لقد أتاح الحراك الشعبي الجزائري فرصا كبيرة أمام الجزائريين وغيرهم من الشعوب في مجال التغيير الاصلاح السياسي ولاسيما في الادوات والمناهج المستخدمة في ذلك بعد حالة الفرملة التي عرفتها الشعوب بعد النتائج السلبية للربيع العربي في دول المنطقة العربية، وصار فحص هذه الفرص ومحاولة تعميمها وترسيخها واغتنامها اكثر من ضرورة قبل مرورها علينا مرور الكرام دون افادة منها، والرسالة هنا للنخب السياسية والثقافية والتعليمية وكل مشتغل بالتنمية البشرية وسيكولوجيا الجماهير ومناهج التغيير بعيدا عن العنف والارهاب والقهر والمنع والقمع ،وسنحاول في هذه الدراسة الاشارة الى عدد من الفرص التي اتاحها الحراك الشعبي الجزائري وينبغي الافادة منها وهي:

التحول في سلوك الشعب :
الشعب متغير رئيسي في الحياة السياسية لأي امة ولا يمكن أن نصيغ تحليلا سليما للوضع العام دون فحص موقف الشعب من الشأن العام وكيف يتفاعل معه ايجابا وسلبا ،ويعد التحول في سلوك الشعب الجزائري فرصة كبيرة ينبغي لكل الفاعلين بما فيها أفراد الشعب الجزائري اغتنامها والاستثمار في حيويتها على اعتبار أن المشاركة الواسعة لكل أطياف الشعب الجزائري في الحراك الجزائري عدل ميزان القوى الذي كان في صالح العصابة التي كانت تحكم الجزائر،فالشعب هو مصدر السلطة وقد أكد على ذلك الدستور الجزائري منذ الاستقلال إلى اليوم ولكن تجسيد هذه الرؤية تأجلت بفعل ممارسات الاستبداد المقننة للأسف الشديد.
والتحول الذي نتحدث عنه هو خروج الشعب الجزائري من حالة الاستقالة واللامبالاة بالعملية السياسية والانتخابية وعزوفه عن الفعل السياسي وغيابه عن ممارسة حقه في الاختيار ولاسيما بعد حالة الخيبة واليأس من التغيير بعد أن ساهم في موجته الثانية من تسعينيات القرن الماضي في الانتخابات التي ألغيت نتائجها ودخلت الجزائر بعدها في حرب أهلية راح ضحيتها 200 ألف قتيل الأمر الذي استخدمته السلطة في فرملة أي حراك للجزائريين واستأثرت بالانتخابات تزويرا وتدليسا ،وظنت أن السيادة الشعبية أصبحت أداة في يد النظام يستخدمها كيف يشاء بل ويتحدث بإسم الشعب في كل مرة ،هذا التحول في السلوك الجماهيري العام يعتبر فرصة ذهبية لصناعة قصة نجاح جديدة على كافة المستويات ،أولها الاستعداد لحماية الاختيار السياسي في الانتخابات وفرض إرادته بقوة المشاركة الواعية وثانيها المساهمة في مكافحة الفساد والرشوة وكل الافات التي الصقت بالشعب الجزائري ،وكأني بالشعب يقول لاي سلطة تنتخب بشفافية أنا مستعد للتعاون من اجل تقدم وازدهار الجزائر .
هذا التحول الذي نتحدث عنه كانت النخب عنه غافلة او يائسة من اي تغيير يمكن أن يحدث في سلوك الشعب الجزائري وفي مقدمته الشباب الذين يمثلون 75 بالمئة من الجزائريين ،فالتحول ممكن اذن اذا استطعنا أن نصنع من الهبة الشعبية السلمية الحضارية سلما نحو الخروج من التخلف وتحقيق نسب مهمة من النمو والتنمية .ومن جهة أخرى فان هذا التحول هو فرصة للجميع وسانحة للمزيد من التأطير السياسي والاجتماعي لفئات عريضة من الجزائريين كانت الى وقت قريب يائسة من امكانية التغيير واصبح اليوم لديها القدرة على المساهمة في تنظيم المجتمع .فالتحول في سلوك الشعب هو فرصة للنظام السياسي وفرصة للاحزاب والمجتمع المدني وفرصة ايضا للشباب الذين يريدون الانخراط في خدمة ثوابت ومبادئ وقيم وتطلعات الشعب نفسه.

التحول في سلوك الجيش :
الجيوش قوى أساسية في البلدان العربية بل هي اهم القوى كما هو الشان في الجزائر،والصورة التقليدية عن الجيوش انها قوة خشنة تستخدم دائما لقمع الشعوب والحركات السياسية او هكذا يعرف سلوكها الخاص والعام ،لذلك يعد موقف الجيش الجزائري اليوم من الحراك الشعبي تحولا مهما في معادلة فهم حاضر ومستقبل الحراك الشعبي ،على اعتبار أن سلوك القوى الامنية في خريف 1988 في الجزائر أو تجربة الربيع العربي كانت مختلفة اختزنتها الذاكرة الشعبية على انها ستقمع اي حراك رافض لسياسات النظام الحاكم ،وستقف الى جانب القوى غير الدستورية ولكن الحال في الجزائر اليوم غير الحال في تجربة الجزائر وغيرها من الدول حيث ساهم موقف الجيش في تميز الحراك الجزائري وشموليته لكل القطر وسلميته ايضا ولا يمكن ادراك هذا التحول الا اذا استعرضنا المشهد المناقض له وكيف ستكون الصورة والمشهد ،وهو تحول مهم ينبغي قراءته في سياق طبيعة المؤسسة العسكرية الجزائرية التي كانت الى وقت قريب توصف بشتى النعوت انطلاقا من نظرة غير محينة للتغييرات التي حدثت في قلب المؤسسة اثناء وبعد الماساة الوطنية سواء على مستوى الخبرة والرصيد والاحترافية التي امتلكتها المؤسسة او على مستوى النخب العسكرية الجديدة التي تحوز مستوى علميا ومعرفيا وثقافيا عاليا او حتى على مستوى التغيرات التي حدثت في سياق الصراع في سرايا النظام السياسي ولاسيما مابعد تنحية مدير دائرة الاستعلامات والامن محمد مدين و حادثة الكوكايين التي اطاحت بعدة قيادات عسكرية مهمة، حيث عرفت المؤسسة تغيرا على مستوى كادر قيادي هام كان يعتبر جزء رئيسي من حالة تمركز قديمة للنخب في المؤسسة العسكرية يعود اصل ادراكها السياسي الى مرحلة الارهاب اقصد نخبة الجنرالات المحسوبة على اللوبي الفرانكوفوني وعلى راسها نخب تسعينيات القرن الماضي والتي احيل جزء منها على التقاعد وماتبقى هو اليوم خارج اللعبة العسكرية والسياسية لكنه يحاول المقاومة بغرض التموقع الجديد .
هذا التحول في سلوك المؤسسة العسكرية هو تحول نوعي يتطلب من النخب السياسية تثمينه وصولا الى تمدين النظام السياسي والخروج نهائيا من تبعية السياسي للعسكري كما كنا من قبل ،ومرافقة المؤسسة العسكرية الى تجسيد ذلك دستوريا وفعليا من خلال ميلاد نظام سياسي جديد يخضع فقط للاختيار الشعبي صاحب السيادة لتتفاعل فيما بعد مؤسسات الدولة في اطار تكاملي يحدده الدستور ،فالمرافقة التي يعرضها الجيش على الحراك للوصول الى مسار انتخابي شفاف ونزيه يتطلب مرافقة شعبية ايضا للجيش للقيام بوظائفه الدستورية التي تحددها المادة 28 باقتدار وتميز .واي تراجع عن هذه التوليفة المتوازنة لعلاقة المدني والعسكري ستجعل هذا التحول المذكور مجرد سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء .

الاعلام وصناعة الرموز :
الحراك الشعبي الجزائري حرر الجميع بما فيها الاعلام والجيش والنقابات ولاسيما القضاة ورجال العدالة ،حيث يعتبر تحرر الاعلام من الرقابة والتوجيه السلطوي والضغط عليه بالاشهار وكل انواع الضغط فرصة جديدة تتاح للجزائريين لصناعة رموز سياسية واعلامية ومجتمعية جديدة على اعتبار أن الحراك الشعبي غني بالكفاءات الجزائرية المبدعة ولكنها مهمشة وبعيدة كل البعد عن الصورة العامة،فمن خلال الحراك الشعبي والحرية الاعلامية تعرفنا على عديد الاسماء المختصة من الشباب والاستاذة والخبراء لم نكن لنتعرف عليهم لولا فرصة الحراك والتحرر الاعلامي ،وهي فرصة تتجدد ليستثمر فيها الجزائريون وعرض كفاءاتهم وابداعاتهم وقدرتهم على المساهمة الايجابية في نهضة وتقدم الوطن .

الطاقة الشبابية :
إلى وقت رقيب كانت الطاقة الشبابية الجزائرية مهمشة أو يائسة لانعلارف عنها شيئا سوى في اخبار الحرقة والمخدرات والتهريب واللصوصية ،في حين الشباب فرصة كبيرة للامة اذا استفاق ونهض وخرج من حالة الركود والياس والاستقالة ،والحراك الشعبي الجزائري انما هو حراك الشباب الجزائري الذي اثبت للجميع أن وعيه تجاوز النظام السياسي والطبقة السياسية ورسم صورة عملاقة عن شباب مدرك لحجم التحديات وعالم بالتطورات وعارف بالمآلات وهو على استعداد للمساهمة الايجابية في أي مشروع نهضوي للجزائر ، وهو مصر على تجسيد هذه التطلعات التي حاول النظام السياسية بكل برامجه وسياساته التعليمية والتشغيلية والثقافية أن يغتالها ويقتلها بل ويخدرها إلى الابد ولكن شباب الجزائر صدح بشعار معبر عن هذه الحالة حينما هتف بهتاف (رانا صحينا وباصيتو بينا) بمعنى لقد استيقظنا وستكون مصيبتكم بيقظتنا في اعتراف من الشباب أنهم كانوا مخدرين وخرجوا من حالة التخدير ودخلوا في ساحة التظاهر والاحتجاج السلمي والفعالية السياسية وانهم سيكون لهم راي وموقف من كل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ليس في موقع المتفرج بل في موقع الفاعل السياسي ،وهي فرصة لاتعوض للجزائر ينبغي الانتباه اليها لان اصابة هؤلاء الشباب بخيبة الامل والانتكاسة من شانه أن يكون هذه المرة مدمرا لاسمح الله للشباب وللجزائر .

انهيار أدوات النظام السياسي :
كشأن كل الثورات والحراكات في العالم اول مايسقط فيها وينهار هو ادوات النظام السياسي التي كان يمارس بها العملية السياسية وكل الاعمال ،ونقصد الاحزاب والمنظمات والجمعيات التي كانت الى وقت قريب تسوق للجزائريين خطاب الانجازات والتنمية وربط عقود توزيع السكنات بشخص الزعيم المفدى في نظرهم ،ولكنهم بمجرد اندلاع الحراك الشعبي انهارت حالة الاستقرار التنظيمي ودخلت القيادات الاولى في هذه الاحزاب في حالة هستيرية من الغضب والدعوة الى تغيير نمطها وقيادتها فضلا على انها اصبحت لاتتجاوب مع وسائل الاعلام التي كانت تدعوها للمشاركة في بلاتوهات الدفاع عن حصيلة الرئيس ،هذه الحالة تعد فرصة جديدة للشعب الجزائري بشبابه وكل فئاته لطرح البديل الديمقراطي بعيدا عن ادوات النظام المنهارة قبل انهيار النظام ورغم ارادة اعادة انتاج نفسها بتغيير جلدها باساليب بالية وتقليدية لكن الحراك مازال يحمل شعار ارحلوا الى الابد ،والفرصة التي نتحدث عنها في هذاالسياق ليست في اقصاء هؤلاء من العمل السياسي ولكن الفرصة التي نقصدها في البديل المتاح اليوم لصناعة قصو نجاح للجزائر بعيدا عن الرداءة والفشل والعجز التي مثلتها باقتدار تلك الاحزاب ،ولايمكن أن تتجسد الفرصة الا بميلاد طبقة سياسية واعية وقادرة على التجميع والعمل المشترك واستقبال اللحظة التاريخية بالكثير من التنازلات لبعضها البعض واعطاء الاولوية للانتقال الديمقراطي وليس للتنافس السياسي .

المنهج السلمي وطريق اللاعنف :
لقد عانت الجزائر كما عانى العالم العربي والاسلامي من مناهج العنف التدميرية التي ميزت مرحلة تسعينات القرن الماضي وصنعن تلك الحالة فوبيا تيارات العنف واستطاع الفاعل السياسي الدولي والمحلي شيطنة بعض التيارات التي اتهمت بهذا المنهج في التغيير ،ولكن ترسيخ السلمية في الحراك الشعبي الجزائري اليوم وتاكيده على استحالة استخدام العنف في عملية التغيير للانظمة هو انجاز كبير وفرصة متجددة للامة لاعادة التموقع السياسي والاجتماعي في وسط المجتمع بعيدا عن حملات الدعاية العملاقة التي كانت وماتزال تميز خطاب التيارات المعادية لحركات الشعوب وحقها في التغيير والتقدم والازدهار.
فالحراك الشعبي الجزائري الذي رسخ منهجية السلمية واللاعنف يعد سابقة في العالم العربي والاسلامي والعالم ككل لعدة اعتبارات سياسية واجتماعية وثقافية نفمنهج اللاعنف في عملية التغيير هو منهج له رواده وقادته من المفكرين والنخب والفرصة التي نتحدث عنها اليوم هم في القناعة الجماعية للشعب الجزائري بهذا المنهج التغييري المنسجم انسجاما كليا مع المنهج الاسلامي الذي اتهم بالعنف والارهاب في المرحلة السابقة واصبح فزاعة مستدامة تخرجها بعض الانظمة للتخويف من عملية التغيير والاصلاح ولتعبير عن رفض الانظمة المتسلطة والدكتاتورية
والفرصة هنا ايضا فكرية وثقافية ينبغي أن تثمن وتنشر وتركز في المناهج التربوية والتعليمية في مقابل وجود حرب فكرية تقودها جهات عالمية في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي التي تستهدف الشباب خاصة لصناعة التطرف والغلو والارهاب السيبراني المعلوم الاهداف والمقاصد .

إرادة محاربة الفساد :
ومن الفرص الهامة التي اتاحها الحراك الشعبي الجزائري هو فرصة المعالجة الجادة للفساد الذي اصاب واعاق كل مؤسسات الدولة الجزائرية وجعل الجزائر في ترتيب متقدم جدا من الدول التي لاتوجد بها شفافية حيث تحركت العدالة الجزائري بمرافقة المؤسسة العسكرية لاعلان الحرب على رموز الفساد ولاول مرة في تاريخ الجزائر يحاكم رؤساء الحكومات والوزراء والمدراء العامون في سابقة لم تشهدها الجزائر في تاريخها المعاصر حيث يقبع هؤلاء في سجن الحراش وهو سجن مشهور في الجزائر يقع في قلب العاصمة الجزائرية وتحركت العدالة في كشف اغلب الملفات التي شكلت فضائح مدوية طيلة عشرين سنة من حكم بوتفليقة ،هذه الفرصة الذهبية التي اتيحت للجزائر حيث طالب الملايين من الجزائريين وفي كل ربوع المدن الجزائرية التي سار فيها الحراك السلمي بشعار (كليتو البلاد ياسراقين) قلت هي فرصة ستجل بحروف ناصعة لنتيجة اولى للحراك الشعبي الذي اوصلته العصابة المافيوية الى حالة من العجز خطيرة في مستوى الهيكل الاقتصادي حيث التهمت عصابة بوتفليقة والمحيط القريب منه على كل المستويات ارقام فلكية شلت الحركة التنموية حيث يلتهم الفساد في الجزائر ثلثي الاموال المخصصة للتنمية ،هذه الفرصة طبعا سيكون لها اثر بالغ على مستقبل الاقتصاد الوطني اذا استلمت التحقيق فيها واستعادة تلك الاموال الى الخزينة العمومية مؤسسات شرعية منتخبة توفر فرصا اكثر لميلاد جزائر جديدة بعيدا كل البعد عن استخدام العدالة في تصفية الحسابات مع رمزو النظام البائد ولايتم ذلك الا من خلال التأسيس لعدالة مستقلة وفصل واضح وعملي بين السلطات المكرس دستوريا طبعا وتحرير القضاء الجزائري من هيمنة السلطة التنفيذية ورنين الهاتف الذي فعل فعلته في اعاقة مشروع التنمية والنهضة في الجزائر بصرف اكثر من 1087 مليار دولار في عشرين سنة ووصل بنا الامر الى استخدام الية التمويل غير التقليدي بدون مقابل من الانتاج والخدمات والتصدير الحقيقي ونحن اليوم امام ازمة مالية خانقة قد تؤدي الى العودة اللا المديونية الخارجية اذا لم ننتقل الى وضع سياسي جديد على قاعدة الحرية والديمقراطية والنزاهة والشفافية في الانتخابات وفي صرف المال العام وحمايته من ايادي الفساد السياسي والمالي والاداري ،فالحراك الشعبي الجزائري اتاح للجزائر فرصة لاينبغي أن تهدر بحسابات سياسوية ذاتية تعيدنا الى نقطة البداية ،وحتى اذا لم نصل في نهاية المسار الى معالجة كاملة لهذا الملف الخطير الذي فتح فان ثقافة محاربة الفساد ومشاهدة الفاسدين من كبار وعلية القوم في السجون سيصنع مناعة للجزائر تمنع الفساد وتردع الفاسدين وترسخ ثقافة جديدة لدى الاجيال مفادها عاقبة الفاسدين الاذلال والسجن مهاما كانت الضمانات والحماية واذا لم يكن السجن وتلك الصور والعربات التي تخرج من المحكمة العليا والمحاكم الاخرى الى سجن الحراش خاصة رادعة فان على هؤلاء أن يعرفوا انهم على الاقل كبش فداء يقدم للحراك الشعبي السلمي .

 

 

تعليق