تعود جذور تعثّر العلاقة الطبيعية بين السّلطة والديمقراطية في الجزائر إلى مرحلة تشكيل النظام السّياسي أثناء الثّورة التحريرية.

وقد ألّف الدكتور عبد الحميد الإبراهيمي كتابًا قيّمًا وثريًّا تحت عنوان: (في أصل المأساة الجزائرية.. شهادةٌ عن حزب فرنسا الحاكم في الجزائر (1958 ـ 1999)، صدر سنة 2001م.

والإبراهيمي قامةٌ سياسيةٌ جهاديةٌ وأكاديمية، ورئيسٌ للوزراء بين سنوات 1984 و 1988م، وعضوٌ في المكتب السّياسي لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم إلى غاية استقالته سنة 1990م.

وقد تحدّث عن المرحلة التحضيرية للانتقال من الاستعمار التقليدي إلى الاستعمار الجديد، عن طريق مشروع شارل دوغول: الجزائر الجزائرية، المؤسَّس على القوّة الثالثة واختراق جبهة التحرير وجيش التحرير بين سنوات 1958 و 1962م.

 كما تحدّث عن مشاركة الضبّاط الفارّين من الجيش الفرنسي في انقلابي 1962 و 1965م، ومنحهم النّفوذ والشّرعية بعد الاستقلال الملغّم، واستيلاء جيش الحدود على السّلطة، وحسم الصّراع عليها بالقوّة.

 كما تحدّث أيضًا عن استيلاء هذا الحزب على القطاعات الاستراتيجية الرئيسية في الجزائر، وضمان تبعيتها المتعدّدة والدائمة لفرنسا، وتوطيد مواقع هؤلاء الضباط واستيلائهم على السّلطة بين سنوات 1979 و 1988م، بعد وفاة الرئيس الرّاحل هواري بومدين، وتحديدًا عن طريق الرجل القوي والمقرّب من الرئيس الشاذلي بن جديد الجنرال العربي بلخير، إلى غاية الانفجار غير المتوقّع لأحداث أكتوبر سنة 1988م، والتي كانت مظهرًا من مظاهر الصّراع بين أجنحة السّلطة الذي خرج إلى الشّارع، ثم الالتفاف على هذه الانتفاضة الشّعبية رغم المسار الإصلاحي الدستوري في فيفري 1989م، بإدخال الجزائر في حمامات الدّم والمأساة الوطنية، ومصادمة الخيار الديمقراطي والشّرعية الشّعبية ومؤسّسات الدولة بتوقيف المسار الانتخابي في جانفي 1992م، ومغالطة الجميع بأنّ أصل الأزمة هو الصّراع بين السّلطة والفيس أو بين الجيش والإرهاب.

وبالرّغم من العودة إلى المسار الإنتخابي ابتداءً من رئاسيات 1995م، إلاّ أنّ الجميع الآن يعترف بأنّ كلّ الانتخابات التي مرّت بها البلاد هي انتخاباتٌ مزوّرة، وأنّ هناك حقيقةٌ في صناعة الرؤساء بعيدًا عن الشّعب، وآن الأوان إلى إعادة الكلمة إليه لاختيار رئيسه.

وهو ما يؤكد أنّ أصل الأزمة هو صراعُ البقاء بين السّلطة والديمقراطية لا غير.

فالأصل أنّ الديمقراطية هي الرافعة الشعبية والأخلاقية لحركة التغيير والتمكين لدى الشّعوب في مرحلة البناء والتعمير، وهي ثمرةُ الثورة المسلّحة ضدّ الاستعمار في مرحلة الاستقلال والتحرير، وأنّ أسوأ مظاهر ممارسة السّلطة في الدولة أو الخلافة هي الحُكم باسم الشّرعية الدّينية أو باسم الشّرعية التاريخية دون إرادة الأمّة الحرّة.

ومع أنّ بيان أول نوفمبر 1954م نصّ صراحةً – وبنوعٍ من الإبداع والنّضج السياسي المبكّر للحركة الوطنية – على طبيعة الدولة الجزائرية، وكان من أهمّ الأهداف السياسية والأساسية للثورة هو إقامةُ دولةٍ جزائريةٍ ديمقراطيةٍ اجتماعيةٍ ذات السّيادة في إطار المبادئ الإسلامية، إلاّ أنّ الذين سيطروا على الدولة بعد الاستقلال سنة 1962م حكموا باسم الثورة لاحتكار السّلطة والثروة، وحكموا باسم الشرعية التاريخية فاغتالوا نصاعة التاريخ الذي سطّره المجاهدون والشهداء بنارٍ من اللّهب المقدّس، وبنورٍ من الحقّ المتوهّج.

إنّ مسار عدم احترام إرادة الشّعب منذ الاستقلال يؤكّد مظاهر المساس بالشّرعية السّياسية للسّلطة داخل الدولة، وهي لوثةٌ أخلاقية صادرت الرصيد التاريخي والصبغة الأخلاقية للثورة التحريرية، وأغلقت أفق الخيال السياسي والديمقراطي للجزائر بعدها، وفرضت منطق القوّة لا قوّة المنطق في السّلطة تأسيسًا وحكمًا.

فأصبح للثورة ظلٌّ باهت، وذكرى جميلة، وحُلْمٌ ديمقراطي نبيلٌ قد خذله أصحابُه.

وهو ما يؤكد أيضًا أنّ الانتخابات على الطريقة الجزائرية لم تكن يومًا حلاًّ لمشكلة الشّرعية، ولا لتحقيق التنمية، ولا لصناعة النّهضة في البلاد.

وأنّ حقيقةً تاريخيةً صارخة تؤكّد أنّ الديمقراطية لم تكن يومًا نصابًا لبقاء السّلطة، بل كانت تقوم على التزوير والحكم باسم الشّرعية التاريخية أو باسم شرعية مكافحة الإرهاب أو باسم شرعية مكافحة الفساد.

وعليه فإنّ الاستشراف المستقبلي يفرض علينا أنه مهما تكن نتائج الانتخابات الرئاسية 2019.12.12 – إن أُجريت – سواءٌ من حيث نسبة المشاركة أو من حيث نسبة شرعية الرئيس الجديد فإنّ إنقاذ المستقبل أهمُّ – شرعًا وعقلاً – من الغرق في الماضي والمناكفة على الحاضر، وأنه لا يوجد من حلٍّ مثاليٍّ أقلُّ كُلفةً أفضلُ للجزائر وأرفقُ بالجزائريين من استمرار الحَراك الشّعبي السّلمي الضاغط، ومن التوافق الوطني على مسارٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ، يُبنى على الحوار الجادّ والتشاور المسؤول والتوافق الحقيقي، وعلى رؤيةٍ اقتصاديةٍ شاملة، تقوم على الانتقال الطاقوي وعلى الاقتصاديات البديلة وعلى التحرّر الكلّي من الاقتصاد الرّيعي، قبل أن تتخلخل بِنية الدّولة، وتتآكل قوّة السّلطة المركزية الصّلبة، وتكون الجزائر أمام حتميةِ انفجارٍ جديد، قد يصل إلى تهديد الوَحدة الترابية للبلاد – لا قدّر الله.

وهو ما يتطلّب الحكمة السياسية للذهاب إلى مسارٍ ديمقراطيّ لا يستنسخ الماضي، ولا يجرّب المجرّب، ويتجاوز – حتمًا – ربط مصير البلاد بالأشخاص المخلِّصين والعابِرين؟؟؟!!!.

لأنّ استبدالَ سلطةٍ غير شرعية بسلطةٍ غير شرعية أخرى من نفس منظومة الحكم – ولو كانت بدوافع ديمقراطية وأشكالٍ انتخابية – لن يزيد الوضعَ إلاّ تعقيدًا وتأزيمًا.

لا يجب أن يسود ذلك الاعتقاد الخاطئ في اختزال الديمقراطية في بُعدها الإجرائي وهو الإنتخابات مهما كانت، وأنّ الاستحقاق الأول لمرحلة ما بعد أيِّ ثورةٍ شعبيةٍ لملأ الفراغ المؤسّساتي هو مجرد الاحتكام إلى أيّ مسار انتخابي ولو كان أعرجًا، تحت ذريعة الاستعجال بالاحتكام إلى الإرادة الشعبية وطيِّ المراحل الانتقالية، دون إدراك الأبعاد الحقيقية والأركان المتعدّدة للديمقراطية.

فالانتخابات ركنٌ من أركانها، وهي تتويجٌ لمسارها التراكمي في البناء السياسي والمؤسّساتي وليست بدايتها.

فقد تكون الإنتخابات الشكلية التي لا تتوفّر على الظروف الإيجابية والشروط الموضوعية لنزاهتها عدوّةً للثورة الشعبية وللديمقراطية ذاتِها، وأداةً للالتفاف عليها.

ولذلك فإنّ الصّراع الحقيقي ليس بين مكوّنات الطبقة السياسية، ولا بين مكوّنات الحَراك الشّعبي، ولا بين الثورة الشّعبية وشبح الثورة المضادّة، ولا في تأثير فواعل التدخّل الخارجي، ولكنّ الصّراع الحقيقي والجوهري هو صراعُ البقاءِ بين السّلطة والدّيمقراطية.

تعليق