ملاحظة استدراكية: اخترنا كلمة “الإسلاميين” ليس لتمييز أنفسنا عن المسلمين الذين نحن جزء منهم مهما كان انتماؤهم وأختلافهم معنا، ولكن فعلنا ذلك ردا على عناوين بعض الصحف ” تراجع الإسلاميين”.
اتضح للسلطة في انتخابات الرئاسة سنة 1995 بأن التيار المسمى ” تيار الوسطية والاعتدال” له شعبية كبيرة بقيادة الشيخ محفوظ رحمه الله ويستطيع أن يكون بديلا آمنا وفاعلا بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ المتصادمة مع المؤسسة العسكرية وجبهة التحرير الوطني المنفلتة من قبضة الجيش المتجهة للمعارضة الموحدة في سانت إيحيديو، عندئذ صنعت السلطة الحاكمة بديلها بنفسها وهو التجمع الوطني الديموقراطي ومنحته الأغلبية بالتزوير المفضوح في الحكومة والبرلمان والمجالس الولائية والمجالس البلدية ووجهت بذلك رسالة مزدوجة: الأولى إلى قادة جبهة التحرير مفادها: ” يمكنكم مغادرة السلطة إلى الأبد فقد صنعنا البديل الذي سيمحيكم في كل المؤسسات الرسمية” والثانية للشيخ محفوظ نحناح ومن معه من القادة مفادها “لا يمكنكم أن تكونوا بديلا للفيس وجبهة التحرير، وإنما نصنع بديلنا بأنفسنا وإن أردتم البقاء في المدار فمرحبا بكم”. عبر لي عن موقف قادة جبهة التحرير ما قاله سي عبد القادر حجار لي شخصيا: ” نحن حينما انقلبنا على سي عبد الحميد مهري لم نفعل ذلك لأن مهري سيء بل هو أفضلنا جميعا، ولكننا وقفنا في وجهه لأنه أراد إخراج جبهة التحرير من السلطة وهذا لا يمكن أن يحدث ما دمنا أحياء” وأما الشيخ محفوظ نحناح فقبل اللعبة راضيا بالمرتبة الثانية، آملا في تغيير قواعدها مستقبلا ، بالمبالغة في معارضة الفيس وإظهار وطنيته وتطمين الخصوم بمنهج المشاركة لا المبالغة، ظنا منه بأن القوم فيهم مسؤولون يمكن أن يعتمد عليهم، لا يحكمون على شركائهم إلا بمعيار الوطنية والاعتدال والشراكة لا المغالبة ونصيب معقول من الديموقراطية. نجح النظام السياسي في استرجاع جبهة التحرير وأعطاها المرتبة الثالثة ابتداء، وفي كسب حركة مجتمع السلم كشريك في المرتبة الثانية ثم جعله يتقهقر في زمن الشيخ ذاته فمنعه من الترشح سنة 1999 وختم اللعبة معه بأن وضعه في المرتبة الرابعة سنة 2002 وراء عبد الله جاب الله الذي كان هو ذاته في سانت إيحيديو ( أي أقصى درجات المعارضة).
كانت اللعبة محكمة تم ترتيبها في مخابر الأجهزة الاستخبارية ذات الكفاءة العالية في المناورة. وكانت تقتضي أن يصبح المشهد السياسي الجزائري شبيها بما هو موجود في الدول الغربية: تداول على السلطة بين حزبين كبيرين يتبعان جهة واحدة، ثم يزين المشهد بأحزاب في مدار ثان وثالث ورابع بقدر ما تستوعبه الساحة وما يظهر من طموح سياسي لدى الجزائريين. لم يحسب المخططون الأمنيون في بداية الأمر لأمور عدة منها فشل السياسيين الذين اعتمدوا عليهم في حزبي السلطة، والإرادة الشعبية الملحة للتغيير، وإصرار حركة مجتمع السلم للعب دور الريادة، والصراعات الداخلية على مستوى السلطة، والوزن الكبير الذي أخذه رئيس الجمهورية في اللعبة كلها. كل هذه العناصر أحدثت إرباكا شديدا في رقعة الشطرنج، وهي ليست محل اهتمامنا هنا سوى حركة مجتمع السلم والصعوبات التي تواجهها.
لقد اقتضت اللعبة أن يتم تيئيس كل القوى الشعبية الراغبة في التغيير حتى تمل الانتخابات وتحقد على المنتخبين جميعهم، وعلى كل الساسة دون تمييز، وفي نفس الوقت يتم خلق طوابير كبيرة من النفعيين والمتنفعين، وبعض الشرفاء الذين يستبد بهم الاعتقاد بأنه لا أمل في تحقيق الطموحات إلا بقبول الأمر الواقع والخضوع للحاكم المتغلب والتعامل مع المتاح دون أي أمل صادق في نفوسهم بإمكانية إصلاح الوضع.
لقد كانت خطة التيئيس تقوم على ركيزتين: ركيزة التزوير المستدام واستحالة التغيير عن طريق الصندوق، وركيزة تشويه السياسة والسياسيين دون تمييز مع إنقاذ منتخبيهم في كل مرة بالتزوير.
أما الركيزة الأولى فقد استحكم أمرها ولم يصبح مواجهة التزوير ممكنة حتى وضعت الأحزاب الشريفة في حيرة من أمرها أمام مناضليها والمواطنين وحين دفعتها مسؤوليتها إلى الإصرار على المشاركة كما هو حال كل التجارب المماثلة في التاريخ لم تتحرك بكل قواها ولم يعبأ أنصارها المستعجلون الراغبون في التغيير الجذري السريع بالمكاسب الجزئية وبمنطق المقاومة السلمية، فلم تصبح تدخل الانتخابات بكل طاقتها، ولم تصبح قاعدتها الشعبية تتحرك للتصويت أصلا لتكرار مخرجات الانتخابات في كل موسم.
أما الركيزة الثانية وهي التشويه المعمم فقد استغربت بشأنه كثيرا حينما وجه أوحيى أول رصاصة ضد النواب في برلمان سنة 1997 بإطلاقه كلمة ” ثلاثين مليون” لأول مرة بالرغم من أن أغلبية النواب نوابه آنذاك. لم يكن ثمة سبب لذلك لأن النواب لم تكن مرتباتهم كذلك في ذلك الوقت وإنما الثلاثون مليون كانت المبلغ الذي يدفع شهريا للفنادق حيث كان النواب يقيمون ولم يكن هؤلاء النواب ذاتهم يعرفون ذلك، وكثير منهم – كحالنا – لم يكونوا راغبين في الإقامة في الفنادق أصلا. ثم بين الزمن بأن تلك الرصاصة الأولى كانت مشروعا متكاملا هدفه أن يحقد الشعب على كل النواب جميعا دون تمييز بين الصالح والطالح، وعلى كل الأحزاب بلا استثناء دون فرق بين معارض وموال. تلقفت الصحافة هذا المشروع، بعضها دون وعي، وبعضها بوعي، وبعضها تحت ابتزاز الإشهار والضرائب والمطابع، و بعضها باختراقها بصحفيين أمنيين ونفعيين هم أقرب إلى فيالق المرتزقة منهم إلى مهنة الصحافة، وبعضهم يتطوع لضرب الإسلاميين لاعتقاده بأنهم حلقة ضعيفة يمكن تقديمها قربانا لنيل الطموح عند الأكابر أو بغرض البراءة من صفة الإسلاميين لمن كانوا كذلك سابقا. غير أنه تماما مثل ما هو حال الأحزاب والسياسة في كل وسيلة إعلامية ثمة صحفيون أحرار وشرفاء ومقاومون وعدول لا يظلمون. ثم جاء الفايسبوك فأصبح فضاء مفضلا لضرب الأحزاب والمنتخبين بالجملة من طرف الفيالق الإلكترونية الأمنية وفيالق أصحاب الثارات والانتقام فكبرت الفقاعة وأثرت على الفضاء الواقعي فأصبح أغلب الغاضبين من الواقع لا يصوتون، حتى أولئك المحبون والمناصرون وجزء لا بأس به من المناضلين أصبحوا لا يصوتون . وفي تلك الأثناء كلها كانت آلة “الزبونية” تشتغل فصنعت تيارات نخبوية وشعبية أصبحت الانتخابات بالنسبة لها فرصة للاسترزاق يتنقلون بين حزب وآخر في كل موسم، وأصبحت الأحزاب الشريفة في حيرة من أمرها لا تجد من الشرفاء من يقبل الدخول في قوائمها إلا القليل، ممن يصر على مقارعة شبكات الفساد في كل مكان. وبعض هؤلاء الذين يرفضون الدخول في المعارك الانتخابية مع الأحزاب الشريفة لا يؤمنون بالانتخابات، وبعضهم يؤثرون السلامة لكي لا ينتقم منهم النظام السياسي، وبعضهم يهددون وبعضهم يلغى ترشيحهم بلا سبب، وبعضهم يرون بأن الرياح ليست في صالح الإسلاميين وكل الأحزاب الشريفة. وهؤلاء كلهم مخطئون لأن الحركة استطاعت مع تيارات شعبية شريفة مقاومة ( من خارجها) أن تقهر التزوير وتحقق النجاح في العديد من البلديات، ولو تعمم هذه الروح المقاومة لأنهينا بعبع التزوير وغيرنا الواقع.
غير أنه في غياب هذا الوعي يجب أن نعترف بأن النظام السياسي نجح في تجنيد من معه ومن ضده لصناعة المشهد الانتخابي الذي يريده.
ولكن هل سينجح أبدا؟ هذا هو السؤال المهم الذي سنجيب عنه بعد تحدثنا في المقال المقبل عن الأسباب الداخلية المعطلة لإنشاء ذلك التيار الشعبي الكبير المشارك في مقاومة التزوير.

د. عبد الرزاق مقري

لماذا لا يحقق “الإسلاميون” النجاح الانتخابي في الجزائر. 

الجزء الأول : http://hmsalgeria.net/ar/6yAJQ

الجزء الثاني : http://hmsalgeria.net/ar/QbDVG

تعليق