ينصّ الدستور في المادة 98: “يجب على الحكومة أن تقدّم سنويًّا إلى المجلس الشعبي الوطني بيانًا عن السياسة العامّة..”، وهي من الإجراءات التي ترتّب على الحكومة المسؤولية السياسية أمام البرلمان، فيما تمّ إنجازه من مخطّط عملها خلال السنة الماضية، ويعطي للبرلمان حقّ ممارسة السلطة الرّقابية البعدية، وهو ما يُعتبر محطّةً للديمقراطية، ويدفع باتجاه تجسيد معايير الحكم الرّاشد، ومنها: الرّقابة والمحاسبة والشفافية. إلاّ أنّ الحكومات المتعاقبة منذ البرلمان التعدّدي سنة 1997م لم تحترم مبدأ السّنوية في عرض هذا البيان، ولم يتمّ تقديمه إلا: 04 مرات فقط، وكان آخرها سنة: 2010م، وهو ما يُعتبر خرقًا للدستور، وهروبًا من استحقاق الرّقابة البرلمانية، وإخلالاً بمبدأ الفصل والتوازن والتكامل بين مؤسّسات الدّولة. وبالرّغم من المناقشة والمصادقة على مخطط عمل حكومة أويحي في سبتمبر 2017م، إلاّ أنّه لم يلتزم بمبدأ السنوية، وأخّر عرضه إلى غاية: 25 فيفري 2019م، وقد دخلنا في أجواء الانتخابات الرئاسية، وقد جاء بهذا البيان ليتحدّث عن حصيلة (2017/2018)، وعن حصيلة (2014/2018)، وعن حصيلة (1999/2019)، وختم هذا البيان بالحديث عن: “فضائل الاستمرارية”، كما أنّه تجاوز حدود صلاحياته الدّستورية أثناء عرضه لهذا البيان ليتحدّث عن الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي ولمضمون رسالة ترشّح الرّئيس، بالحديث عن النّدوة الوطنية التي وعد بها، والتي ستكون لا سابقة لها في تاريخ الجزائر، وهو اعتبره البعضُ حملةً انتخابيةً مسبقةً، واستغلالاً مفضوحًا لمؤسسات الدولة، وانحيازًا مفضوحًا من الوزير، وهو الذي يُفترض فيه الحياد في هذا الموقف والمقام. وهو ما أعطى الذريعة لتقديم جملةٍ من الملاحظات الموضوعية على ذلك، منها:

1- بالرّغم من إنفاق أكثر من: 1000 مليار دولار خلال: 20 سنة، وهي طفرةٌ استثنائيةٌ في تاريخ الجزائر، إلا أنّ المؤشرات المالية والاقتصادية كلّها سلبية، مثل: العجز في الميزانية، والعجز في الميزان التجاري، والعجز في ميزان المدفوعات، وإفلاس صندوق ضبط الإيرادات، واستنزاف احتياطي الصرف، والانهيار التاريخي وغير المسبوق لقيمة الدينار، وعدم تجاوز نسبة النمو: 03%، وزيادة الارتباط بالمحروقات بنسبة: 98%، والفشل في الذهاب إلى الطاقات المتجدّدة، وعدم تنويع الاقتصاد الوطني، بعدم تجاوز الصادرات خارج المحروقات: 02 مليار دولار (80% منها من المنتجات البترولية أيضا)، وتراجع دخل الفرد السنوي.

2 – حصيلةٌ تعبّر عن الإجراءات عقابية في حقّ الوطن والمواطن، وتترجم حالة الفشل والإخفاق المزمن، مثل: الزّيادات في الضّرائب، وارتفاع نسبة التضخم، وانهيار القدرة الشرائية للمواطن، وفشل سياسة الدّعم الاجتماعي والقناعة بمراجعتها، وتجميد الأجور والحدّ من التوظيف وإلغاء المشاريع، وارتفاع نسبة البطالة، والعجز عن استغلال: 300 ألف منصب شغل شاغر سنة 2018م.

3- تجاهلَ بيان السياسة العامة واقع الحرّيات وتعزيز الديمقراطية، مثل: الانتقائية في اعتماد الأحزاب والجمعيات، والتأخّر في إعداد قانون الجماعات الإقليمية والديمقراطية التشاركية للنهوض بالتنمية المحلية (هناك حوالي: 1000 بلدية عاجزة وفقيرة)، وعدم التطرّق لملفات الفساد ومعالجتها، مثل: فضيحة الكوكايين، والمنظومة البنكية المتخلفة، والسوق السوداء وخطرها على الاقتصاد الوطني، وكذا تجاهل الطعون الدائمة في نتائج الإنتخابات، وآخرها شكوى الوزير الأول نفسُه من تزوير وانحياز الإدارة في انتخابات مجلس الأمة .

4- الفشل في جلب الاستثمارات الأجنبية، إذ تراجعت من: 52 مشروعًا سنة 2017 إلى: 24 مشروعًا سنة 2018، وهي صورةٌ واضحة للفشل الاقتصادي، لعدم توفر بيئة الأعمال المشجّعة على الاستثمار وعدم الاستقرار التشريعي، وهيمنة البيروقراطية الإدارية، وعدم التكافؤ في الفرص بين المستثمرين (لا بين الجزائريين، ولا بين الأجانب).

5- بقاء العديد من ورشات الإصلاح مفتوحة، مما يدل على فشلها، ومنها: إصلاحات المنظومة التربوية، الإصلاح المالي، الإصلاحات الدستورية، عدم الاستقرار على نموذج اقتصادي، عدم التأطير القانوني للصيرفة الإسلامية، العجز عن عصرنة النظام البنكي المتخلف، عدم تأطير البورصة، التأخر في تكييف القوانين مع دستور 2016م..

6- لم يتحدّث بيان السياسة العامة عن مخاطر التوسّع في الإصدار النقدي (التمويل غير التقليدي)، واللجوء المفرط إليه، دون وجود مقابل من الانتاج، وغياب الشفافية في ذلك، وعدم التزام الحكومة بما وعدت به، إذ هناك تضاربٌ بين مبلغ: 34 مليار دولار و: 52 مليار دولار ممّا تمّ إصداره خلال أقل من سنة ونصف، وهو استهتارٌ كبيرٌ بقيمة الدينار، وانتكاسةٌ كبيرة للاقتصاد الوطني. فلماذا لا تلجأ إليه كلّ الدول، وعندها لا يكون هناك فرقٌ بين الدول الغنية والفقيرة، ولا يكون هناك معنى للإنتاج وللاقتصاد؟؟. بالرّغم من التحذيرات المتكرّرة للخبراء من تأثير ذلك على ارتفاع نسبة التضخم، والسقوط الحر لقيمة الدينار، والانهيار المريع للقدرة الشرائية للمواطن، وما يترتب عنها من الانهيارات والتوترات الاجتماعية، وتحوّلها إلى أزمات أمنية وسياسية خطيرة، ممّا يؤدّي إلى التضحية بالمكسب الاستراتيجي للدولة وهو: الأمن والاستقرار، وبذلك تتحمّل الحكومة مسؤولية خروج الشّعب إلى الشارع.

7- الحديث عن أرقامٍ جوفاء من الإنجازات على مستوى البنى التحتية، مثل: عدد السكنات والمؤسسات التربوية، وعدد الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين المهني، وعدد المنشآت الرياضية ودور الشّباب، وعدد المستشفيات والعيادات، وعدد شبكات الرّبط بالغاز والكهرباء، وعدد المراكز الثقافية، وعدد السدود ومشاريع التزوّد بالماء، وعدد الكيلومترات من شبكة الطرق والسكك الحديدية، وعدد الهيكتارات من الأراضي الفلاحية وأموال الدعم الفلاحي، وعدد الاعتمادات في المخططات البلدية للتنمية، وعدد القروض البنكية والمشاريع الاستثمارية، وعدد مناصب الشّغل .. وغيرها. دون الحديث عن حجم الفساد المرافق لها: من الرّشوة، والتأخر في الإنجاز، وإعادات التقييم والدراسة، والغش في الجودة في الإنجاز، وعدم الجدوى من بعضها، والتي تحوّلت إلى عبء على التنمية (تضخم ميزانية التسيير فيها بدون إضافة حقيقية للإقتصاد)، وهو نوع من الاستغباء والخيانة للحقيقة.

8- الهروب من ذكر المؤشرات الحقيقية للتنمية الاقتصادية، مقارنة مع حجم الإنفاق العمومي الخيالي، مثل: مؤشّر تراجع نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام، ومؤشّر سعر الصرف، ومؤشر مساهمة القطاعات في PIB، ومؤشر قيمة الصادرات مقارنة مع الواردات، ومؤشر حجم الإصدار النقدي، ومؤشر تزايد نسبة البطالة، ومؤشر نسبة النمو الاقتصادي، ومؤشر الزيادات في الضرائب.

9- بيان السياسة العامة وَصْفي، يفتقر إلى المعطيات الدقيقة والبيانات الصحيحة، التي تساعد على التقييم، ومنها: مقارنة الإنجازات مع التقديرات والأهداف، وذِكر المشاريع دون ذِكر التكلفة الحقيقية ومدة الإنجاز لها، وعدم الإشارة إلى الجودة والأثر الاقتصادي والاجتماعي لها، وعدم ذكر معطى التوازن الجهوي والإقليمي في توزيع الثروة.

تعليق