من أعظم الحقائق التي تم الاعتداء عليها بنجاح الثورات العربية السلمية التي انطلقت من تونس في جانفي 2011.
كانت تلك الثورات تلقائية سلمية بدأت في تونس رحل على إثرها زين العابدين في 14جانفي ثم انتقلت إلى مصر والعديد من الدول العربية. حملت تلك الثورات آمالا عريضة بالحرية والكرامة والعدالة والتنمية. ظهر العالم العربي في تلك الأيام بمظهر التحضر والتمدن، وتمكن المواطنون من نيل سيادتهم واختيار من يحكمهم بكل حرية في انتخابات حرة ونزيهة وتراجع الإرهاب وأربك رموزه وانكسر صانعوه. وكان يمكن لتلك الثورات أن تتحول تدريجيا إلى مسار تنافسي يصنع النهضة والحضارة. ولكن للأسف الشديد قامت قوى إقليمية ودولية بالانقلاب على تلك الثورات والأقبح من ذلك قامت بتشويهها حتى صارت كلمة ” الربيع العربي” التي أطلقت على تلك الثورات السلمية كلمة سيئة يهابها الكثير من الناس، والأسوء والأفضع أن تلك الانقلابات على إرادة الشعوب صنعت فتنا عظيمة أريد إلصاقها بالثورات السلمية العربية وهي منها براء، بل هي ضحيتها.
تتحمل السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى وإيران وأمريكا وأوروبا وروسيا مسؤولية هذه الانقلابات وهذه الفتن حسب الدول التي وقعت فيها. هذه الدول هي التي باشرت الانقلابات بدعم مباشر للأنظمة الفاسدة وبدفع الثورات السلمية إلى الاحتراب المسلح والحروب الأهلية.
إن تذكرنا لهذه المناسبة يدفعنا إلى تسجيل ثلاث دروس مهمة:
1 – مهما كانت مسارات الانحراف التي أصابت الثورات العربية فقد حققت إنجازا عظيما لا يمكن الانقلاب عليه وهو اتساع وعي الشعوب العربية والإصرار على المطالبة بالحرية وأن لا حل للأزمات والتخلف والفشل في تحقيق التنمية سوى الحريات والاختيار الشفاف والنزيه، ويعتبر التمسك بالحرية هو ما سيصلح الأوضاع ولو بعد حين. فما يحدث في العالم العربي من مشاكل كبيرة حدث في ثورات شعبية مشابهة في العالم كفرنسا وبريطانيا وأمريكا وأوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية، وبعض هذه الدول لم تتحقق فيها الديموقراطية إلا بعد قرابة 80 سنة من الصراع كفرنسا، و قرابة 40 سنة كبريطانيا.
2 – الأفضل للدول، لشعوبها وحكامها، أن لا تقع ثورات أصلا وأن يتم حل المشاكل القائمة والمتوقعة بالتوافق والتعاون وإدارة التغيير بطريقة تشاركية حقيقية لا صورية. والذي يجب أن يفهم هذا الدرس هم الحكام بالدرجة الأولى، لأنهم هم عادة من يرفض التوافق حتى يقع الفأس في الرأس لا قدر الله.
3- يجب على الأحزاب المعارضة (خصوصا الإسلاميين كقوى حقيقية أولى في الشارع العربي اليوم وغدا مهما لعب التزوير ودسائس الإعلام الموجه بهذه الحقيقة)، أن يستفيدوا من الدروس التي وقع فيها الثوار السلميون بالانتقال السريع إلى التنافس على السلطة أو الحرص على تقاسمها على حساب مكتسبات الثورة، بدل ذهنية التوافق التي وحدها تصلح للمراحل التوافقية، قبل الثورة أو بدونها أو أثناءها أو بعدها. وأن مسألة التقارب بين مختلف القوى السياسية المعارضة في كل الظروف والبحث عن المساحات المشتركة وعدم مزايدة بعضهم على بعض والاتفاق على السقوف الممكنة والاقتراب الدائم بالمواطنين شروط أساسية لإدارة التغيير وتحقيقه بأقل التكاليف.
عبد الرزاق مقري.

تعليق