بقلم الدكتور سليم قلالة، مقال منشور على جريدة الشروق اليومي بتاريخ: 29 جويلية 2017.

01- عودة حزبي التغيير وحمس إلى خيار الوحدة وتجسيد ذلك على أرض الواقع، ينبغي أن يُنظَر إليه بالنسبة إلى التيارات السياسية الأخرى، ليس كحدث عابرٍ، إنما كمؤشر على ما ينبغي أن تكون عليه الخارطة السياسية في الجزائر مستقبلا.
02 – التعددية لا تعني البتة أن يكون في البلاد عشرات الأحزاب، إنما اتجاهات كبيرة تُمثِّل مدارس سياسية وفكرية متنوعة تتنافس فيما بينها لأجل إقناع غالبية المواطنين بصحة خياراتها والعمل على تجسيدها على أرض الواقع بعيدا عن كل انقسام عَبَثي لا يعكس سوى الطموحات الشخصية والخلافات المصطنعة.
03 – عشرات الأحزاب في الجزائر، تزيد عن الستين أحيانا، لا يعني أبدا أن هناك ستين فكرة وستين مشروعا سياسيا وستين حلا مقترحا لمستقبل البلاد، بقدر ما يعني أن هناك عشرات، إن لم أقل مئات، من الأفراد لديهم طموحات مختلفة وحسابات مختلفة يستخدمون الأحزاب كوسائل لتحقيقها أو مَنع الآخرين من تحقيق ما يريدون على حسابهم.
04 – لقد عشنا تجربة نحو 28 سنة من التعددية، وهي تجربة قصيرة في عمر الشعوب، ولكنها كافية لكي نستخلص منها العبرة اليوم: أننا لا يمكن أن نبقى بلد الستين حزبا وفي ذات الوقت بلا حزب حقيقي واحد ببرنامج واضح وأهداف لا علاقة لها بهذا الشخص أو ذاك.
05 – الطبيعة الغالبة على الأحزاب السياسية في بلادنا، كَسَرتها اليوم حركتا مجتمع السلم والتغيير من خلال خيار الوحدة، حيث تجاوز القياديان عبد الرزاق مقري وعبد المجيد مناصرة مسألة ربط الحزب بشخصيهما إلى ربط الحزب بالفكرة الأساسية التي من أجلها تأسس بداية، باعتباره قبل أن يكون حزبا سياسيا كان يُمثِّل مدرسة فكرية وتربوية وأخلاقية نواتها الأولى كانت جمعية الإرشاد والإصلاح التي كانت ومازالت جمعية غير سياسية لها رموزها وشهداؤها وعلى رأسهم المرحوم الشيخ محمد بوسليماني والأستاذ الفذ لحسن بن سعد الله- رحمهما الله- اللذان غدرت بهما يد الإرهاب في زمن متقارب، بالإضافة إلى عددٍ كبير من الشهداء والمناضلين الذين لا يسع المجال هنا لذكرهم.
06 – بهذه الخطوة، تكسب حركة مجتمع السلم “حمس” السبق على غيرها من الأحزاب السياسية الأخرى التي مازالت منقسِمة على ذاتها، سواء أكانت ضمن ما يُعرَف بالتيار الوطني أم الديمقراطي، وتُبيِّن أنها امتلكت القيادة السياسية الواعية التي تستطيع أن تخوض معارك انتخابية في المستقبل وتتفوق فيها. ولعلي أتوقع أنه لو يتم توسعة هذا المسعى إلى باقي الأحزاب المنتمية إلى ذات المدرسة وإلى باقي الرموز الثقافية والفكرية والإعلامية القريبة منها لشكلت قطبا متماسكا يكون له الوزن الكبير في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ويمكِنها أن تُنافس بجدارة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2019.
07 – الدرس الذي ينبغي استخلاصه اليوم مما جرى بين فصيلين متقاربين في المنبع الفكري والخط السياسي، يتمثل في حاجتنا إلى تقارب كافة الفصائل الأخرى المنتمية إلى ذات المدرسة، من بعضها البعض. إنني لا أرى فرقا جوهريا بين حزب القوى الاشتراكية والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب العمال، كما لا أرى فرقا جوهريا بين حزب جبهة التحرير الوطني وطلائع الحريات والتجمع الوطني الديمقراطي والفجر الجديد والجبهة الوطنية الجزائرية، إذا ما حاولنا النظر إليها من خلال المرجعيات الفكرية والسياسية التي تعتمد عليها نظريا، ذلك أن الكل يعلم أنه لولا الصراعات بين الأفراد والمجموعات في أعلى هرم السلطة، والخلافات الشخصية بينها، ومحاولة كل فئة خلق جهاز انتخابي تابع إليها، لما وُجدت هذه الأحزاب بالشكل الذي هي عليه الآن، ولَمَا أصبح بعضها في السلطة والآخر في المعارضة.

النتيجة:
ـــــــــــ
هذا مخرجا مستقبليا مقبولا لخارطتنا السياسية إذا كُنَّا نُريد لها أن تتشكل بطريقة صحيحة، وأن تتنافس مكوِّناتها بطريقة قانونية وحضارية وشريفة. ولا أجد في الأخير إلا أن أوجِّه التحية إلى الأخ عبد المجيد مناصرة على قبوله حل حزبه رسميا، وإلى الأخ عبد الرزاق مقري على قبوله التنازل عن قيادة الحركة الأم، ففي ذلك درس حقيقي لكافة الأحزاب، لأنه ليس من السهل أبدا أن تقوم بهذه الخطوة، لولا بُعد النظر وتغليب الفكرة على التنظيم، والبرنامج على المصالح الشخصية.

من مقال للأستاذ سليم قلالة.

تعليق