أو الاستخفاف بعقولنا عندما تخيّروننا بين “المديونية الخارجية” أو “التقشّف” أو “التمويل غير التقليدي”، وكأنّها لا توجد بدائلٌ أخرى؟ وهذا إعلانٌ واضحٌ وصريحٌ للفشل والإخفاق، وهل جُعلت الديمقراطية إلا لمحاسبة الفاشلين والفاسدين انتخابيا ومعاقبتهم ديمقراطيًّا من أجل التنافس والتداول لخدمة الوطن والمواطن؟

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

إنّ اعترافكم بالأزمة بأنها خطيرةٌ ومتوتّرةٌ بشدّة، وأننا أمام صعوباتٍ حقيقية، وأنّها أكثر تعقيدا، هو اعترافٌ متأخّر، وهو لا يكفي دون تحمّل المسؤولية السياسية بالاعتذار من الشعب، وضرورة محاسبة الفاشلين ورحيلهم، وهو اعرافٌ بها دون الاعتراف بأسبابها الحقيقية، وهو ما يجعلكم تدمنون على نفس أسباب الفشل واستنساخ نفس ظروف الإخفاق، وهو ما يجعلكم تتحايلون على الرأي العام بتسييرٍ فاشلٍ للأزمة لا بجرأةٍ وطنيةٍ على حلّها.

إنّ الأزمةَ متعدّدةُ الأبعاد، وهي أزمةٌ سياسيةٌ قبل أن تكون اقتصاديةً أو اجتماعية أو مالية أو نقدية، وهي أزمةُ منظومةِ حكمٍ بأكملها وليست مجرّدَ أزمةَ حكومةٍ أو وزيرٍ أوّل.

والأزمةُ المالية والاقتصادية ليست أزمةَ أسعارٍ للبترول لأسبابٍ خارجية كما تدّعون، بل هي أزمةُ تراجعِ الإنتاج الجزائري للمحروقات، وارتفاعِ الاستهلاك المحلي للطاقة، وانتقالِ العالَم إلى الطاقات البديلة، وإلى منافسة دولية على البترول.

الأزمة هي أزمةُ سوءِ الحكامة في تسيير الموارد المالية والبشرية للبلاد، وأزمةُ فسادٍ ونهبٍ وتهريبٍ للمال العام وبالعملة الصّعبة، وأزمةُ تهرّبٍ وغشٍّ ضريبيٍّ من بعضِ مَن يسمون أنفسهم زورًا بأنّهم شركاء اقتصاديين (وهم شركاءٌ في الأخذ وليس في العطاء)، وأزمةُ عجز الحكومة عن استقطاب أكثر من: 40 مليار دولار في السّوق السّوداء، وأزمة تكسيرٍ للإنتاج الوطني لصالح بارونات الاستيراد الذين تعرفونهم وتتواطؤون معهم، وأزمةُ سياسةٍ نقدية وليست أزمة سيولة نقدية، وأخطر من ذلك: أزمة تدخّلٍ أجنبيٍّ في السيادة الوطنية على القرار السياسي والاقتصادي للبلاد.

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

إنّ إصراركم على الذّهاب الانفرادي إلى “التمويل غير التقليدي” بطبع الأوراق النقدية، والسّماح للبنك المركزي بتغطية عجز الخزينة، وتسديد الدّيْن العمومي الداخلي، وتمويل الصندوق الوطني للاستثمار (عند الحاجة، كما تقولون في مشروع تعديل قانون النقد والقرض)، بهذا الشّكل الجزئي والظرفي والاستعجالي، وكأنّه الحلّ الوحيد، ومع أنّه إجراءٌ معمولٌ به في بعض الدول، إلا أنّنا نؤكّد على المخاطر الحقيقية التي تنطوي عليه، لأنّ الظّروف والشّروط وغياب الآليات المرافقة له لا تسمح بنجاحه عندنا في الجزائر، والمشكلة ليست في تشكيل “الهيئة الرّقابية الجديدة”، ولكن في سيادتها واستقلاليتها، وهي دليلٌ على اغتيال دور الهيئات الرّقابية الأخرى: البرلمانية والقضائية والإدارية والأمنية.

ولا تُطبع النقود في الدول التي تحكمها الأنظمة المسؤولة إلا بقدر ما يقابلها من احتياطي الذّهب (وهو الأضمن)، أو بحسب قوّتها الاقتصادية وما يقابلها من الإنتاج الفعلي، أو ما يتوفّر من احتياطي النقد الأجنبي، مع ما يحوط ذلك من مخاوف وحذر لدى هذه الدول والمؤسسات الدولية.

إنّ الذّهاب إلى هذا الإجراءِ الآن – وبهذا الشّكل – إذا لم يحقّق الأثر المرجو منه، وهو: تحقيق النّمو ورفع الطلب، فلن تكون من نتائجه إلاّ: السّقوط الحرّ لما تبقى من قيمة الدينار، والارتفاع الفاحش للأسعار، والتصاعد الخطير لنسبة التضخّم، والانهيار الكلّي والمروّع للقدرة الشرائية، والرّكود الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة، وانتشار الطبقية…

وبقيّة السيناريو تعرفونه: توتّراتٍ وانهياراتٍ اجتماعيةٍ رهيبة، وتطوّرٍ خطيرٍ للأزمة، وتحوّلها إلى أزمةٍ سياسيةٍ وأمنية، تدخِلون بها الجيش وقوات الأمن في مواجهة الشّعب، بالحلول الأمنية التي لا تعرفون غيرها.

*) السيد رئيس المجلس، معالي الوزير الأول..

ما هو الحلّ؟ وما هي الخيارات الممكنة؟

_ الحلّ السّياسي:

1/ مباشَرةُ حوارٍ وطنيٍّ شاملٍ، بإرادةٍ سياسيةٍ صادقة، مع جميع الشركاء السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، من أجل الوصل إلى التوافق السياسي، وتحقيق الانتقال الاقتصادي، ومواجهة الأزمة معا. فالجزائر لا تحتمل الحلول الفردية، ولا مزيدا من الاحتقان السياسي، ولا مغامراتٍ في إجراءات ذاتُ عواقبٍ وخيمةٍ: نقديا وماليا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وأمنيا.

2/ اغتنام فرصة الانتخابات المحلّية القادمة (23 نوفمبر 2017م) لضمان نزاهتها ومصداقيتها بمراجعة قانون الانتخابات، لتشكيل مؤسساتٍ محليةٍ منتخبةٍ وشرعية، لاستيعاب الأزمات وتحقيق التنمية المحلّية.

3/ الدعوة إلى انتخاباتٍ تشريعية مسبقة (بين الانتخابات المحلية والرئاسية) تكونُ نزيهةً وذاتُ مصداقيةٍ وتعكس حقيقة الإرادة الشعبية، لتُشكّل الكتلُ البرلمانية الفائزة حكومةَ توافقٍ وطنيٍّ، للعبور الآمن بالجزائر من المخاطر الحقيقية المستقبلية.

ونحن مستعدّون لتحمّل هذه المسؤولية السّياسية، ومواجهة الأزمة، التي لم نكن طرفًا فيها.

_ الحلُّ الاقتصادي والمالي الآني والمستعجل:

* تقوية السّوق المالي وخاصة سوق الأوراق المالية المعطّلة (البورصة)، وتوسيع تعديل قانون النقد والقرض، ليشمل التمويل التشاركي وكلّ صيغ التمويل، التي تحفّز المجتمع الجزائري على الادّخار والاستثمار، وامتصاص الكتلة النّقدية في السّوق الموازية.

* توجيهُ حدٍّ من التقشّف إلى قسم التجهيز، وبعضِ بنود قسم التسيير غيرِ ذاتِ الألوية، بدلاً من التوسّع في فرض الضّرائب الجديدة على الاستهلاك والتداول، التي لا يتحمّلها إلا المواطن، وليَكُون المسؤولون القدوة في تحمّل أعباء هذا التقشّف.

* معالجة ملف الاستيراد بأدواتٍ اقتصادية تكرّس الشفافية وتكافؤ الفرص، وليست بإجراءات إدارية تكرّس الفساد والبيروقراطية، حسب الأولويات والاحتياجات الحقيقية للسّوق الوطنية..

* تعزيز آليات تنظيم السّوق، للحدّ من فوضى الأسعار، وازدواجية سوق الصّرف، التي تؤثّر على قيمة العملة الوطنية، ويدفع ثمنها المواطن.

تعليق