يحلّ علينا استحقاق الانتخابات المحلية ليوم: 23 نوفمبر 2017م، ويتجدّد الجدل معه حول الأهمية الجوهرية للديمقراطية، والجدوى من المسار الديمقراطي المتعثّر، وحقيقة نزاهة الانتخابات في الجزائر، وجدلية العلاقة بين الديمقراطية وتحقيق التنمية فيها.

صحيحٌ أنّه لا توجد علاقةٌ حتميةٌ بين “الديمقراطية” و”التنمية”، فهناك نماذجٌ استثنائيةٌ ولظروفٍ تاريخيةٍ ودولية، صدق فيها مبدأ “الحاكم المستبد الصالح”، الذي دعّم تحقيق قصة نجاحِ التنمية – وخاصة الاقتصادية – بدون ديمقراطية، مثل: الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، حيث حقّقت معجزاتٍ اقتصادية وعاشت سنواتٍ ذهبية بأنظمةِ حكمٍ غير ديمقراطية، وهي مقبولةٌ إلى حدٍّ ما، إذ أنّ العبرة لدى الشعوب هي في تحقيق رفاهيتها، بالنمو والتنمية والعدالة والحريات والحقوق.

ومع هذا فإنّ الترجيح القوي هو: العلاقة التلازمية والارتباطية السببية الغالبة بين “الديمقراطية” و”التنمية”، مع أنّ الجدل لا يزال قائمًا في العلاقة التراتبية والإطار الزمني بينهما؟ وأيهما أسبق من الآخر؟ وهل منح الحقوق السياسية والحريات وتجسيد الديمقراطية مرحلةٌ أولى وشرطٌ مسبق لتحقيق التنمية؟ أم العكس؟ أم أنّ المسألة تتجاوز الأولوية، على اعتبار أنّ التنمية في جوهرها نوعٌ من الحرّية الإنسانية بشكلٍ عام.

وهي إحدى الإشكالات المعقّدة في العلاقة بين “السياسة” و”الاقتصاد”، وأيهما له التأثير على الآخر؟ وهل فعلاَ: الديمقراطية هي الحلّ الأمثل لأزمة التنمية في بلادنا العربية؟

فالانتكاسات الكبيرة والإخفاقات الكثيرة في العديد من الدول، تؤكد تلازمية “غياب الديمقراطية” مع الفشل في تحقيق التنمية، مثل: معظم الدول العربية والإسلامية وبعض الدول اللاتينية، التي سُخّرت “مؤسسات الدولة” و”موارد البلاد” لصالح فئةٍ قليلةٍ متنفّذة غير ديمقراطية، لا ترى إلا المال والمصالح الخاصة، عبر تحالفات غير مقدّسة بين “المال” و”السياسة”، على حساب تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة وسيادة القانون وقوة المؤسسات.

فأصبح تحييد “الآليات الديمقراطية” ومنها: الانتخابات عن تأثيرات النخب المالية من رجال الأعمال أمرٌ متعذّرٌ، فالفساد لم يعد مقتصرًا على الأنظمة، بل تعدّاها إلى النّخب، من داخل الأنظمة وخارجها، لتعيد استنساخ العجز والفشل.

كما أنّ الديمقراطية تحوّلت إلى “ديمقراطية الواجهة” في إدارة الصراع بين النّخب الأمنية والسياسية والاقتصادية، أكثر منها تعبيرًا حقيقيًّا عن “إرادة الشّعب”، وهو ما عطّل التنمية الحقيقية.

فالمقاربات المعاصرة تؤكّد أنّ “الديمقراطية” هي النظام السياسي الأمثل لتحقيق التنمية، للعلاقة بين التنمية وبين المعطيات والمؤشرات السياسية، لأنّ نوعية “النظام السياسي” عاملٌ متحكّمٌ في مستوى الأداء الاقتصادي والاجتماعي للدولة، مع أنّ الديمقراطية مقصودةٌ لذاتها، وليست بالضرورة وسيلةٌ لتحقيق التنمية، إذ لا معنى للتنمية مع غياب الحريات والحقوق، فحاجاتُ الإنسان ليست ماديةً فقط في عالَم الأشياء، بل هي قيميةٌ وأخلاقيةٌ بالدرجة الأولى في عالَم الأفكار.

ولذلك تكون دورية الانتخابات عاملٌ مساعدٌ على التزام المنتخبين بالتنافس في خدمة الشعب وتحقيق التنمية لاسترضاء الناخبين، والخوف من العقاب الشعبي الانتخابي في المحطّات القادمة، وللاستمرار في تحقيق الطموحات السياسية العليا والمفتوحة.

فقد كان منصب “رئيس البلدية” جسرًا لعبور الكثير من السياسيين إلى منصب رئيس الجمهورية، بإثبات النجاح في الخدمة الشعبية وتحقيق التنمية المحلية، كما وقع للرئيس الفرنسي “جاك شيراك” وقد كان رئيسًا لبلدية باريس، وتجسّد للرئيس الإيراني “أحمدي نجاد” وقد كان رئيسا لبلدية طهران، وتحقّق للرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” وقد كان  رئيسا لبلدية اسطمبول..

ونتفق أولا بأنه لا تحقيق للتنمية إلا بوجود سلطةٍ تشرف على تجسيدها، ونعلم بأنّ هذه السّلطة لابد أن تتمتّع بشرعيةٍ تسندها، وهو ما جاء في القيم السياسية الإسلامية، ومنها: الشورى، كما قال تعالى عنها كصفةٍ لازمةٍ للمسلمين: “.. وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ.. “(الشورى:38)، وهي تعني في ترجمتها السّياسية المعاصرة: اختيار الشّعب، أي: لا شرعية لأيِّ سلطةٍ دون إرادةٍ شعبيةٍ حقيقية، عن طريق الرّضا في التعاقد بين السّلطة والشّعب، والحرّية في اختيار الحاكم، دون مصادرة هذه الإرادة بالتزوير، أو الانقلاب العسكري، أو التدخّل الأجنبي.

وإذا كانت القيمُ السّياسية الإسلامية تتحدّث عن “الشّورى” في مقام “شرعية السّلطة” و”بناء الدّولة”، والتي تُجسّد في الحياة المعاصرة عن طريق “الديمقراطية”، فإنّ “المشاورة” في قوله تعالى: .. وشاوِرْهم في الأمر..(آل عمران: 159)، تتحدّث عن آلية “صناعة القرار” ومشروعية “أداء السّلطة”، وهي تعني: عدم الاستفراد بالقرار في الشّأن العام، والتمتع بالمشروعية في خدمة الشّعب وتحقيق التنمية.

وهو التجسيد الفعلي لقوله تعالى في آية “الأمراء”: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ..(النّساء:58)، وأنّ من معاني أداء الأمانة: بذل الجُهد في خدمة الشّعب وتحقيق التنمية، وهي تعني – أيضا – أنّ المنصب العام: أمانة، وليس ملكيةً شخصيةً أو عائليةً أو فئويةً أو جهويةً أو حزبية، وأنّ من لوازم ذلك أن يكون الحاكم: أمينًا، سواءٌ في آلية الوصول إلى الحكم، أو أثناء ممارسته للسّلطة، وأنّ التزوير في الآلية لا يشرعِنُ صوابية ممارسة الحكم والمَنِّ بالإنجازات، كما قال صلى الله عليه وسلّم: إنّها أمانة، وإنّها خزيٌّ وندامةٌ يوم القيامة، إلا مَن أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها..“، وإلاّ فهو كمَن يتصدّق بالمال الحرام.

ولقد جاء الترتيب من حيث الاستحقاق وِفق الإبداع القرآني بين هذه الآية، وهي تتحدّث عن واجبات المسؤول أوّلاً، وهي: أداء الأمانة والحكم بالعدل، وبين الآية التي بعدها، والتي تتحدّث عن حقوقه ثانيًا، وهي قوله تعالى عن الالتزام، والانضباط بقوانين الجمهورية، واحترام مؤسسات الدولة، وطاعة “ولي الأمر” في المعروف، في قوله: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم..(النساء:59).

إنّ الذي يصل إلى مواقع المسؤولية، بعيدًا عن الإرادة الشعبية لا يمكنه تحقيق التنمية واسترضاء الشّعب بها، لأنه لا يستمد شرعيته منه كمصدرٍ للسلطة التأسيسية، بل يتكل على التعيين أو التزوير أو المال السياسي الفاسد، وبالتالي فهو غير مدينٍ لهذا الشّعب حتى يخدمه..

وعندها تضيع معايير الحكم الرّاشد، ومنها: الشفافية والمراقبة والمحاسبة وسيادة القانون.

تعليق