بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

الكلمة الافتتاحية لمجلس الشورى الوطني في دورته الأخيرة قبل المؤتمر السابع

السيد رئيس مجلس الشورى الوطني ونائبه وأمانته.
السادة والسيدتان أعضاء المكتب التنفيذي الوطني.
السادة والسيدات المؤسسون ورؤساء المكاتب التنفيذية الولائية ورؤساء المؤسسات.
السادة والسيدات أعضاء مجلس الشورى الوطني.
السادة والسيدات الضيوف وأسرة الإعلام.
السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته،

قبل الشروع في هذه الكلمة الافتتاحية تتوجه أفكارها ومشاعرنا لإخواننا الفلسطينيين الذين ابتكروا وسيلة جديدة للمقاومة بالتوجه بأعداء كبيرة من غزة ومخيمات اللاجئين لمواجهة عساكر الاحتلال بصدور عارية في هذه اللحظات نحو بلداتهم وقراهم المحتلة، وقد فعل هذا النمط الجديد من المقاومة فعلته فاتسع الشك لدى المحتلين في إمكانية بقائهم في فلسطين وكسب المظلومون مساحات جديدة من التعاطف على المستوى الدولي، وهم يدفعون في سبيل ذلك قوافل جديدة من الشهداء والجرحى نسأل الله لهم النصر والتمكين والتوفيق ووفقنا الله تعالى لنكون سندا لهم ودعما، بل شركاء معهم في تحرير فلسطين والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين.

أيها الإخوة والأخوات، السادة والسيدات،
حينما طلب مني أن أقدم كلمة افتتاحية في مستهل هذه الدورة ، احترت في ما عساني أن أقول في مجلس لا يصلح أن أقدم فيه تقريرا عن فترة مضت ولا أن أعرض فيه برنامجا لمرحلة مقبلة كما جرت العادة. فاخترت أن تكون كلمة للشكر والوفاء وللتذكير برسالتنا وهويتنا ورؤيتنا وأهدافنا وأحلامنا، من نحن وماذا نريد.

و بما أن هذه الدورة هي آخر دورة من دورات مجلس الشورى الوطني في هذه العهدة المنقسمة بين فترتين: فترة عادية بين ماي 2013 و جوان 2017 وفترة توافقية في إطار الوحدة إلى غاية ماي 2018. اسمحوا لي أن أوجه أولا، بهذه المناسبة، شكري وامتناني وحبي واعترافي وتقديري لجميع أعضاء مجلس الشورى الوطني. وتتوجه هذه المشاعر ابتداء إلى مجلس الشورى في فترته العادية قبل مجلس الوحدة، ذلك المجلس الذي لن تنمحي ذكراه من ذاكرتي أبدا بإذن الله. ذلك المجلس الذي فرض مصداقيته وهيبته في داخل الحركة وخارجها، وعبر عن سيادته واستقلاليته في أسمى المعاني، ورفع قيمة الحركة وحماها وحصنها وسيجها فجعل لها أسوارا عالية لا تصيبها رماح مسددة ولا نبال طائشة. إنني أعبر عن مشاعري هذه كلِها لكل عضو من الرجال والنساء في مجلس الشورى الوطني الذين سددوا قيادة الحركة ونصحوها في مسيرة الحركة السياسية والاستراتيجية، ومع التسديد والنصيحة نصروا وأيدوا وشجعوا وباركوا كل عمل قرروه فنفذناه، لم نر لهم ترددا في مؤازرة المكتب التنفيذي الوطني في عشرة مجالس شورية وطنية على عشرة، وكان التأييد يتأكد أكثر كلما تسارعت وتيرة الوضع السياسي في الجزائر واشتد فيه الجذب والتشكيك في الحركة وقيادتها. فكانت تلك المؤازرة التي أبانت عنه نتائج التصويت في كل دورة عادية أو استثنائية هو سبب المكانة السياسية التي عليها الحركة اليوم بما جعلها في منأى عن العبث الحكومي الذي يهز قيمة البلد ويضيع فرصه في التنمية والتطوير ويعمق أزمته في حاضره ومستقبله، وجعلها معشوقة مطلوبة من سلطة تريد تزيين واجهتها بالحركة لما لها من مصداقية وأناقة وجمال، ومعارضة تريد أن تتقوى بها لانتشارها وفاعليتها وحكمتها، وهي – أي الحركة – اختارت أن تعيش للإسلام والجزائر ضمن منهجها الوسطي ومعيار المصلحة العامة والمبادئ الخالدة. إن ذلك التكامل والتجانس والتدافع على قاعدة الأخوة والمحبة والثقة والحرية هي التي جعلت الحركة تتطور في مختلف وظائفها السياسية والفكرية، والدعوية والتربوية، والاجتماعية والمجتمعية بما صيرها حركة مبادرات ومساهمات سياسية وبرامج قطاعية وتنموية وأفكار تطويرية، انبنت عليها مؤسسات وظيفية أسست ونمت وأينعت ثمارُها الأولى في أوقات قياسية، وانفتحت بها مسارات تجديدية مستقبلية ستجعل الحركة رافعة من روافع التجديد في القرن الجديد الذي نحن فيه، بناء على ما غرسه المؤسسون وطوروه رحمهم الله وجعلنا وإياهم شركاء في الأجر سابقا ولاحقا.

إنني أتوجه إليكم أيها الإخوة والأخوات أعضاء مجلس الشورى الوطني في الفترة الأولى، وأخص بالذكر أعضاء المكتب التنفيذي الوطني ورؤساء المكاتب التنفيذية الولائية والبلدية وكل من كانت له مسؤولية تنفيذية أو دعا لنا بدعاء صالح من بداية العهدة إلى اليوم، على دعمكم ومساندتكم وبذلهم وعطائهم وتطبيقهم للخطة والمستهدفات وتوفير أجواء الأمان والظروف الحسنة للعمل والإنجاز، وعلى المحبة والمودة التي غمرتموني بها أنا وجميع التشكيلة القيادية، وارفع لكم، على الخصوص، أسمى عبارات التحية والتقدير على الثقة العالية التي تعاملتم بها في معالجة وإنجاز مطلب الوحدة التي صادقتم على إمضائها وفق مراحلها الثلاث: المرحلة الانتخابية التي برهنتم بها على صدقكم وبعد نظركم، والمرحلة التوافقية التي أنجزتموها بنجاح كبير فلم يبق منها سوى ثلاثة وثلاثين يوما بإذن الله لندخل في مرحلة ثالثة تحكمها الشورى المؤسسية والديموقراطية الفعلية.
إنه بكل تأكيد ليس هذا هو مقام تقديم تقارير إنجازات عهدتنا الخماسية، ستكون لنا فرصة موسعة لذلك بالتفاصيل الطويلة في المؤتمر بحول الله، ولكن أردت أن أعبر عن معاني الوفاء لمن ساعدوني وحموني وأحبوني وساندوني فأقول لهم شكرا لكم شكرا لكم شكرا لكم.

أيها الإخوة أيتها الأخوات:
إن هذا المجلس الذي نحن فيه اليوم في المرحلة التوافقية، بسعته وجماله وتنوعه وتراكمه التاريخي، هو ليس قراري ولا قرار المكتب التنفيذي الوطني وإنما قرار مجلس الشورى الوطني الأول في المرحلة الأولى فلذلك أدعوكم جميعا أيها الأخوة الحضور لشكره وشكر رئيسه الأستاذ أبو بكر قدودة ونائبه الأستاذ علي قدور دواجي. ولأن نيات ومقاصد إخواننا في مجلس شورى حركة مجتمع السلم ومجلس شورى جبهة التغيير قبل الوحدة، وعلى مستوى الشخصيات التاريخية المرموقة كالاستاذين السعيد وبوجمعة ومن مثلهما مم ساهم في هذه الوحدة الميمونة كانت صافية صادقة بإذن الله كان هذا المنتج بهذا الثقل التاريخي الكبير لهذا المجلس العظيم الذي سيذكره التاريخ ويسجل لحظتَه وأثره العميق، إن هذا المجلس هو الذي جمعنا بكل اجيالنا، وبكل أعمارنا، وبكل تنوعنا، وهو الذي أعطى القدوة في إمكانية تحقيق الوحدة والاعتصام امتثالا لأمر الله تعالى في سورة آل عمران: (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ))، وهو الذي أعطى النموذج للاحزاب والجماعات والجمعيات كيف تدار مشاريع الوحدة وكيف تكون إدارة الاختلاف وتثمين التنوع. وهو المجلس الذي جمعنا بإخوة وأخوات احبوا بعضهم بعضا في الله قديما، وبعد ان نزع الشيطان بينهم عادوا إلى بعضهم بعضا فلم تمر إلا شهور قليلة من الالتقاء إلى الاندماج حتى صاروا جسدا واحدا كأنهم لم يفترقوا أبدا، فالتحية لكم جميعا أيها الأخوة والأخوات ابتداء من رئيس المجلس الحاج طيب عزيز إلى كل واحد منكم في كل جنبات هذه القاعة، وأود بالمناسبة أن أحيي إخواني وأختي الجدد في المكتب التنفيذي الوطني الذين كانوا في مستوى المسؤولية فلم أر منهم إلا الخير والبر والأخلاق الفاضلة مثلهم مثل إخوانهم وأختاي الذين رافقوني من قبل فاللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد. وإنني لهذا النبل الذي رأيته في جميعكم من كل المشارب و بكل المسارات التاريخية والبيئية والتوجهات المتنوعة أعلن للجميع بأنني مطمئن تمام الاطمئنان بأنكم ستكونون في مستوى الأمانة التاريخية التي بين أيديكم دون غيركم وهو تهيئة الظروف لنجاح مؤتمرنا السابع من حيث تأكد نجاح و نجاعة مسار الوحدة، ومن حيث تجسيد معنى الشورى والديموقراطية، ومن حيث تطوير النصوص والآليات والسياسات في الحركة لتحقيق معنى التجديد الجماعي الذي نحن في زمنه وبصدده، ومن حيث تأهيل الحركة لتكون بعد المؤتمر في ريادة صناعة التوافق الوطني المفضي إلى التنمية والانتقال الديموقراطي.

أيها الأخوة والأخوات،
يقول الله تعالى: ((ولا تنسوا الفضل بينكم)). إن الوفاء خصلة من خصال الرجال، وسمة من سمات المروءة، وهو سنة من سنن المصطفى إذ كان عليه الصلاة والسلام يحسن دوما لمن أحسن إليه، وقصص الوفاء في سيرته كثيرة، للإنسان وللجماد على السواء ، لا يسع المجال لذكرها، وذكري لفضل هؤلاء الأفاضل الذين يقابلونني ومن وراءهم هو لغرض غرس هذه القيمة في نفوس الأجيال ولأبين للجميع بأن لا أمان بلا وفاء، ولا ثقة بلا وفاء، ولا طمأنينة بلا وفاء، ولا جوار بلا وفاء، ولا نجاح وتوفيق بلا وفاء. فشكرا لكم جميعا أيها الإخوة والأخوات وجزاكم الله خيرا ورفع مقامكم وأدام الود والتعاون بيننا.

أيها الأخوة والأخوات، أيها السادة والسيدات، أعضاء مجلس الشورى الوطني، السادة أسرة الإعلام، السادة الضيوف.

إنه من المفيد أن تتذكر وتذكر المؤسسات والمنظمات وحتى الشخصيات الفاعلة في الشأن العام بهويتها وأهدافها ورسالتها ورؤيتها بين الحين والحين حتى يكون الجميع على بينة في رسم مسارات الإنجاز والنضال و التعاون أو التنافس أو في إدارة التحالفات المقصودة أو الصراعات المفروضة.

إن حركة مجتمع السلم حركة وطنية ذات خلفية حضارية إسلامية، تستمد وجودها واستمرارها من إرادة مناضليها الذين هم جزء من الشعب الجزائري العظيم فلا أحد غير مناضليها يقرر مصيرها، بنت هويتها من مقومات هوية الوطن تعتز بأصولها الأمازيغية وتلتزم بانتمائها الإسلامي وتنخرط في فضائها العربي بتلقائية تامة وتوازن مطلق. شكّل فكرها وصقل منهجها مرجعيتُها الإسلامية وتراثُ الحركة الإصلاحية الباديسية الجزائرية، وموروثُ الحركة الوطنية الذي اجتمع في وثيقة الإجماع الوطني في بيان أول نوفمبر، وما قامت عليه الحركة الإسلامية الوسطية في العالم وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين والمنهج التي تركنا عليه الشيخ محفوظ نحناح رحمه، لم نبدل في ذلك كله يوما ولم نغير، سوى ما يدعو له المنهج ذاته من التطوير والتجديد في إطار جماعي ومؤسسي. وكل ما قيل من قبل وما يقال اليوم وما قد يقال غدا من لمز وسوء ظن في حركة مجتمع السلم في شأن الالتزام بالمنهج هو اعتداء وإسفاف نتعفف عن ذكر أسبابه الحقيقية. وفي إطار هذا المنهج وعلى أساس هذه الهوية تَعتبر حركة مجتمع السلم نفسها حركة إصلاحية تغييرية وفق قوله تعالى (( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب))، مؤمنة بأن التغيير لا ينزل من السماء بلا سبب، ولا يوهب للأفراد والأوطان والأمم، وإنما هو مسؤولية وجهاد تجاه الذات الفردية والجماعية وفق قوله تعالى في سورة الرعد: (( لهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ 11))،وقولِه تعالى في سورة الأنفال: (( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) )) ، تعتبر نفسها جزء من الأمة التي عنيها اللله في القرآن الكريم بمعنى الجماعة بين المسلمين الذين حملوا على عاتقهم الفريضة الكفائية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار جماعي منظم وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: :(( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)))، مجال كفاحها وفق هذه المقاصد هو الجزائر ورؤاها وأهدافها وبرامجها وعلاقاتها تتجه للجزائر، ولكنها تطلع إلى مغرب عربي موحد، وعالم عربي وإسلامي متعاون، وفضاء افريقي متكامل، واتصال بالدول في إطار حسن الجوار وتبادل المنافع، تتوق إلى المساهمة في تحرير فلسطين وعالم يسوده الأمن والعدل وكرامة الإنسان وسلامة المحيط.

أيها الإخوة والأخوات، أيها السادة والسيدات،
تلك هي هويتنا، وتلكم هي رسالتنا، وذلك هو جوابنا لمن سألنا: من أنتم؟ أما إن سئلنا ماذا نريد، وما هي رؤيتنا؟ فإن جوابنا بكل صدق وأمانة، هو أن ننقل تلك الدال من دال الدعوة الرحيمة إلى دال الدولة الرشيدة كما كان يقول الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، أو ننقل الفكرة من المجتمع حيث حققنا فيه مع غيرنا الصحوة إلى الدولة لنحقق فيها النهضة فالحضارة. وإن الدولة التي نريدها، قولا قويما مسددا، لا تَكلّف فيه ولا اختشاب: هي الدولة التي حددها ورسم معالمها ووضع أسسها بيان أول نوفمبر، ذلك البيان الذي يمثل مشروع تحرير وبناء تحقق حوله الإجماع بين الجزائريين كما لم يتحقق لغيره من قبل ولا من بعد. تلك هي الدولة التي نريدها ونعمل على تحقيقها، نعمل لها سياسيا لتكون كذلك، ونعمل لها مجتمعيا لحمايتها وإدامتها على ذلك. تكون الديموقراطية فيها هي قاعدة التداول والتنافس على خدمة البلد والمواطن وتحقيق التنمية والرخاء والرفاه والأمن والأمان والازدهار، ويكون الشعب فيها هو صاحب الكلمة العليا في اختيار الحكام والسياسات، حرا مكرما معززا في وطنه وحيث ما ذهب أفراده في أي مكان في العالم، خياراتها التنموية اجتماعية توزع فيها الثروات وتمنح الفرص بالعدل والقسطاس المستقيم، ذات سيادة في قوانينها وتشريعاتها ومؤسساتها واقتصادها وثقافتها وعلاقاتها وتحالفاتها وعلاقاتها الدولية، تنقاد للمبادئ الإسلامية فلا تخالف نصا من الكتاب والسنة قطعي الثبوت قطعي الدلالة وتستفيد من عبقرية الإسلام وموروثه الحضاري في بناء نهضتها وإدراك مستوى الحضارة بين الأمم. وتضبط بوصلتها في الإبحار نحو التعاون مع غيرها في الفضاء الخارجي انطلاقا من أولوية مشروع اتحاد المغرب العربي ووحدة شمال إفريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي. تماما كما نص عليه بيان أول نوفمبر الذي كأنه خرج من مشكاة النبوة.

أيها الإخوة والأخوات، هذه هي الدولة الجزائرية التي لم تكتمل منذ الاستقلال والتي نريدها اليوم لنا وللأجيال التي بعدنا، وهذه هي الدولة التي تستطيع أن تحل أزمات الجزائر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي استعصى حلها ، والتي استفحلت في هذه الآونة الأخيرة بسبب الضربات الكبرى التي أصابت منظومة القيم في المجتمع ومصداقية وفاعلية المؤسسات في الدولة، والتي كانت نتيجتها الانهيارات الاقتصادية والتوترات الاجتماعية.

إن حلم حركة مجتمع أن تساهم في نهضة هذا الوطن فنصبح نتحدث عن التطوير وليس عن الأزمات، نصبح نتحدث عن منافسة الدول الغنية في أرقام الناتج الإجمالي الخام وارتفاع نسب الفوائض وليس عن عجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات وعجز ميزان الحسابات الجارية، نصبح نتحدث عن إبداع المؤسسات وارتفاع أرقام أعمالها وتدفق سلعها والتنافس بينها وقوة تنافسينها في الخارج وغزوها للأسواق العالمية، وليس عن إعادة هيكلة المؤسسات والتمادي في خوصصتها وأرقام البطالة في الشباب ومخاوف التضخم و مشاكل ديون اللونساج وفشل برنامج محلات الرئيس وتحويل أموال الدعم الفلاحي، وانهيار البنوك بسبب الفساد والشك في إمكانية إرجاع القروض الممنوحة للمبحلين، وفضائح سونطراك والطريق السريع وغير ذلك مما هو أخطر مما نعلمه ولا نريد ذكره لعدم التهويل. إننا نحلم أن نرى الجزائر ذات يوم وقد كثرت مؤسساتنا الاقتصادية الناجحة في الصناعة والفلاحة والخدمات حتى نتحرر من التبعية للبترول والغاز، وحتى تكثر فرص التشغيل فلا يصبح من تحد للحصول على الشغل إلا التكوين والطموح والإبداع والنشاط وحب العمل. إننا نحلم أن تستقر مؤسساتنا التربوية فلا تتعرض للعدوان الأيديولوجي ولا تتعطل فيها الدراسة بالإضرابات الطويلة والأزمات المتواصلة، وأن تنتج مدارسنا المواطن الصالح العالم المفكر المنتج، وأن تكون جامعاتنا في المراتب الأولى بين الجامعات في العالم تمدنا مخابرها ببراءات الاختراع في كل الاختصاصات، تعتمد عليها وعلى عقول وبراعة أساتذتها الصناعة والمؤسسات الاقتصادية. إننا نحلم أن تكون مستشفياتنا راقية في خدماتها وأن يكون دواونا من صناعة مصانعنا، ومصحاتنا مستقرة راشدة في إدارتها ومستوى وظروف عمل أطبائها، توفر الشفاء والعافية والسكينة لمن يقصدها، تغْني الجزائريين المتوسطين عن رحلات العلاج اليومية لتونس وعن اختيار الميسورين والوجهاء لمستشفيات فرنسا واوربا. إننا نحلم أن نلبس ما نخيط من قطننا وصوفنا ونسيجنا، وأن نزرع ما نأكل فتصبح أرضنا الطيبة تدفع من جوفها وترابها قمحنا وشعيرنا وذرانا وبقولنا وخضرنا وفواكهنا واعشابنا الطبية بما يحقق أمننا الغذاني فلا تدفع أموال بترولنا لتنمية الفلاحة الفرنسية والأمريكية والكندية وغيرها. إننا نحلم أن نصنع سياراتنا، وطائرتنا، وأن تكون مصانعنا في كل أنحاء الوطن جزء من المشهد اليومي تتدفق بضائعها ماركاتٍ جزائريةً في مختلف احتياجات الناس من الإبرة إلى المركبات الفضائية، فلا نبيع مواردنا الطبيعية من أجل أموال نحرك بها مصانع الاستعمار والأمم التي تتربص بنا، إننا نحلم أن تكون خطوطُنا الجوية جزء بارزا في ممرات السماء في كل أنحاء العالم، وأن تكون قطاراتنا سريعة نظيفة توصلنا حيث ما نريد بلا قلق ولا عناء ولا تعطيل، وأن تكون وسائل الاتصال الحديثة كلعب الأطفال بين أيدينا يستعملها كل الناس لوفرتها والتحكم في تكنلوجياتها وأن تكون إدارة راشدة عصرية فاعلة في خدمة المواطن بلا رشوة ولا محسوبية. إننا نحلم أن نتمتع بطبيعة وطننا الخلابة حين تتوفر خدمات السياحة الرشيدة في صحرائنا الخلابة، وغاباتنا البديعة، وجبالنا المهيبة وشواطئنا الأنيقة وحماماتنا وزوايانا وآثارنا ذات المنفعة والمعنى والتاريخ. إننا نحلم أن يكون مجتمعنا مستقرا تحكمه القيم العالية والإيجابية والفاعلية، يعتز أفراده بهويتهم ومرجعياتهم الدينية والثقافية محصنا من الغزو الثقافي التغريبي ومن هجمات الاتجاهات الدينية المعطلة، وأن يكون لنا من العلماء والمرجعيات الأصيلة، ومن الكتاب والمفكرين والفنانين والرسامين والمخرجين والمنتجين والممثلين ما يجعل ثقافتنا تمتد إلى العالم بأسره فتكون رحمة ومتعة للعالمين، وأن يكون لنا من الرياضيين في كل الصنوف ما يجعل رايتنا تعلو فوق الرايات في كل الميادين. إننا نحلم في المحصلة أن نكون بلدا يرغب الناس للهجرة إليه فلا يفر منه أبناؤه أبدا على قوارب الموت وعبر جحافل التطرف والمخدرات والجريمة. ومن سافر منا يجد سمعة بلده وقوتَه وهيبته ومكانته قد سبقته في آفاق الأمم، ونريد أن ينبني هذا الحلم ويكتمل على رسوخ العدالة فلا يظلم عند قاض جزائري أحد. وأن يُحمى هذا الحلم بمؤسسة عسكرية ومؤسسات أمنية واستخباراتية ثابتة على ما هي عليه من العقيدة والقيم وأن تصبح أقوى مما هي عليه بطائرات قتالية وغواصات وبارجات وصواريخ ودبابات ومدافع وبنادق وخراطيش تصنعها مصانعنا العسكرية والمدنية، وتكنولوجيات عسكرية يتحكم فيها أجنادنا أكثر من غيرهم فلا يجرء بلد على التفكير في عدوان أو اختراق مهما كان، بل يصبح الأشقاء والجيران والمظلومون يحتمون ببلدنا ويستنصرونه إذا ما ظلموا، ويكون جيشنا الوطني الشعبي زادا ندخره للمساهمة في تحرير فلسطين والمسجد الأقصى حين يأتي زمان الزحف الأكبر وهو آت لا محالة.
يا له من حلم عظيم، فهل فيها ما يعاب وهل فيه ما يرد.

أيها الإخوة والأخوات، أيها السادة والسيدات إذا قيل لكم ماذا تريد حركة مجتمع السلم قولوا لمن سأل هذا الذي تريده؟ وإن قيل لكم هل هذا ممكن قولوا لمن سأل ثمة دول كانت في مستوانا قبل عقود معدودة فأدركت ما نصفه اليوم في حلمنا أو شيئا قريبا منه. احكوا لهم عن قصص ماليزيا وتركيا وإيران واندنوسيا في عالمنا الإسلامي، وقصوا لهم قصص الصين والهند وفيتنام وبولونيا وجنوب أفريقيا والبرازيل من مختلف بلاد. إن أحلام اليوم حقائق الغد، وإنما يتحقق ذلك بإرادة حكام وطنيين صادقين في خدمة وطنهم لا غير. وإن حركة مجتمع السلم لتواقة لخدمة الوطن بوطنية صادقة بإذن الله تعالى العلي القدير.

أيها الإخوة، أيتها الأخوات، أيها السادة والسيدات الحضور، أيها الصحفيون والصحفيات،

تلك هي هويتنا وهذه هي أهدافنا، تلك هي رسالتنا وهذه رؤيتنا، نحيا ونموت من أجلها، ونسأل الله أن يميتنا على هذه النية الصالحة وهذه المقاصد النبيلة.غير أنه من المشروع أن يسألنا السائل ولكن ما السبيل؟ وجوابنا أننا جزء من الأمة وجزء من الوطن، وليست هذه مهمتنا وحدنا، وإنما هي مهمة كل وطني صالح يعيش لمعالي الأمور والقضايا العليا، وهم كثر في هذا الوطن، هم موجودون في مختلف الأحزاب وفي المجتمع المدني وفي المؤسسات الإعلامية وبين رجال المال والإعلام وفي الإدارة و مختلف مؤسسات الدولة وفي المؤسسة العسكرية ولدى عدد كبير من الجزائريين في مختلف أنحاء الوطن وفي جاليتنا في الخارج. وإنما نحن في حركة مجتمع السلم نؤدي الذي علينا بلا تقصير ولا تهاون، نستمر في التوعية بهذا الحلم ونبشر به ونسعى إليه بأقصى ما نستطيع ونصنع النماذج الصغيرة القابلة للمحاكات لتكبر، ونبحث عن هؤلاء الذين يتوافقون معنا في الرؤية والمقصد لنتعاون معهم على البر والتقوى استجابة لأمر الله تعالى في سورة المائدة: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) )) وقوله تعالى في سورة التوبة ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ 71)). إنما نحن جزء من أقدار الله نعرض أنفسنا لدوران السنن بحسن التخطيط والإعداد كما أمرنا، لكي تلقانا تلك السنن في المكان المناسب حين تتحرك في الوقت الذي تتوافر فيه شرائط التغيير مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران: (( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) )).

إن حركة مجتمع السلم لم تتوقف منذ تأسيسها لتكون رائدة في الإصلاح والتغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل فترة يتعامل فيها القادة مع الأوضاع والتحديات والمتطلبات والاحتياجات وفق ظروف كل مرحلة وما يوفقهم الله إليه وما تقره المؤسسات فأصبنا تارة وأخطأنا تارة، ولكن بقي الاتجاه صحيحا يراكم الإنجازات الحافظة للحركة والحامية للوطن، وقد كانت العهدة الخامسة التي لم يبق منه إلا شهر ونيف جزء مهما من هذا المسار، انتبهنا فيها إلى التغييرات الكبرى التي وقعت في المحيط الدولي والإقليمي والوطني وما هو متوقع من احتمالات وسيناريوهات فرسمنا ما يناسب من الرؤى والخطط من حيث النضال السياسي وإدارة الوظائف وانطلقنا إلى الإنجاز مركزيا ومحليا فكانت الحصيلة موفقة مسددة سنعرضها بثقة واعتزاز في مؤتمرنا المرتقب شاكرين الله على ما اتاحه لنا ووفقنا إليه. وها نحن نستعد للمؤتمر السابع الذي سيكون محطة أخرى للتطوير والتحسين بما يثبتنا على هويتنا ورسالتنا ويفتح الآفاق لرؤيتنا وأهدافنا، وها هو آخر مجلس يجتمع ليثري ويصادق على وثائق كانت موضوع نقاش حر وديموقراطي في كل بلدية وفي كل ولاية وعبر الندوات المتخصصة كما لا يفعله بهذه الدقة والشمول والعموم أي حزب آخر في الجزائر، في جو من الهدوء والانسجام بلدية بلدية ولاية ولاية ، نتعامل مع حالات التجاوز في إبداء الرأي بحكمة ورفق وود نؤكد كل يوم بأن الديموقراطية التي ندعو لها نعيشها ونمارسها، وبأن مؤسساتنا لا تضيق ذرعا برأي مخالف، وأن قادة حركة مجتمع السلم صدروهم رحبة فسيحة، يؤمنون بقول المؤسسين لا يفسد الخلاف للود قضية. إن كل ما يناقش في ندواتنا البلدية والولائية والتخصصية هو حول الأفكار والتطوير والتجديد ويا ليت الطبقة السياسية كلُها تنضبط على هذا السلوك وتسلك هذا المسار، لكي ندرك تلك الأحلام التي ذكرتها آنفا بسرعة ويسر.

أيها الإخوة والأخوات،

إن المؤتمر السابع أمانة بين أيديكم نجاحه هو اقتراب أكيد لتلك الأحلام، وإن مواضيع التجديد المعروضة فيه هي مواضيع التجديد في الحركة الإسلامية، فإدارة الوظائف هي أكبر ما يشغل قادة التيار الإسلامي وقد توافقت آراؤهم بأن ذلك هو موضوع التجديد الأول في القرن الجديد، ولئن كان لكل حركة إسلامية تجربتها فإننا قد انطلقنا منذ سنوات لننحت تجربتنا بأيدينا بتدرج بديع تتحمله ثقافتنا وتقره مؤسساتنا بالاستفادة من تجارب الآخرين من المسلمين وغير المسليمن وبالارتكاز على خبرتنا في بيئتنا المحلية الخاصة. وفي إطار إدارة الوظائف نسعى ليكون حزبنا حزبا وطنيا عصريا شفافا منفتحا على كل الجزائريين الذي يشتركون معنا في الهوية ، ونريد أن نسخر هذا الحزب قويا صلبا منفتحا متطورا ليكون في مستوى رؤيتنا السياسية التي لم نتوقف عن شرحها منذ خمس سنوات بشكل مباشر للمسؤولين والسياسيين في السلطة والمعارضة وفصلنا تفاصيلها في وسائل الإعلام المتمثلة في البحث عن التوافق الوطني بمناسبة كل استحقاق انتخابي أو مواصلة الإعداد للتنافس الانتخابي رغم ما يعتريه من تزييف مع الاستعداد لكل الطوارئ كما هو ديدن الأحزاب المسؤولة الكبيرة. في ظل قيادة تنفيذية منسجمة متعاونة متكاملة منشغلة بالعمل والإنجاز وفق ما تقرره مؤسسات شورية ورقابية قوية وفاعلة وواعية وصارمة، كل ذلك في ظل الثقة والأخوة والمحبة والتوكل على الله وفق قوله سبحانه في سورة هود: ((قال يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) )) وقوله تعالى في سورة الطلاق: (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3))).

وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
تحيا الجزائر تحيا فلسطين.

رئيس الحركة
د. عبدالرزاق مقري

تعليق