المصدر: TSA عربي

يعتبر رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري ، في هذا الحوار مع “TSA عربي” أن الرئيس بوتفليقة نفسه لا يعلم إن يترشح لعهدة خامسة أو لا يترشح، في الظرف الحالي.

السيد عبد الرزاق مقري، ما الذي يحدث في البلاد حاليا؟

والله ما يحدث في الجزائر حاليا مرتبط بوضعية إقتصادية وإجتماعية غير مخفية على جميع الناس. الظاهر الآن هو الإضرابات والتوترات الاجتماعية،  وهذه التوترات هي نتيجة للاختلال الكبير في مختلف المؤشرات الاقتصادية بسبب أزمة أسعار البترول طبعا. لكن الذي يجب أن يعلمه الجميع أن الأزمة البترولية ليست عابرة بل هي أزمة هيكلية: نحن نستهلك قرابة 50 بالمائة مما ننتجه من المحروقات والخبراء يتوقعون أن نتوقف عن تصدير البترول ففي حدود 2025 ونتوقف عن تصدير الغاز في حدود 2030. فمن أين سنأتي بالأموال التي نستورد بها حاجياتنا الاستهلاكية كوننا بلد غير منتج مع الأسف.

الحكومة الآن بصدد تأجيل المشاكل وليس حلها، من خلال اللجوء إلى طباعة الأوراق النقدية. لكن هم بهذه الطريقة يواجهون المشكل الداخلي فقط، أي مشكل الأجور والديون العمومية، أما المشكل الأكبر وهو الاستيراد فهذا مرتبط بإحتياطي الصرف وبعد 2019 سنواجه مشكل كبير في إحتياطي الصرف… 

آخر الأرقام التي قدمها محافظ بنك الجزائر ثم وزير المالية أمام المجلس الشعبي الوطني تتحدث عن إستقرار في مؤشرات الاقتصاد الكلي. هل لديكم حقيقة مغايرة؟

وزير التجارة نفسه يقول بأننا نستورد 100 منتوج مقابل كل أربع منتوجات مصنعة محليا وهو نفسه يقول أننا نتجه نحو الحائط وبعد سنتين أو ثلاث سنوات لن نستطيع إستيراد شيئ بما فيها الحبوب… ما ذا يعني هذا؟ معناه أن آفاق 2019 صعبة وصعبة جدا. يضاف إلى هذا الغموض السياسي المتعلق بالانتخابات الرئاسية، ما عمق من الأزمة ومن زاد من الأخطاء في القرار الاقتصادي والسياسي. فالصراع داخل منظومة الحكم حول الانتخابات الرئاسية القادمة يعطي الانطباع أننا لسنا بصدد تسيير شؤون بلد بل بصدد تسيير من سيكون الرئيس.

ونتيجة كل هذا ما نراه الآن من عدم القدرة على الحوار وعدم القدرة على تحمل المسؤولية. فلا يوجد وزير قادر على تحمل مسؤولياته إتجاه المضربين  لأن مركز القرار مفتت، وزد على ذلك التصريحات المؤجة للفتنة والتصريحات الاحتكارية… كل هذا يعمق الأزمة . 

بما أن الأزمة على الأبواب و2019 ليست بعيدة، هل هناك حل عاجل؟

لا بد من رؤية إقتصادية جديدة ومحاربة الفساد بشكل كبير والانطلاق في العمل من أجل الوصول ففي أقرب وقت إلى مليوني مؤسسة في مجال الفلاحة والصناعة والخدمات… لأنها هي التي تستطيع أن تمتص البطالة وتخلق قيمة مضافة تضمن الناتج الإجمالي الخام ومن ثمة الخروج من العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات.

لا يوجد حل سحري أو حل ينزل من السماء، بل هناك حل عقلاني منطقي هو الحل الذي طبقته دول أخرى للخروج من الأزمة. لكن شروط هذا الحل غير متوفرة لأننا لدينا مشكل خطير جدا هو مشكل الفساد الذي يمنع المنافسة. ومحاربة الفساد يتطلب ممارسة الرقابة وهذا بدوره يتطلب أن يؤدي البرلمان دوره والإعلام يؤدي دوره… وحتى يكون هذا لا بد من الحريات. وهي شروط إذن غير متوفرة ومناخ الأعمال غير مناسب تماما.

أؤكد لك أننا في 2019 حتى إذا حدث تغيير إيجابي ويأتي حاكم صالح وحكومة راشدة فلن تستطيع حل المشكل، لأن تحقيق التنمية خارج البترول والغاز يتطلب على الأقل خمس سنوات حتى تظهر النتائج. وهذه الفجوة ستكون مضطربة بالإضرابات والاحتجاجات… ما يؤدي بنا إلى القول أن الحل الاقتصادي يجب أن يتماشى مع توافق سياسي بين كل الجزائريين حتى تكون الحكومة مسنودة وتوجه رسالة واحدة للشعب الجزائري ومفادها أننا نعيش أزمة شديدة لكن الجزائر لديها إمكانات للخروج من الأزمة خارج  البترول والغاز، خارقة للعادة. لو يسمع الشعب الجزائري هذه الرسالة من كل الطبقة السياسية يمكن أن يتفهم الوضع وحينئذ سنعيش خمس سنوات صعبة لكن بعدها سنصنع قصة نجاح كبيرة مثل ما فعلوا في ماليزيا وتركيا والبرازيل والفيتنام… 

تحليلكم  السيد مقري، هو تقريبا نفس تحليل الحكومة؟

ولكن الحكومة ليست متفقة معنا حول موضوع التوافق السياسي وفي الحقيقة نحن لا نتفق معهم في نقطتين، الأولى أن  الحكم غير راشد ولا أحد يختلف معنا في أن الحكم غير راشد وانتم الصحفيون تتحدثون دوما عن هذا. هناك فساد كبير وإضطراب في القرارات وتناقضات كبيرة جدا والحكومة أثبتت أنها غير قادرة على تسيير الاقتصادي الجزائري.

أما النقطة الثانية فتتعلق بالتزوير الانتخابي، إذ لا يمكن الحديث عن توافق سياسي في ظل التزوير الانتخابي وحتى الوزير الأول إشتكى من التزوير. ما معنى هذا؟ معناه أن التزوير صار حقيقة مؤكدة لا ينكرها أحد.

تقولون أن السنوات القادمة ستكون صعبة أيا كان الرئيس. لو يعرض عليكم المشاركة في الحكومة لمواجهة هذه الوضعية هل تشاركون فيها؟

نحن لن نشارك في الحكومة إلا في ظل التوافق الوطني يشارك فيه الجميع كما ذكرت أو في حالة فوزنا بالانتخابات. نحن لن نركب قطارا لا نعرف وجهته، إذا إتفق الجزائريون على رؤية مستقبلية فنحن جزء من التوافق وإن لم يكن هناك توافق فلنترك الانتخابات نزيهة تفرز نتائج تحل المشكل.

هل أنتم مع تغيير الحكومة في الظرف الحالي؟

نحن لا يهمنا هذا الأمر، ما الفرق بين أويحيى و غير أويحيى؟ المشكل ليس في الأشخاص بل في تغيير الذهنيات وتغيير الثقافة والرؤية… صحيح هناك شخص أحسن من شخص آخر لكن المشكل الجوهري هو مشكل نظام سياسي.

  تقتصر الإضرابات على قطاعات محدودة منها الصحة والتربية بشكل خاص، بينما القطاع الاقتصادي الذي يشغل الجزء الأكبر من الجزائريين بعيد عن الحراك الاجتماعي . هذا يعني أن الإضرابات الحالية ليست مرتبطة بالوضع الاقتصادي بالضرورة وهي موجهة ضد أويحيى ووجوه معينة في الحكومة. ما رأيكم؟

الإضرابات تكون بأوحيى ومن دون أويحيى. صحيح هو شخص استفزازي لا يساعد على حل المشكل، لكن حتى إذا لم يكن أويحيى موجودا ستكون هناك الإضرابات لأن الوضع الاجتماعي متوتر.

نحن ليس لدينا قطاع خاص كبير ونسبة كبيرة من الجزائريين يعيشون من الوظيف العمومي.

الانتخابات الرئاسية على الأبواب ونفهم من حديثكم السيد مقري، أنكم غير مهتمين بهذا الموعد سواء ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة أو لم يترشح. أليس كذلك؟

لا أعتقد أن هناك في الجزائر من له اليقين إن كان الرئيس سيترشح لعهدة خامسة أو لا يترشح بما فيها هو. وهذا لسببين، الأول أن في طبيعة أنظمة الحكم العربية الحاكم لا يتصور نفسه حيا ويكون هناك حاكما آخر ولا أتصور أننا في الجزائر يمكن أن يتصور الرئيس نفسه غير رئيس وهو على قيد الحياة.

وهناك مسلمة أخرى هي أن الرئيس لديه معطيات ولديه أرقام بأن الأوضاع بعد 2019 ستكون صعبة وقد يجد نفسه في مواجهة الشعب وهو لا يريد أن يجد نفسه في مواجهة الشعب لأن الصورة التي رسمها لنفسه ستنهار. هذا ما أدى إلى وجود تردد كبير في المضي إلى العهدة الخامسة أو عدم المضي إليها.

صحيح العهدة الخامسة لديها حظوظ أكثر بسبب الفراغ الكبير والأطراف الفاعلة داخل السلطة غير متفقين على شخص.

هل هناك فرصة للمعارضة حتى تستغل هذا الفراغ وتتقدم لأول مرة بمرشح واحد قد يقلب الموازين؟

المعارضة أمامها مسلكين هما: المقاومة السياسية لأن الانتخابات سيحسمها التزوير في نهاية المطاف وبالتالي سواء دخلت المعارضة بمرشح واحد أو بعدة مرشحين أو قاطعت فستدخل المعركة من أجل المقاومة السياسية فقط مثلما فعلت في الانتخابات التشريعية والمحلية. أما المسلك الثاني فهو الشارع، إذ لا يمكن للمعارضة مواجهة التزوير حتى لو ضاعفت نفسها عشر مرات إلا بالشارع. ولا يوجد حاليا في الجزائر أي حزب أو طرف مستعد للخروج إلى الشارع وتحمل تبعات الدم الذي قد يسيل مثلما يحدث اليوم في سوريا وفي المنطقة العربية.

الخروج إلى الشارع إذا لم تكن هناك مخاطر أمنية هو مظهر من مظاهر التعبير، وهذا ماحدث في أوربا الشرقية وفي أمريكا اللاتنية وفي إفريقيا… لكن عندنا الوضع لا يسمح بهذا لأن النظام السياسي يستعمل العنف. 

هناك منع للمسيرات والمظاهرات صحيح، لكن لو نأخذ الحملات الانتخابية كمعيار نجد أن الأحزاب في الجزائر كلها غير قادرة على تجنيد الشعب. ما رأيكم؟

شخصيا كل نهاية أسبوع أنشط تجمع في ولاية من الولايات وأملأ القاعة لكن الدعوة للمسيرات دون رخصة مخيف جدا وبالتالي عندما يأتي وزير الداخلية يعطي أرقام حول نتائج الانتخابات… ماذا يمكن أن تفعل؟ لا تستطيع الخروج إلى الشارع خوفا على بلادك. وعليه على الرأي العام أن يتفهم وضع الأحزاب والمعارضة سواء كانت متجمعة أو متفرقة لن يتغير شيئا.

المتهم بالتزوير سابقا هو جهاز المخابرات، وحاليا هل ما زالت المخابرات هي من تتحكم في نتائج الانتخابات أم هناك جهات أخرى متحكمة؟

الرئاسة لها دور والمؤسسات الأمنية والادارة… كل مؤسسات الدولة تنخرط في عملية التزوير. هم يتركون الانطباع أنهم مختلفون قبل يوم الانتخاب لكن يوم الانتخاب يتفقون، مثلما حدث في المحليات الأخيرة حيث كانت كل أجهزة الدولة وراء الأفالان. وفي المجالس الولائية تدخل الولاة أنفسهم لتمرير مرشحي الأفالان ولو لم نتحالف في بعض الولايات مع الأرندي لفاز هذا الأخير بمجلس ولائي واحد وهو مجلس ولاية بلعباس.

ماهي قراءتكم السياسية لهذا التوجه؟

طبعا هو موجه ضد أويحيى لتبليغه رسالة أن هناك جهة في السلطة لا تريده 

في رأيك السيد مقري ماذا ينتظر بوتفليقة ليتخلص من أويحيى علما أنه في 2014 وقبل موعد الرئاسيات بكثير أقاله من الحكومة ثم من الأرندي؟

لما تنظر إلى الترسانة التي تحركت في الانتخابات المحلية لصالح حزب جبهة التحرير تشعر بأن عمق الدولة مع  هذا الحزب.

هل ينوي مقري الترشح للانتخابات الرئاسية؟

مؤسسات الحركة هي التي ستفصل والأمر يتطلب دراسة ونحن لسنا حزب صغير متشبث بالانتخابات الرئاسية مهما كان الحال. هذه الانتخابات لا قيمة لها إطلاقا بالنسبة لنا إذا لم نر أنها ستأتي بالحل.

على ذكر الحزب، ألا تخشون أن يتأثر بما يحصل للتيار الإسلامي في المنطقة العربية ككل؟

نحن نتميز عن الحركات الإسلامية الأخرى بكوننا إنتزعنا الوطنية بجدارة وإستحقاق. لا أحد يستطيع أن يزايد علينا في الوطنية، لقد دفعنا 400 شهيد على رأسهم الشيخ بوسليماني وحمود حمبلي… حينها الأفالان كان في المعارضة والأرندي غير موجود. نحن إذن دفعنا دمنا من أجل البلاد وبالتالي وضعنا يختلف وحركتنا هي حركة سياسية كغيرها من الحركات.

لكن تبقى هناك المرجعية الإيديولوجية للحزب بحاجة لمراجعة في ظل الصعوبات التي يواجهها التيار الإسلامي اليوم؟

أكيد هناك مراجعات كثيرة، ونحن قمنا بمراجعات كثيرة أحسن من الأحزاب الوطنية والقومية التي تجمدت في مرجعياتها القديمة.

ما هي المرجعيات التي ترى أنكم قمتم بها وتعتبرونها أساسية؟

مثلا الفصل بين العمل الحزب والعمل الدعوي، بحيث مهمة الحزب السياسي الآن ليس العمل الدعوي الذي يقوم به المجتمع المدني. وهذا أساسي بالنسبة لنا، إضافة إلى مسألة الخطاب الذي لا يجب أن يرتكز على العنصر الهوياتي. خطابنا السياسي يجب أن يرتكز على مصالح الناس ولذلك تراني أتحدث عن الاقتصاد وليس عن أشياء أخرى ونحن الحزب الوحيد الذي لديه حكومة ظل في شكل لجان متخصصة كل واحدة في قطاع وزاري معين وعندنا حاليا 34 لجنة متخصصة. كما أنشأنا هيئة خاصة بالمنتخبين ولدينا أكاديميات وتحالفات مع أحزاب لا تشبهنا إيديولوجيا.

نفهم بأنكم تفصلون بين الدين والسياسة؟

ليس بين الدين والسياسة بل بين الدعوة والحزب. نحن لا نستطيع أن نبتعد عن الدين، لكنني لن أقول للمواطن صوت لصالحي لأنني متدين. لم يعد أي معنى من أن أقول للمواطن أنني أمثل الاسلام والاسلام هو الحل… أنا أقول للمواطن ها هو الحل الذي أقدمه في السياسة وفي الصحة… ثم أنا حر في المرجع الذي أستمد منه الحل. الأوربيون يعتمدون على المرجعية المسيحية أنا أعتمد على المرجعية الاسلامية دون أن أفرض فهمي أنا للنص على الآخرين.

حاوره: م.إيوانوغان – الجزائر 20 فيفري 2018

تعليق