مداخلة السيد: ناصر حمدادوش، رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم حول قانون المالية لسنة: 2018م  يوم:25 صفر 1438هـ، الموافق لـ: 14 نوفمبر 2017م.

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله  وصحبه أجمعين.. أما بعد:

السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني المحترم..

السادة والسيدات  النواب والوزراء الأكارم..

السادة والسيّدات أسرة الإعلام..

السلام عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته..

لابدّ أنّ نذكّر في البداية بأنّ أصل هذه الأزمة التي تعترف بها الحكومة، هي أزمةٌ سياسيةٌ بالدّرجة الأولى، وليست مجرد أزمةٍ نقديةٍ أو ماليةٍ أو اقتصادية، مرتبطةٍ بالعامل الخارجي وهو: تقلّبات السوق البترولية.

وحتى في أزمة البترول فهي ليست أزمة أسعار، بل هي أعقد من ذلك، فهي: تتعلق بعدم تجديد الاحتياطي منذ عشر سنوات، بسبب ضعف نسبة الاسترجاع (أقل من 20%)، وبسبب ضعف الاكتشافات الجديدة، وبسبب تراجع الإنتاج منذ: 2006، وبسبب الارتفاع المطرد للاستهلاك المحلي، حيث نستهلك قرابة نصف الغاز الذي ننتجه (47%).

وحتى لو ارتفع سعر البترول إلى: 120 دولار فلن تتوازن الميزانية، لأنّ المشكلة ليست في نقص الموارد المالية ولكن العلّة فيمن يسيّرها.

فمنذ: 12 سنة والميزانية  المعتمدة  تسجل عجزًا، يفوق في كلّ مرة: 10% من الناتج الداخلي الخام، ولا توجد شفافية في تسيير ميزانية الدولة، وقد صلنا إلى حالة انسداد وتوقّف لها: إفلاسٌ كلّي لصندوق ضبط الإيرادات منذ فيفري 2017م، واستهلاكٌ لعوائد البنك المركزي الموجّهة للخزينة العمومية، وفشلٌ للقرض السندي، وإخفاقٌ في الالتزام الجبائي الطوعي، وصوريةٌ لسوق الأوراق المالية (البورصا) منذ: 24 سنة، وعجزٌ عن استقطاب أموال السوق الموازية في المدى القريب ولو أردتم، وخيبةٌ في الذهاب إلى المديونية الخارجية وقد رُفضتم.

هذه الميزانية كلها مبنيّةٌ على خداع الإصدار النقدي، وهو قانونٌ يخضع لنفس ثقافة الرّيع، وحينما تراجع الرّيع الحقيقي (البترول) جِيء بريعٍ وهميٍّ، وهو: التمويل غير التقليدي.

وبالرّغم من هذا الإجراء ومع ذلك لم ترحموا هذا الشّعب بالمزيد من الضرائب والزيادات: أفقيا بكثرتها، وعموديا بارتفاع معدّلها.

إنّ هذا الإصدار النّقدي بدون مقابلٍ أو تغطيةٍ من: احتياطي الذّهب أو العملة الأجنبية أو الإنتاج والاقتصاد الحقيقي لن يؤدّي إلا إلى: الارتفاع الفاحش لنسبة التضخّم، والسقوط الحر لقيمة الدينار، والانهيار الكلّي للقدرة الشرائية للمواطن، ستهزّ الجبهة الاجتماعية، وتغتال تلك المكتسبات ودعاوى المحافظة على الطابع الاجتماعي للدولة، وستكون نتيجته الحتمية هي: توتراتٌ وانهياراتٌ اجتماعية، تشكّل تهديدًا وُجوديًّا لمؤسسات الدولة (لا قدّر الله)، ولن يكون الحلّ إلا في: التوافق السياسي عبر الإرادة الشعبية، والانتقال الاقتصادي عبر الانتقال الطاقوي.

  • السيد الرئيس، معالي الوزير..

إنّ هذا المشروع يعترف بالمخاطر المحتملة على الاقتصاد الوطني، والتي تضعِف توازنه الكلّي والمالي بسبب تقديركم: استقرار أسعار النّفط بين: 50 و 55 دولار بفعل انخفاض الطلب العالمي وارتفاع إنتاج الغاز الصّخري، وبسبب استمرار انخفاض الموارد المالية الداخلية المخصصة للاستثمار، والتي تؤخّر إنجاز المشاريع الهيكلية، وبسبب استقرار فاتورة الواردات في السّلع والخدمات عند مستوى: 45 مليار دولار مما يؤثر على تآكل احتياطي الصّرف.

كلُّ ذلك سيؤدّي إلى: اللّجوء إلى المديونية الخارجية ومخاطرها، وإلى التباطؤ في تنفيذ الإصلاحات، بسبب تكاليفها المالية والاقتصادية والاجتماعية.

وكغيره من مشاريع قوانين المالية، والتي تتزيّن بأهدافٍ وأحلامٍ ورديةٍ، وهي أهدافٌ غيرُ واقعية، ولا تزال مجرد شعاراتٍ فارغة، للمزايدة السياسوية أكثر منها لتحقيق النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي لبيع الوَهم، وشراء السّلم الاجتماعي، وتأمين مرحلة ما قبل: 2019م فقط، وهي مخالفةٌ لتقديرات وتوقّعات المؤسسات الدولية، ومن هذه الأهداف:

 1/ تحقيق تطلعات الشّعب الاجتماعية: بالمزايدة دائما بشعار المحافظة على البُعد الاجتماعي للدولة، وهو لا يتحقق بالحشد الكبير للتحويلات الاجتماعية، بقدر ما يتحقق بتجسيد العدالة الاجتماعية في التوزيع، وذهابها إلى مستحقيها في السّكن والتعليم والصّحة وذوي الحقوق والاحتياجات الخاصة، وإلا فإنّ ما تعطيه الحكومة باليمنى تأخذ باليسرى، لأن حجم الضرائب والزيادات والرّسوم (الجباية العادية تقدّر بـ: ) تساوي حجم التحويلات الاجتماعية (17.6 مليار دولار)، فأين هو الطابع الاجتماعي للدولة؟ وكم ستصمد هذه التحويلات أمام الواقع المزري والحقيقي للمواطن؟.

2/ رفع نسبة النمو: والتي يتوقّعها هذا المشروع في حدود: 4 بالمائة، وهو معدّلٌ عالٍ، ومخالِفٌ لتوقعات المؤسسات الدولية، والتي تقدّره بـ: 0.8 بالمائة فقط، مع التذكير بأنّ جميع التوقعات لنسبة النّمو في قوانين المالية السابقة مبالغٌ فيها، ولم تتحقق أبدًا، لكونها تقديراتٌ وهميةٌ، وتتجاوز الحقائق والقدرات الفعلية للاقتصاد الوطني.

3/ استحداث مناصب الشغل: مع أنّ معدلات البطالة تتزايد، ولم يتم الحديث عن هذا المؤشر بالأرقام في هذا المشروع، فكيف يتحقّق مع تخفيض وتسقيف نفقات التسيير؟ والجميع يعلم أنّ معدّلات البطالة متزايدة من سنةٍ إلى أخرى، فهو هدفٌ غير واقعي، لعدم فتح مناصب الشغل، وتوقيف التوظيف في العديد من القطاعات، وأنّ قدرات القطاع الخاص محدودةٌ في ذلك.

4/ تنويع الاقتصاد الوطني: وهذا الهدف مجردُ أملٍ وأمنيةٍ منذ الاستقلال، وطموحاتُ تحقيقها لا تزال بعيدة، فلا زلنا في ارتباطٍ مزمنٍ بالمحروقات، مع الإصرار على الذّهاب إلى الغاز الصّخري مجدّدًا، كما أنّ هذا القانون لم يشر إلى أيّ بُعدٍ اقتصاديٍّ، بالتوجّه نحو القطاعات المرتبطة بالاقتصاديات البديلة، وإنما هو قانونٌ جبائيٌّ للّهث وراء السيولة، فهو مملوءٌ بالعديد من العقوبات (الغرامات)، وأنّ استقرار النمو خارج المحروقات يكذّب هذا الطموح.

  • السيد الرّئيس:  

لابدّ من التنبيه أيضا إلى خطورة تكريس الممارسات التي تفقد البرلمان سيادته على التشريع والرّقابة، فلا يزال التشريع بيد الحكومة: 100% ، ولا تزال مشاريع القوانين تمرّ على المجلس كما تأتي، وكأننا غرفةُ تسجيل ولجنةُ مساندة ومكتبُ عبور، ولا تزال المقترحات والبدائل والتعديلات تُرفض على الهوية، ولا تزال جلسات الإجابة على الأسئلة الشفوية والجلسة الشهرية للمعارضة معطّلة، وانعدام الرقابة البرلمانية على الصناديق الخاصة (60 حسابا)، ومنها: صندوق الضمان الاجتماعي الذي سنمنحه: 500 مليار دج لن يخضع للرقابة في تسييره، وحتى خرق الحكومة للقانون بتجاوز تسقيف الميزانية دون تقديم تقريرٍ عن ذلك، تدلّ أننا لسنا سلطة على الحكومة، ولا نطبّق المبدأ الدستوري في الفصل والتوازن بين السلطات..

  • السيد الرئيس، معالي الوزير:

ليست لنا الثقة في الأرقام المتضاربة وغير الصحيحة التي تقدّمونها، والتي تكذّبها أرقامكم نفسُها عندما نرجع إلى توقّعاتكم في السنوات السابقة، وبين حقيقة الأرقام التي وصلنا إليها الآن، كما أنه ليست لنا الثقة في هذه الإجراءات والتدابير التشريعية في هذا القانون، لانعدام الشفافية وغياب المصداقية فيها، مثل: نِسب البطالة والتضخّم والنمو، وعدم ذكر مقدار التمويل غير التقليدي في باب الإيرادات.

ومع أنه هناك مجهوداتٌ مشكورةٌ لإطارات وزارة المالية للذهاب إلى العصرنة في الميزانية، إلا أنّ الشفافية في التسيير تزعج جهاتٍ أخرى.

  • السيد الرئيس، معالي الوزير..

إنّ الزّيادة في نفقات التجهيز والمفاخرة بها هي: مهمّةٌ إذا كانت مصحوبةٌ بحركيةٍ اقتصاديةٍ خالقةٍ للثروة، وموفّرةٍ لمناصب الشغل، ومموّلةٍ للخزينة العمومية، ومدعّمةٍ للميزان التجاري، وإلاّ فلا معنى للبُنَى التحتية بدون استثماراتٍ حقيقية، ولا يمكن مخادعة الرأي العام الآن لأنها موجّهةٌ إلى تسديد نفقات إعادات تقييم المشاريع القديمة والمتأخّرة، وليس إلى تسجيل مشاريع جديدة، وهذا مظهرٌ آخر من مظاهر الفساد وسوء التسيير، وضعف التخطيط والاستشراف.

كما أنّ التراجع في ميزانية التسيير، هو إجراءٌ صحيحٌ إذا كان بغرض ترشيد النّفقات والتقدير الحقيقي للاحتياجات، وهو اعترافٌ ضمنيٌّ بعدم الرّشد وسوء التقدير في قوانين المالية السابقة، وهو بالمقابل يثير المخاوف من ارتفاع نسبة البطالة، والتراجع في التوظيف، وعدم التعويض للموقّفين والمسرّحين والمتقاعدين، حيث يتمّ تعويض: 01 من أصل: 05 فقط، وهو ما يلغي الأثر المرجو من النمو (04%).

  • السيد الرئيس، معالي الوزير..

إنّ مقارنةً بسيطةً بين حجم الزيادات والضرائب على المواطن (الجباية العادية = )، وحجم الإعفاءات والامتيازات لرجال الأعمال = 600 مليار دينار كنفقات جبائية، بالإضافة إلى جزء من التحويلات الاجتماعية لهم (الدّعم الضّمني)، وحجم تهرّبهم الضريبي، وبدون تقييمٍ ولا مراقبةٍ ولا متابعةٍ للقروض الممنوحة لهم، وبدون دراسة الجدوى من استثماراتهم وعوائدها على: التشغيل ورفع نسبة الإنتاج الوطني وتنويع الاقتصاد، وتخفيض قيمة الاستيراد، والتزامهم الضريبي والجبائي، ودعمهم للخزينة العمومية، ندرك بأنّ قانون المالية منحازٌ لرجال المال على حساب الشّعب، فلا تزال إلى الآن ضرائب الموظفين (irg) أكبر من ضرائب المؤسسات الاقتصادية (ibs)، وهي حالةٌ تدلّ على عطب الآلة الاقتصادية وهشاشة التوازنات.

  • السيد معالي الوزير..

إنّكم تبرّرون لهذه الإجراءات القاسية والحتمية بدعم الاستثمار وتنويع الاقتصاد وتشجيع الإنتاج الوطني، ولكنّ بيئة الاستثمار ومناخ الأعمال في الجزائر يقضي على الأحلام الوردية للحكومة.

فجلّ الهيئات التي تصدر المؤشرات المتعلقة بالتنمية تصنّف الجزائر في المراتب المتأخرة، مثل مؤشّر: التنافسية، والحرية الاقتصادية، وتقرير التنمية البشرية، وتقارير البنك الدولي، لاغتيال الديمقراطية، وغياب الشفافية، وعدم الاستقرار التشريعي، والبيروقراطية الإدارية، وضعف البنى التحتية، ومشكلة العقار، وتخلّف المنظومة المالية والمصرفية .. وغيرها.

ودليلها هو: ضعف تدفّق رؤوس الأموال، وتراجع حجم الاستثمارات الداخلية والخارجية، التي يظهرها عجز الميزان التجاري ()، عجز وميزان المدفوعات ().

كما أنّ الحديث عن “التمويل التساهمي الإسلامي” في قانون المالية – وهو مسعى ندعّمه لكونه مطلبا شعبيا – إلا أنّ رفض إدراجه في قانون النّقد والقرض، وعدم توفير شروطه القانونية والشرعية، ومنها: ضمانات قانونية وتشريعية وتنظيمية، وبيئة مناسبة، وسوق مالية نشطة، وألا يكون حكرًا على الخزينة والبنوك العمومية، بل لابد أن يوسّع إلى كلّ المؤسسات المالية والمصرفية الراغبة في ذلك، وأن يكون الهدف منه هو تحقيق النمو الاقتصادي وتشجيع الادّخار، وليس الغرض منه مجرد الحصول على السيولة، وإفراغه من محتواه، كلّ ذلك يجعلنا ننبّه إلى أنه يُراد له الفشل من البداية، حتى يتمّ التبرير للتخلي عنه مستقبلا، كبديلٍ حقيقي في الاقتصاد الفعلي.  

  • السيد الرئيس:

إنّ تأخير المصادقة على قانون المالية لسنة 2018م إلى يوم: 26 نوفمبر (أي بعد الانتخابات المحلية) لهو دليلٌ قاطع على حجم المخاطر التي تريدون إخفاءها على الشعب الجزائري في إجراءات هذا القانون، والتوظيف السياسوي، والخوف من العقاب الشعبي الانتخابي ضدّ أحزاب الموالاة.

وبالمناسبة: كيف يمكن تبرير المجازر التي طالت القوائم الانتخابية، والتي تجاوزت الأحكام القضائية واحتكمت إلى التقارير الأمنية والقرارات الإدارية؟ وبالعبارات التي ترجعنا إلى المأساة الوطنية مثل: خطر على النظام العام، ومسجل في المحفوظات الأمنية، فهل يُعقل أن يُقصى رئيس بلدية لعدة عهدات وهو ضابط شرطة قضائية وآمر بالصرف على المال العام يصبح بين عشية وضحاها خطرا على الأمن والنظام العام؟ وهو الآن حرٌّ طليق؟.

إنه ممارسة غير ديمقراطية، وإقصاء غير قانوني، وسلوك غير أخلاقي، وعمل غير إنساني، وانتهاك غير دستوري لحقّ المواطنية والحقوق المدنية والسياسية للمواطن.

وشكرا لكم والسلام عليكم.

 

تعليق