كان المرحومان الأستاذ عبد الحميد مهري والشيخ محفوظ نحناح بحرين كبيرين لا يحسن الغوص في أعماقهما سوى من كان على خصائصهما المبدئية والنفسية والأخلاقية. لا يدرك صدفاتهما النفيسة ولا ينعم بجواهرهما في مجالات الفكر والسياسة إلا من حدد موقفه منهما على أساس ما كانا يعيشان من أجله: الجزائر ومصلحة الجزائر. أما أؤلئك الذين يحددون موقفهم منهما باعتبار الحسابات المصلحية، ويقررون الدفاع عن الواحد منهما، أو الاعتداء عليهما، أو السكوت أو تفسير تاريخ ونهج أي منهما على أساس الأحقاد والانتقام والتنافس غير الشريف أو محاولة صناعة البطولات المغشوشة أوغصب جزء من التاريخ أو تقديم الخدمات للغالب على حساب الحقيقة التي صنعها الرجال بتضحياتهم وصبرهم وتحملهم المصاعب والويلات، فهؤلاء كلهم صغار لا يحسنون الاقتراب من شطآن بحورهما بله الغوص في الأعماق. لقد ترك أولئك البطلان الدنيا وتركاها للمتكالبين عليها ولم يأخذا معهما سوى عملهما وتركا للأجيال آثارا كبيرة في الأخلاق والرجولة والمروءة والقدوة والمصداقية والوطنية الصادقة.
تعرفت على الأستاذ مهري بشكل مباشر في جولات الحوار مع السيد الأمين زروال قبل الندوة الوطنية ثم اشتغلت معه عن قرب في مؤسسة القدس. كان رحمه الله مرفوقا دائما بالسيد بوعلام بن حمودة في جولات الحوار ضمن الوفد الممثل لجبهة التحرير الوطني، وكنت مع الشيخ محفوظ نحناح صحبة د. عبد القادر صماري والشيخ عبد الهادي السايح نمثل الحركة، فرأيت تلك العلاقة المتميزة بين الجبلين مهري ونحناح، ومقدار المودة والاحترام الذي كان بينهما، وحجم البراعة وجمال اللطائف في نقاش أحدهما الآخر. وعلى عكس ما يعتقد الكثير ، لم يكن مهري هو المتصلب في اللفظ مع اليمين زروال، رغم عمق الطرح وصلابة الموقف، كان بن حمودة هو المتشدد في مواجهة زروال ورفض أطروحات السلطة، أذكر جيدا كيف كان بن حمودة يصعب الموقف على زروال حين أراد هذا الأخير إشراك عباسي مدني وعلي بلحاج في الحوار، حيث كان يصرح بصوت محرج في تلك القاعات والأروقة الرسمية العامرة بالهدوء والسكون. لقد كان بن حمودة يتحدث بصوت مرتفع في وجه زروال، يقول له كيف تريدون أن تتحاوروا مع أشخاص مسجونين مسلوبي الإرادة. لقد كان مهري يحمل نفس الفكرة ولكنه لم يكن متشددا ولا عصبيا في طرحه وعرضه، ولذلك استغربت كثيرا كيف انقلب بن حمودة على مهري وجاء بدله في الأمانة العامة لجبهة التحرير في ظل المؤامرة التي كان ضحيتها حكيم هذه الجبهة رحمه الله. ولعل من الأسماء التي صدمت مهري حين رآها في لائحة الإطاحة به اسم خليفته الذي كان أكثر تشددا منه في الموقف مع زروال بشهادة أدلي بها اليوم إحقاقا للحق، والغريب في الأمر أن سي بن حمودة، الذي أكن كل التقدير والاحترام لمكانته وخدمته للغة العربية ، هو نفسه الذي قاد الجبهة للعودة لمشروع المسار الانتخابي الذي حرمت منه الجبهة الإسلامية للإنقاذ بسبب التشدد في الحوار مع زروال، وكان البعض يريدون حرماننا منه نحن كذلك لو لا تبصررنا وخبرتنا وتوفيق الله لنا. وقد تكفل سي بوعلام نفسه بالإشراف على إرجاع الجبهة لبيت الطاعة، وكان هو ذاته الذي أحبط المقاومة السياسية التي أطلقناها في المجلس الشعبي الوطني نحن وكتلة جبهة التحرير رفضا لبرنامج أويحيى إذ كان له الدور الأساسي في ثني النواب عن موقفهم وجر الجميع إلى التصويت على البرنامج رغم تحدي أوحيى لنا جميعا بأنه لن يعدل أي فاصلة منه. وتحت إمرته تم إخفاء مشروع لجنة التحقيق في الانتخابات المحلية سنة 1997 بعد أن تم التصويت عليه في اللجنة، ومن ذلك الحين بدأت الجبهة تتجه نحو المسار الذي هي عليه الآن. لا أظن أن حزبا خذل زعيما بحجم مهري كما فعلت جبهة التحرير مع زعيمها. لو ننظر للنهج السياسي الذي سار عليه سي عبد الحميد مهري منذ انقلاب سنة 1992 إلى غاية سانت إيجيديو ثم الانقلاب عليه هو ذاته، من زاوية النظر المشهورة على التيار الممسك بتلابيب جبهة التحرير لجرها لتكون جهازا في يد السلطة لقلنا بأن جبهة التحرير خذلت الدولة ولم تقف معها في وقت المحنة، بل كانت صفا واحدا مع خصومها الأكثر تشددا ممن اتهموا (بحق أو بغير حق) بتبني عمليات إرهابية آنذاك، بل كانت الجبهة من عرابي التدخل الأجنبي والضغط على الجزائر بقوى أجنبية وربما التخابر معها، كما نسمع اليوم عبر الأبواق الناعقة بهذه الاتهامات لكل معارض لم يفعل شيئا أمام ما كانت عليه جبهة التحرير في ذلك الوقت. وعليه لا يصح أن يزايد علينا اليوم الانتهازيون والمتزلفون الذين يتحدثون باسم أحزاب السلطة المنبثقة كلها أو جلها عن جبهة التحرير بخصوص ” الوطنية” والدفاع عن الدولة والجزائر. وليس صحيحا أن مهري كان يعمل ذلك بمفرده بعيدا عن اللجنة المركزية والمكتب السياسي، فالشهود الذي أكدوا أن ذلك الموقف كان هو موقف جبهة التحرير كلها كثيرون وأغلبهم لا يزال حيا. وإنما الذي حدث أن هزة الانتخابات الرئاسية سنة 1995 والمشاركة المكثفة غير المتوقعة للجزائريين والنجاح المفاجئ الذي حققه الشيخ محفوظ نحناح أبطل الوهم وبين من الصادق في معارضة النظام لبناء مسار ديموقراطي حقيقي ولو بالتضحيات كما هو حال المرحوم مهري وكما سأبين لاحقا، ومن كان يبتز النظام السياسي ضمن لعبة مصلحية من داخله. حينما رأينا في الحركة استحكام خطة استعمال جبهة الانقاذ لإبعادها عن الساحة واستعمالها لتصفية الحسابات داخل منظومة الحكم، وإفشال إرادة زروال والتيار الوطني الثوابتي للحوار بصدق ومعقولية توجهنا إلى السيدين علي جدي وبوخمخم (بعد خروجها من السجن ليساعدوا في هذا المسار) وحاولنا أن نشرح لهما بأن جبهة الإنقاذ مستهدفة من طرف من يظهرون معارضة السلطة للضغط بها من جهة وإبعادها عن الساحة عن الساحة من جهة أخرى. كان رأينا واضحا لهما بأن شروط زروال معقولة جدا وتتيح الفرصة للإنقاذ للعودة للحقوق السياسية، وهي التنديد بالإرهاب والعودة للعمل السياسي القانوني بحزب لا يحمل إسم جبهة الإنقاذ. حاولت صحبة دكتور صماري والمرحوم لحسن بن سعد الله، أعضاء الوفد، أن نقنعهما بضرورة البراءة من الإرهاب لمصلحتهم ولمصلحة المشروع الإسلامي ولمصلحة الوطن، وأن تغيير إسم الحزب ليس بدعة في السياسة فقد فعلت ذلك الحركة الوطنية لتجاوز إكراهات الإدارة الاستعمارية، وفعل ذلك الأستاذ نجم الدين أربكان لتخطي التحديات القانونية والسياسية الظالمة للمؤسسة العسكرية التركية ولكننا لم نفلح. غير أن الأمر اتضح جليا بعد فوات الأوان وعلم من الناصح الأمين ومن كان على غير ذلك، وقد سمعت بنفسي بعض الزعماء الأساسيين لجبهة الإنقاذ يندمون على تفويت فرصة الوجود القانوني، أي يندمون على أنهم لم يستمعوا لنا وسمعوا من كان يضغط عليهم لكي لا يحاوروا، أولئك الذين رجعوا لبيت الطاعة والعمل المؤسسي عموما، بعد أن حققوا هدفهم فأخرجوا الإنقاذيين من اللعبة وبعد أن أصبح الذي يهدد مخططاتهم حزب إسلامي آخر أذكى منهم بعد فشل مشروع سانت إيجيديو….. يتبع.
*التراجيديا عند أرسطو هي شكل من أشكال الدراما تتسم بسمات الجدية والشهامة لشخص عظيم يمر بظروف تعيسة.

د. عبد الرزاق مقري

تعليق