الأسباب الداخلية لعدم النجاح:
1- الوحدة والانسجام الداخلي: لقد أدى إغلاق الأفق السياسي بسبب التزوير الانتخابي المزمن إلى تقليص فرص الطموحات الشخصية المشروعة وإمكانية تحقيقها من خلال النضال والتضحية بواسطة الحزب السياسي. أصبح المتاح قليلا لا يتعدى بضعة نواب وعدد محدود من رؤساء البلديات ولا يمكن الوصول إلى مناصب الوزارات وما يلحقها من مواقع إدارية مركزية ومحلية إلا بموالاة الحاكم المتغلب والدخول تحت عباءته، كما لم يصبح ممكنا تحقيق الطموح المعنوي المتعلق بخدمة الوطن بواسطة البرامج والأفكار بسبب استحالة التداول أو بناء تحالفات وشراكات على أساس البرامج. لقد أدى الانغلاق التام للأفق إلى تلاشي أو ضعف الإيمان بجدوى الاعتماد على الصندوق من أجل التغيير وتحقيق الطموحات كما هو العالم الديموقراطي، فاتجه إطارات الأحزاب ومناضلوها مذاهب شتى حيال هذا الواقع. منهم من اعتزل السياسة، ومنهم من أنكفأ على ذاته، ومنهم من أصبح أو بقي نوستالجيا ينتظر من الحزب أن يؤدي كل الأدوار إلا السياسة ( التربية، الدعوة، العمل الاجتماعي، التدريب …)، ومنهم من بقي ثابتا على الجهاد السياسي يؤمن بأنه لا إصلاح في الوطن إلا بإصلاح الحكم، وظهرت فئة طفيلية انتهازية تعتبر الحزب وسيلة لتحقيق المصلحة الشخصية ببذل جهد استثنائي للوصول أو البقاء في مراكز القرار في الحزب لكي تستأثر بالقليل المتاح ولكي تكون هي ممثلة الحزب لدى السلطة لتسهل عليها المقايضة، منهم من يسعى لذلك محليا ومنهم من يسعى له مركزيا حسب الموقع التنظيمي المتاح، والذين يسعون لذلك مركزيا أخطر الأصناف لأنهم يستهدفون مغانم أكبر على مستوى الوزارات والمسؤوليات السامية فيصبح الثمن الذي يقدمونه لمن بيده الوزارة والإدارة هو تسليم سيادة أحزابهم وتحولهم إلى بيادق في رقعة الملك المتغلب. وخطورة هؤلاء تكون أكبر حين يقل في الأحزاب أصحاب المبادئ الذين يبقون على قناعتهم بأنه لا مجال لإصلاح الأوطان إلا بالمقاومة والكفاح من أجل الحريات وتسخير أحزابهم لهذا المقصد الشريف. كل هذه الأوضاع الداخلية المرتبطة مباشرة بالتزوير الانتخابي المزمن جعلت الأحزاب تضعف وتقل النضالية فيها، وأخطر ما فيها الصراع الداخلي بين أصحاب الطموحات الشخصية فيما بينهم، وهي الأخطر، وبين هؤلاء و بين الثابتين على المبادئ. وقد أدت هذه الصراعات إلى انشقاقات كثيرة وسط الأحزاب الجزائرية أو نزاعات مستدامة. وفي أحسن الأحوال حين نحسن الظن بين المتنازعين نقول أنهم يتنازعون على كيفية المحافظة على الحزب بين من يرى بأن ذلك يكون بمهادنة النظام السياسي ومطاوعته والتحالف معه، وبين من يرى بأن التوقف عن مقاومة النظام السياسي هو خراب الحزب والدولة والوطن معا.
كل هذه الأحوال التي لا سبب لها إلا انغلاق الأفق السياسي جراء التزوير المستدام أصاب حركة مجتمع السلم وأخذت نصيبها منه. وقد كانت أبرز تلك الأحوال الصراعات والانشقاقات الكبرى التي عرفتها منذ المؤتمر الثالث وخاصة الرابع، والتي ضاع فيها كثير من سمعتها وفاعليتها وأخذت وقتا كبيرا لمعالجة شأنها إلى أن تحققت الوثبة التجديدية ضمن المؤتمر الخامس ” حركة تتجدد وطن ينهض” التي كان من أهمها مشروع الوحدة الذي حقق هدفه الأول مع جبهة التغيير التي صارت جزء من الحركة بنجاح كامل ورئيسها هو رئيس حركة مجتمع السلم وكأننا لم نفترق من قبل بفضل الله تعالى في انتظار استكمال جمع شتات الإسلاميين في الفترات المقبلة بحول الله. غير أن السير نحو الوحدة لم يحل مشكل الانسجام بين القيادات على مختلف توجهاتهم التي ذكرناها أعلاه، فلا تزال الصراعات على القوائم تؤثر على الصف محليا رغم تراجعها الكبير بسبب تنامي وجود وتأثير أصحاب المبادئ في القيادات المحلية، ولا تزال الخلافات بين القيادات مركزيا تؤثر على الصف وصورة الحركة في الرأي العام. ومن آثار الانشقاقات بروز ظاهرة جديدة، وجه منها إيجابي ووجه منها سلبي. أما الإيجابي فهو تطور قدرات الحركة على استيعاب الآراء المختلفة وتعايش القيادات متناقضة الهوى والفكر والمقاربات، ساعد على تحققه فوبيا الانشقاقات لدى الجميع خصوصا القيادات الوسطى التي تحملت العبء الأكبر في المحافظة على بنيان الحركة في زمن الفرقة والافتراق. لا شك أن الوجه الإيجابي يلغي إلى حد كبير اتهامنا الذي لازمنا من طرف من يحبنا ومن يخاصمنا بأننا نتصارع من أجل المصالح، وقد يحقق سكينة داخلية وشعورا بالأمان من آلام التشتت والخلافات. غير أن وجهه السلبي مدمر لكل فرص النمو في المجتمع، ذلك أن تناقض القادة في الخطاب السياسي يوجه رسائل متصارعة للناخبين يلغي بعضها البعض، فتكون النتيجة أن تصبح الحركة بلا هوية سياسية. إن العيب في هذا الخلاف يتحمله القادة وحدهم بسبب تعسفهم في الاعتماد على خوف قواعد الحركة من الانشقاق وتفضيلهم بقاء الجميع معا ولو متناقضين في الخطاب بدل الافتراق والانشقاق. إن هذا التعسف مخالف للمروءة والرجولة وفاقد للرحمة من قبل القادة، و هو كذلك ينبئ عن غياب للرؤية والرغبة في النمو السياسي من قبل كثير من قواعد الحركة وقادتها المحليين. لقد تجسدت هذه الظاهرة بشكل جلي في الانتخابات المحلية الأخيرة وقبلها إذ رأى الناس حركة واحدة بخطاب مشتت يمثل ثلاث توجهات غير متجانسة: خطاب المعارضة الذي تبنته الحركة بعد مؤتمرها الخامس، وخطاب موالاة السلطة والمبالغة في إطراء رموزها الذي اتخذ مجلس الشورى الوطني قرارا حاسما لمنعه قبل الوحدة ولكنه استغول بعدها لغياب المؤسسات القوية القادرة على تحمل مسؤوليتها في ضبط الخطاب، وخطاب “رجل في السلطة ورجل في المعارضة” الذي جاءت به الوحدة والذي طلقته الحركة منذ زمن طويل للمصائب التي تسبب فيها من قبل.
إن مخاطر هذا التناقض يكمن في أن الحركة تعجز على التوسع خارج إطارها التنظيمي القابل لهذه التناقضات . فلا الراغبون في التحاق الحركة بالسلطة يقبلون على الحركة بسبب وجود القادة المتمسكين بالمعارضة ، ولا الذين يرغبون في أن تكون الحركة في صف المقاومة السياسية يأتون لعدم ثقتهم في توجه الحركة للمعارضة بسبب وجود قادة يمدحون رموز السلطة ليل نهار، ولا المعارضون ولا الموالون يقبلون نصف الطريق بينهما. لقد أثبتت الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرتين أن مكافحة التزوير ممكنة إذا التف حول قوائمنا تيارات شعبية تنتخب بكثافة وتقف في وجه المزورين بصرامة، غير أن تعميم النجاحات التي تحققت في بعض البلديات والولايات على هذا المنوال لا يمكن تعميمها دون صناعة رمزية وطنية للحركة تزيد قوة القوائم المحلية قوة شعبية مرتبطة بالحزب ورموزه أكثر من ارتباطها بالمرشحين. لقد أوشكت الحركة أن تصنع هذه الرمزية من خلال نضال أكثر من ثلاث سنوات ونصف في إطار معارضة وطنية علمية واضحة وصارمة، غير أن كثرة التشويش على هذا الخط وغياب قوة الخطاب المعارض المغطي على التشويش في فترة المرحلة الانتقالية ألغى ذلك الوهج وأدخل الشك لدى الناخبين المترددين غير المنتمين انتماء نهائيا لتيار المقاطعة فحرمنا من دعمهم.
إن الأمر لا يتعلق بإدانة هذا الخط أو ذات، أو تجريم أو تخوين أو تخطئة أي من أصحابه، وإنما الأمر يتعلق بالمسؤولية. على أي حزب أن يتحمل مسؤوليته في الخط السياسي الذي يختاره وأن يخاطب الناخبين برسائل واضحة غير مترددة وغير مشوشة ليعين الناس على فهمه وتحديد موقفهم منه والفصل في اختيارهم الانتخابي. إن هذه الفكرة السياسية الأصيلة لا تتعارض مع حرية الرأي ووجود تيارات فكرية مهيكلة داخل الحزب الواحد . لأن حرية الفكر والرأي هي في طرائق و آليات المعارضة إذا كان الحزب في المعارضة، وآليات وطرائق الحكم إذا كان الحزب في الحكم. وحالات التناقض التام داخل الأحزاب التي أدت في بعض الدول الديموقراطية إلى اختلاف نواب الحزب الواحد وتصويتهم المتناقض داخل البرلمان تسمى أزمات. وهي أزمات طارئة ومؤقتة سرعان ما تعالج إذا كان الحزب مستقرا، فإذا طالت يعتبر الحزب مأزوما وإذا تهيكل الخلاف المتناقض واستدام يحصل الانشقاق والضعف والتراجع والتلاشي. فالحركة بهذا الوضع الذي قبله المناضلون مكرهين خوفا من الانشقاق سيؤدي إلى الانشقاق لا محالة، فالمناضلون لا يعرفون ما في رؤوس القادة، وهل بقاؤهم في الحزب حينما لا يكونون في الرئاسة تربص وتكتيك مرتبط بظرف ووقت ما أم لا. كل التجارب الحزبية في العالم تبين بأن الاختلافات الجوهرية المهيكلة بين القادة تؤدي إلى الانشقاقات طال الزمن أو قصر. وكل التجارب تقول بأن استدامة الاختلافات الجوهرية وظهورها للرأي العام أقل سوء بكثير من الافتراق ليأخذ كل وجهته. ذلك أن الاختلافات الجوهرية إما تكون على أسس مبدئية فلا تنفع معها الديموقراطية، أو لأسباب مصلحية شخصية لا تستوعبها المؤسسات الديموقراطية.
إن زمن ظهور هذه الحقائق لن يطول مداها في الحركة إذ ستتجلى على حقيقتها في المؤتمر السادس في منتصف السنة المقبلة، فيبين أمرها هل هي جوهرية أم لا ؟ سواء من حيث البعد المبدئي أو البعد المصلحي، والمنافسة ستكون بين توجهين اثنين هما الموالاة أو المعارضة أو بالأحرى: المشاركة على المنوال السابق بلا اعتبار للانتخابات ولا البرامج وبلا شرط سوى الظفر بوزارات يتيمة لا أثر لها في عملية إصلاح الوطن، أو لا مشاركة في الحكومة إلا بعد انتخابات نزيهة وعلى توافق وبرامج خادمة للبلد. وسيكون تيار رجل في السلطة ورجل في المعارضة على رأي واحد مع تيار الموالاة أثناء لحظة الحسم لاتخاذ القرار. فالمنافسة في النهاية هي بين التوجهين الموصوفين، وسيمتد هذا الخلاف إلى بعده المبدئي: تيار يريد الانخراط في السلطة ويقبل بالريادة الأبدية لجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي، تصريحا أو بلسان الحال، على أن تكون منافسته السياسية تحت رعاية السلطة على المدارات مع تاج والحركة الشعبية وجبهة المستقبل والجبهة الوطنية الجزائرية وربما حزب العمال وجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية وحزب طلائع الحريات، تماما كما خططت له المخابر وفق ما وصفناه في المقال السابق، وتيار آخر يصر على مواصلة منافسة جبهة التحرير والتجمع الوطني الديموقراطي ضمن مقاومته للسلطة لتغيير موازين القوة في يوم ما، طال الزمن أو قصر، والراجح أن هذا الزمن لن يطول كثيرا كما سنبينه في مقال لاحق ضمن هذه السلسلة.
إذا أرادت حركة مجتمع السلم أن تحل مشكلة استعصاء توسيع وعائها الانتخابي وتجنيد قواها السياسية النائمة التي يعد أفرادها بمئات الآلاف من المتعاطفين الذين بقوا على حالهم يحبونها ويسندونها في مختلف مناشطها إلا الانتخابات (التي يأسهم فيها التزوير المستدام) عليها أن تخرج من التردد في المؤتمر المقبل، بكل ديموقراطية وبعيدا عن النزاعات والصراعات. والرؤية التي تفوز تقود بكل سيادة وتمكنُ من حماية نفسها من التشويش، والرؤية التي لا تفوز إما أن ينخرط أصحابها في الرؤية الفائزة إذا أمكنها ذلك كما هو حال أغلب مناضلي وقيادات الحركة في فترات طويلة سابقة، أو تلتزم عدم التشويش في وسائل الإعلام وتواصل الكفاح من أجل رؤيتها داخل المؤسسات الشورية والرقابية والفكرية، وإن فضلت المغادرة بلا مشاريع لتشتيت الصف من جديد فذلك حقها. ولا حرج أن تختار الحركة هذا التوجه أو ذاك، والكل يتحمل مسؤوليته، وإنما المرفوض هو التردد ومخاطبة الغير برسائل متناقضة تجعلنا في حالة تيه أمام الرأي العام وأمام المسؤولين، تماما كما وصفنا أحمد أويحيى، ذلك المسؤول الذي ليس له الحق أن يتهمها بذلك، لا لشيء إلا أنه في تيه أخطر وأعظم وأجل من تيهنا وهو تيه وطن بكامله.

…. يتبع.
عبد الرزاق مقري.

 

لماذا لا يحقق “الإسلاميون” النجاح الانتخابي في الجزائر. 

الجزء الأول : http://hmsalgeria.net/ar/6yAJQ

الجزء الثاني : http://hmsalgeria.net/ar/QbDVG

الجزء الثالث : http://hmsalgeria.net/ar/3dJ0d

الجزء الرابع : http://hmsalgeria.net/ar/f2mGH

تعليق