كما ذكرت آنفا السؤال الجدير بالطرح: كيف استطاع التيار الإسلامي أن يبقى موجودا: أمريكا ضده بمكرها ووساوسها، أوربا ضده بدهائها وخبثها، إسرائيل ضده بكل مؤسساتها وأزلامها، السعودية ضده بأموال طائلة ومكر تجاوز حدود الإدراك، الإمارات ضده بأموال خيالية وتحالفات مع كل شياطين الأرض بحقد لا تسعه في تدفقه المحيطات، والأنظمة العربية كلها ضده ولا تتحالف بينها في شيء إلا لمحاربته. لو لم يكن الإسلاميون مدركين لطبيعة هذا العداء، الذي هو من جنس العداء لكل رسالة سماوية أو أرضية تكافح ضد الفساد والظلم وتحدي الله ورسوله ومقدسات المسلمين وغلبة الشهوات والأهواء والأطماع، لتعجبوا هم أنفسهم لهذه الجبهة العريضة العميقة من العداء. ولو طرح السؤال لماذا كل هذا العداء لكان الجواب لأنهم اقتربوا من الحكم الذي قطعت في كل زمن من أجله الرقاب. حينما كانوا دعاة كانوا طيبين ترجى بركتهم ويطلب منهم الدعاء ويستعملون لتهذيب سلوك الناس وتهدئتهم خدمة للدولة لا لوجه الله أوإصلاح الوضع العام. حين كانوا دعاة، أو تابعين، كان أذكياء السياسة يحرصون على مصاحبتهم لإخفاء فسادهم، ولكنهم حينما أصبحوا يطلبون الحكم لأنفسهم وفكرتهم، واقتربوا منه بأصوات الناس الذين هذبوهم حاربهم الأبيض والأسود والأصفر، تماما كما قالها من قبل ورقة بن نوفل. ولكن دعنا من العالم ولنعد إلى الجزائر فنعيد طرح السؤال كيف تراجع الإسلاميون، وكيف حقق النظام السياسي نجاحا كبيرا في تحجيمهم؟
لقد بدأت القصة منذ أن قرر ” الجانفييون” (Les janvieristes) تصفية الإسلاميين، متشددهم ومعتدلهم، وقد نشر نزار الخطة الخاصة بكليهما في مذكراته علانية ودون خجل في ذلك الزمن، ولكن الإسلاميين لا يقرؤون، خاصة ما كتب باللغات الأجنبية، و بعض قادتهم إما متهورون يسهل عليهم الانتحار ولا يحسنون البناء، أو خوافون يجمدهم الخوف فيذهبون إلى المشرحة بأنفسهم كالخراف، أو يقتل الطمع الشخصي الفكرة فيهم فيتحولون إلى أدوات في أيادي الظلم والفساد. لقد قرر “الجانفييون” تصفية الإسلاميين كلهم، لا لأنهم مجرمين أو غير وطنيين، ولكن لأسباب سلطوية وأيديولوجية لا غير، كما دل عليه توالي الأحداث، وخصوصا في تعاملهم مع الشيخ محفوظ رحمة الله عليه، الذي مات بغصة في حلقه لم يستطع بلعها حتى قتلته. لقد كانت تصفية الإسلاميين المتشددين سهلة منذ أن أعطوا لجلادهم شرعية ذبحهم، بل تحقيق مكاسب لم يكن يحلم بها هؤلاء الجلادون الغلاظ الذين قتلوا الجاني والبريئ بسبب تعنت المتشددين في السير في الطريق الخاطئ وعدم ظهور عاقل واحد ذي مصداقية من قادتهم يقول لقد أخطأنا ويجب إعادة رسم خطوط المواجهة بما يصيرها ناجحة موفقة، حتى صارت تجربة النظام السياسي مدرسة عالمية تستفيد منها القوى الدولية في كيفية العبث بالإرهاب وصناعته وتحقيق المآرب الاستراتيجية الكبرى في ظل محاربته كما يفعل اليوم ب”داعش”.
لم يكن النظام السياسي يتوقع بأن الصعوبة الكبرى في مواجهة الإسلاميين سيجدها مع من رشحهم للإلحاق والتدجين، وأن مسيرة تحجيمهم ستأخذ وقتا أطول من مسيرة تدمير وتهشيم التيار المتشدد. لم يكن يتوقع بأن حركة مجتمع السلم ستقدر على التملص من قبضته والهرب من الدوران في فلكه أو أنه سيضطر للتزوير وقتا أطول مما كان متوقعا. ولكن! هنا يجب التوقف والاعتراف بأن خطته بدأت تؤتي ثمارها. كيف ذاك؟

يتبع ….
د. عبد الرزاق مقري

تعليق