من برنامج الحكومة إلى قانون القرض والنقد: البديل (2).

 عن ميزانية التجهيز ومشاريع التنمية: الإختلالات والتصحيحات

 رغم الاضطراب الكبير في التصريحات بين رئيس الوزراء السابق تبون والرئيس الحالي بخصوص تجميد المشاريع فإن الثابت الذي يُعتمد عليه هو قانون المالية 2017. يؤكد هذا القانون أن ميزانية التجهيز عرفت تراجعا ب27.87   % بانكماش كبير وصل إلى 12.6 مليار بالنسبة لقاون المالية 2016 . وهي حالة تعرفها الجزائر لأول مرة  حيث لم تقرر خفض استثماراتها العمومية منذ العام 2002  بعد ثلاث مخططات خماسية ضخمة للغاية أكلت حوالي 480 مليار دولار. كما نص القانون على أن رخص البرنامج ستعرف من جهتها تراجعا بـ507.5 مليار دج (-26.8%) أي ستنزل من 1894.2 مليار دج إلى 1386.7 مليار دج في 2017 حيث يوزع المبلغ المتوقع لعام 2017 بين 1169.2 مليار دج مشاريع جديدة و217.5 مليار دج لعمليات إعادة تقييم المشاريع الجارية. وإلى حد الآن لا يوجد أي تقييم لمعرفة حقيقة هذه التخصيصات ونحن في الثلاثي الأخير من 2017. وفي مقابل ذلك حافظ القانون على التحويلات الاجتماعية المباشرة وغير المباشر في حدود 27 مليار دولار. وهذه وضعية تدل على تناقض كبير وغياب الرؤية الاقتصادية فبدل المحافظة على وتيرة الاستثمار وترشيده وتخليصه من الفساد ليتمكن من خلق الثروة وتوفير مناصب الشغل لتجنب انتشار البطالة التي لها أثار سلبية على الأفراد وعلى الاقتصاد الوطني باعبارها تحول الفرد من عنصر منتج ومستهلك في الدائرة الاقتصادية إلى عبء على المجتمع.

ومع توجه الحكومة إلى الإصدار النقدي ارتفعت أوهام الحكومة لإمكانية الاستمرار في شراء السلم الاجتماعي الآني على حساب المستقبل فراح رئيس الوزراء يكرر التصريحات المتعلقة بتغطية الاحتياجات الاجتماعية والتراجع على إلغاء المشاريع من دون أي سند قانوني ما دام قانون المالية 2018 لم يصدر بعد. مع التأكيد بأن النقود التي ستطبع لن تكون لها قيمة ولن تستطيع مواجهة أسعار المواد الاستهلاكية والمواد الأولية في الأسواق الدولية لأننا نعتمد بنسبة عالية بشأنها على الاستيراد حيث التعامل بالعملة الصعبة سواء ما تعلق بالإنتاج أوتموين الأسواق.

إن تراجع الدولة على الاستثمار العمومي ودعم الاستثمار قبل بناء شبكة مؤسسات ناجحة قوية وفاعلة وواسعة في القطاع الخاص سيطيل الأزمة ولن يمكن من تحقيق العوائد المالية التي تضمن استمرار القدرات التمويلية لللاقتصاد الوطني وعليه فإن بناء رؤية اقتصادية تقوم على المؤسسة الاقتصادية أمر ضروري للتنمية الاقتصادية والتحرر من التبعية للمحروقات.

لهذا الغرض اقترحنا الصيغة الثلاثية لتوفير الموارد التمويلية على أن يتوجه الإنفاق بشكل أساسي لميزانية التجهيز، وبعد تحديد الشروط الواجب توفرها في الإنفاق العمومي في المقال السابق نعود إلى ذكر الشروط الأساسية التي تحقق النجاح في الإنفاق على الاستثمار وفق ما يلي:

1 ـ توفر رؤية سياسية تقوم على أساس الشرعية والمصداقية الشعبية وتتيح تحقيق توافق وطني موسع:  يوفر أجواء الاستقرار لمشاريع التنمية إلى حين ظهور نتائجها، والطريق إلى ذلك هو تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة على أحد المعيارين: إما انتخابات رئاسية تتفق فيها القوى السياسية على مرشح توافقي بعد حوار يشمل الجميع يُتفق فيه على الانتقال الديمقراطي يقوده الرئيس التوافقي وتكون الخطوة الأولى هي  تشكيل لجنة وطنية مستقلة لتنظيم انتخابات  تشريعية مسبقة حرة ونزيهة تنبثق عنها كتل برلمانية تحتضمن وتحمي حكومة توافقية موسعة لكل القوى السياسية الراغبة في المشاركة في الانتقال السياسي. وإن لم يتحقق النجاح في الاتفاق على رئيس جمهورية توافقي يتم تنظيم انتخابات تشريعية مسبقة بعد الانتخابات الرئاسية تشكل على إثرها حكومة توافقية موسعة تتفق مع الرئيس على الانتقال السياسي والاقتصادي.

2 ـ توفر رؤية اقتصادية شاملة  وبرامج قطاعية مفصلة:

وقد أعدت حركة مجتمع السلم وثيقة بهذه المضامين تعرضها للنقاش مع الشركاء إذا توفرت أجواء الحوار ضمن مشروع الانتقال الديمقراطي.

تطمح رؤية حركة مجتمع السلم إلى أن تكون الجزائر على مدى خمس سنوات من بداية تطبيقه القِبْلة المفضلة للخدمات في مختلف المجالات في العالم العربي، وأن تحقق خلال عشر سنوات أمنها الغذائي، وأن تصبح على مدى عشرين سنة دولة صناعية رائدة في إفريقيا والعالم العربي وضمن الدول الصناعية العشرين في العالم. وتقوم رؤية الحركة على ستة محاور مفصلة في الوثيقة هي:  النظرية الاقتصادية وأهداف التنمية، هرم الاحتياجات السكانية الموجهة لبرنامج حركة مجتمع السلم، المال وحق التملك في برنامج حركة مجتمع السلم، الدولة وقطاعات الإنتاج الثلاثة في برنامج حركة مجتمع السلم، المؤسسة الاقتصادية، السياسة النقدية والسياسة المالية في برنامج حركة مجتمع السلم، الرؤية الاقتصادية (الحلم الجزائري) ومجالات الإصلاح العشرة لتطبيق البرنامج الاقتصادي لحركة. ولأهمية رؤيتنا في قطاعات الإنتاج ضمن الحديث عن ميزانية التجهيز نذكر بها على النحو التالي:

يشارك في تحقيق أهداف التنمية في برنامج حركة مجتمع السلم ثلاثة قطاعات رئيسية تتكامل في ما بينها ولكل منها أدوار أساسية لا غنى عنها في كل الأحوال وفي أي ظرف من الظروف وهي  القطاع العمومي: وهي مجموعة المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة الذي له أدوار محددة وواضحة في البرنامج منها التكفل بالاحتياجات الأساسية للمواطنين التي لا يتشجع القطاع الخاص بالاستثمار فيها عادة كالصحة والتعليم والبحث العلمي،  استكمال بناء القاعدة الهيكلية والبنية التحتية، المشاركة في تحقيق التوازن وتصحيح الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، ضمان الديمومة والتطور والسيادة الوطنية في القطاعات الاقتصادية الإستراتيجية. والقطاع الخاص: ويتمثل في مجموعة المؤسسات الاقتصادية التي يملكها ويسيرها الخواص في أي مجال من المجالات التي ترتفع فيها كفاءة أصحابها الفنية وخبرتهم الاقتصادية وتتناسب مع المصلحة العامة وإشباع حاجات الناس وتحقيق أهداف التنمية الوطنية والنهضة الشاملة. و القطاع التضامني: ويتمثل في مجموعة المؤسسات المنبثقة عن حركة أموال الزكاة والصدقات والأوقاف ومختلف الموارد المرصودة من قبل أفراد المجتمع لأغراض التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بشكل تطوعي واستجابة للالتزامات الدينية وإرادة السمو الأخلاقي والإيماني. ومن أدوار هذا القطاع تقليص معدلات الفقر والفروق الاجتماعية، وتنشيط الاستهلاك الأخلاقي الذي يشجع الإنتاج وفق سلم الاحتياجات، ودعم القدرة الشرائية، والتوزيع الفعال للثروات والدخول. كما أنه يسند بشكل كبير خزينة الدولة من خلال تخفيض الإنفاق العام الحكومي.

وصورة النجاح التي يرومها برنامج الحركة هو الوصول من خلال هذه القطاعات الإنتجاية الثلاثة إلى بناء شبكة مؤسسات واسعة ومتنوعة ومستقرة ومتطورة، في المجالات الصناعية والفلاحية والخدمية، قادرة على إنشاء الثروة وتوفير مناصب شغل كافية ودائمة، وقادرة على توفير الاحتياجات الداخلية وعلى المنافسة في الأسواق المفتوحة في داخل الوطن وخارجه، وتؤدي إلى تحرير الاقتصاد نهائيا من التبعية للمحروقات.

3 ـ تصحيح الاختلالات المتعلقة  بالتسيير الميزاني للمشاريع:

إن عدم نجاعت الإنفاق العام الضخم على المشاريع ليس أمرا مستغربا ولا يتعلق بانهيار أسعار البترول كما يقول رئيس الوزراء، وإنما هو نتيجة حتمية لعدم احترام المعايير الدولية لفعالية ونجاعة النظام الميزاني. تتمثل هذه المعايير في 16مؤشرا مرتبطة بمختلف مراحل التسيير الميزاني موزعة كما يلي: 07 مؤشرات تتعلق بصياغة الميزانية، 04 مؤشرات لتنفيذ الميزانية، مؤشرين لتبليغ التقارير، مؤشرين لمراقبة الحسابات ومؤشر حول كيفية إبرام الصفقات العمومية. ويبين التقرير المسمى  “تقييم ومنهاج عمل” AAP)) الذي يقوم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بإجرائه على الدول النامية  أنه من بين 16 معيارا فإن الجزائر تحترم 5 معايير  فقط، وحسب المنظمتين المذكورتين فإن أي دولة لم تحترم على الأقل 09 معايير عليها نظامها الميزاني وتطويره. ويبين تقرير خبراء البنك الدولي جملة من الاختلالات في التسيير الميزاني التي أدت إلى هذه النتيجة أهمها غياب مؤشرات الفعالية والمتابعة للأهداف المحددة مسبقا والاكتفاء بفحص الاعتمادات ومراقبة الإجراءات وصحة الوثائق المبررة للدين العام بدون أي مؤشرات تتعلق بالنتائج والفجوة بين المرسوم والمحقق، بالإضافة إلى بعض النقائص التقنية منها اللجوء المتكرر للميزانيات الإضافية، والتشريع بالأوامر، عدم استجابة حسابات التخصيص الخاص للتنظيمات المعمول بها مما يفقد الشفافية ويجعل البرلمان غير قادر على معرفة المبالغ الإجمالية المخصصة وما تم تنفيذه من نفقات وإيرادات هذه الحسابات، عدم امتلاك المعلومات الكافية وذات المصداقية، والفشل في الالتزام في تقديم التقارير من خلال بيان السياسة العامة.

وعليه لا يمكن توقع النجاح في ما يستقبل من الأيام خصوصا مع مخاطر الخيارات التمويلية  الصعبة ما لم يقع تصحيح لهذه الاختلالات التي لم نذكر إلا بعضا منها. وركيزة الإصلاح والجامع لكل مستوياته وفروعه هو الالتزام بمعايير الحكم الراشد التي يعرفه برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD)على أنه: “تطبيق تسيير فعال للأنظمة الاقتصادية، السياسية والإدارية، قائم على المشاركة، الشفافية والمسؤولية، وتفعِيل احترام الشرعية و مشاركة المواطنين في تسيير شؤونهم” ومن مبادئ الشفافية في تسيير المال العام كجزء من الحكم الراشد شفافية تحضير وتنفيذ ميزانية المشاريع وإبرام الصفقات وتقديم التقارير للبرلمان والرأي العام، وضوح قواعد حسابات التخصيص الخاص وإخضاعها للرقابة، تحليل معطيات ميزانية التجهيز على المدى المتوسط والبعيد والقدرة على القيام بالتصحيحات في وقتها، استقلالية الرقابة على الحكومة وضمان فاعلية البرلمان على إمضاء ملتمس الرقابة وتنغيير الحكومة في حالة فشلها على تحقيق الأهداف.

… يتبع ..

المقال القادم:  11 : عن فاعلية النظام الضريبي.

ــــــــــــــــ

المقالات السابقة:
المقال (5): ردود على ردود.

تعليق