إنها فلسطين تستصرخ… تحصي شهداءها.. تداوي جراحها.. تكفكف دموعها.. تنادي: وا إسلاماه …
فلسطين الشهيدة… فلسطين الشاهدة… القضية المركزية … تنادي: يا مسلمين … يا عرب… يا بشر…
أننسى فلسطين فننسى الخليفة عمر –رضي الله عنه؟ أندير ظهرنا لفلسطين فندير ظهرنا لجهاد الصحابة و الصالحين هناك؟ ألا تحركنا ذكريات المغاربة وأوقافهم هناك؟ أنعِقُّ فلا نكون رجع صدى لأذكار و مواعظ وتكبيرات أبي مدين شعيب هناك؟ أنغفل عن نفرة للجزائريين –وقد كانوا تحت نير الاستعمار- دفاعا عن المقدسات هناك؟ أو عن إصرارهم على أن “يقدسوا” في طريق حجهم؟
إن الدين هو قطعا أهم مقوم في هذه القضية، ولذلك كان المربون من أمثال الشيخ الشهيد محمد بوسليماني يقولون: “قضية فلسطين قضية عقيدة و دين “… هي الأرض المقدسة… المباركة… أرض الإسراء و المعراج… أرض الرسالات… أرض استلام الإسلام مشعل قيادة البشرية بتقديم النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- لإمامة الأنبياء… هي المسجد الأقصى… هي أولى القبلتين…
والتاريخ يعضد هذه المنزلة… ولا تزيدها القيم الوطنية والقومية إلا تأكيدا… و لا الإنسانية إلا رسوخا وأهمية.
لطالما كانت محل أطماع صليبين حاقدين وصهاينة معتدين، للتاريخ مزيفين… لكن شوكتهم سرعان ما انكسرت على “أيدي عباد لنا أولي بأس شديد”… ليبقى الوعد الرباني: “وإن عدتم عدنا”… وتبقى البشارة النبوية: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما اصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.
إن الثقة بنصر الله تبارك وتعالى وفرجه لا تلغي مسؤولياتنا تجاه قضية فلسطين، بل على العكس من ذلك فالذي يستشعر أهميتها سيمتطي صهوة العزم، وينفض عنه غبار العجز والتقصير، حتى تكون ذمته بريئة أمام الله عز وجل، وحتى ينصر مقدساته وإخوانه، وحتى يساهم بكل ما يملك في فك أسر المسجد الاقصى المبارك، وإنه إن لم يفعل ذلك ولم يَنْوِهِ فكيف له أن يظن نفسه في عداد المسلمين؟
ثم إن الإجرام الصهيوني قد بلغ مداه، وصار أكبر من أن يوصف بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ودعمه التواطؤ الدولي و العمالة العربية و الصمت المطبق على أكثر من صعيد… فمن للقدس يحميه من التهويد ويسرجه بزيت؟ ومن لدماء المسلمين يذود عنها؟ ومن لليتامى والأرامل يكفلهم؟ ومن للمجاهدين يجهزهم؟
إن لقضية فلسطين أهمية تجعلها فوق كل التوازنات … و هي أولوية لا تقبل التأخير ولا التجزئة… وهي قضية أمة لا تسمح بالمزايدات… و هي مصيرية يحرم فيها التخذيل و التثبيط.. و عار فيها الحياد… بل خيانة و ردة!!
إن الواجب الديني والأخلاقي والوطني والقومي والإنساني، كل ذلك يفرض علينا أن نكون رواد التذكير المستمر بهذه القضية وبيان أهميتها و تداعياتها، والدعوة إلى اجتماع القوى الحية للامة وأحرار العالم على دعمها ونصرتها، وهي الدعوة التي من واجبنا حملها، فضلا عن دعم صريح معنوي ومادي، ودعاء غير منقطع، وتحرك مستمر في مختلف الدوائر والفضاءات: السياسية والفكرية، الرسمية والشعبية، الداخلية والديبلوماسية، الفردية والعائلية والمجتمعية، ونفحات تربوية للأجيال الصاعدة تربطها بقضيتنا المركزية حتى تبقى حية، فلا ننحرها بالسكوت المتواطئ، و لا ننتحر بالقعود والخذلان.
و لقد دأب سادتنا العلماء و الدعاة على ذلك، من أمثال الشيخ محفوظ نحناح –رحمه الله- الذي ما انفك مناضلا ومذكرا وحاشدا وداعما، كما تظافرت بذلك شهادات الموثوقين وكما عاينّاه باستمرار؛ ومما كتبه في سلسلة “مع نحو الهدف”:
“إن أهم القضايا القديمة والحديثة التي استأثرت باهتمام العاملين في الحقل الإسلامي والملاحظين والمراقبين من كل الاجناس، ومن مختلف المعسكرات المتصارعة هي قضية فلسطين التي يعتبرها بنو الإنسان الأحرار قضية مركزية بسبب الغبن الذي سلط عليها وبسبب الخذلان الذي أحاط بها من بعض بنيها ومن بعض بني يعرب الطوق الرسمي لجغرافية فلسطين الشاهدة على الصمود أو الخمود. وهذا الموقع الجيوسياسي والتاريخي الذي تحتله هذه القضية أصبحت به رمزا لموانح الانتماء أو موانعه، وبقدر الالتفاف حولها والتشبث بأهدافها يكون الانتماء، وبقدر السكوت أو الإعراض أو العمل على إجهاض مشروعها تكون الموانع “وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم”
واستدل –رحمه الله بكلمتين بليغتين ونصيحتين ذهبيتين لعالمين جليلين،
أولاهما للشيخ عبد الحميد بن باديس –رحمه الله-:
“كل مسلم مسؤول أعظم المسؤولية عند الله تعالى على كل مل يرى هناك من أرواح تزهق، وصغار تيتم، ونساء ترمل، وأموال تهلك، وديار تخرب، وحرمات تنتهك، كما لو كان ذلك كله واقعا بمكة والمدينة”
و ثانيتهما للشيخ البشير الإبراهيمي –رحمه الله-:
“إن فلسطين وديعة محمد عندنا، و أمانة عمر في ذمتنا، و عهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا و نحن عصبة إنا إذا لخاسرون”,
نعوذ بالله من الخسران و الخذلان… و نسأله سبحانه أن يقوي ظهورنا و يكون لنا عونا على أداء واجباتنا و النهوض بمسؤولياتنا.

ابن عمر مخلوف
عضو المكتب الوطني لحركة مجتمع السلم
مكلف بحقوق الإنسان والقضايا العادلة

تعليق