إن المشهد الذي قرر فيه الأستاذ مهري تنحية نفسه قبل أن يجهز عليه وتطلق عليه رصاصة الرحمة مشهدا تراجيديا حقيقة. لقد علم بأنه يقود حزبا سياسيا لا تسيره مؤسساته، وأن ثمة انقلابا رتب له خارج دوائر التداول الحزبي، وأن النهج الذي اختاره لجبهة التحرير ضمن تلك الدوائر لم يعد قابلا للاستمرار، وأن أسماء مهمة كان أصحابها سندا كبيرا له، كان يظن أنهم أولياؤه برزت ضمن قائمة المطالبين برأسه في لائحة التنحية. عرفت الأستاذ مهري أثناء عملنا معا في مؤسسة القدس، فرأيت حكمته، وثقافته، وأدبه، وصدقه، وتجرده. ولكن في نفس الوقت رأيت خصلة فيه لم ترقني، لم تكن في الشيخ نحناح كما سنرى لاحقا، وكان كثير ممن يعرفه يؤكدها في مساره في زمن الحركة الوطنية، وحين تم تهميشه في فترة بومدين، إذ كان رجلا لا يحب المواجهة حين يكون وحده، ولا يمتلك قوة الإصرار حين لا تواتي رأيه الظروف. لقد كان مهري رجل التوافقات، يحاول أن يقنع بحجية عالية المستوى، ولا يبيع موقفه مهما كانت الظروف، ولكن ينسحب من المشهد بسهولة حين لا يكون في فريقه من يحمل رأيه. رأيته لا يوافق عديد الأشياء في مؤسسة القدس، وفي الملف الفلسطيني عموما، على المستوى الدولي، ولكن لا يصر على تغييرها، ورأيته كذلك يوافقنا في بعض الأمور الأساسية في تسيير فرع المؤسسة بالجزائر ولكن شخص واحد يصر على رأيه الخاطئ في اجتماع، هو من يسيره، يتركه يفعل ما يشاء. هذه الشخصية هي التي تؤكد بأنه يستحيل أن يكون قد فرض رأيه في موضوع سانت إيجيديو، داخل جبهة التحرير، كما يحاول البعض ترويجه. كما أن تلك الشخصية التوافقية هي التي جعلته ينسحب حين رأى التحول الذي وقع من حوله، مع أنه كان بالإمكان أن يكسب المعركة ولو نسبيا، وينقل المشكلة إلى الفريق المتآمر عليه. ولكنه فضل الانسحاب، وذلك في رأيي موقف خاطئ، يدل على ذلك حال جبهة التحرير اليوم، وحال التيار الثوابتي، وحال البلد كله. لقد ترك الانتهازيين يفعلون ما يشاؤون، وكان قادرا على مواجهتهم بالصبر والإصرار، فكبرت كرة ثلجهم، فهي مستعصية اليوم على التغيير. ولا أقصد بالانتهازيين الذين كانوا يعارضونه منذ البداية وهم أقلية، ولكن قصدت الذين كانوا معه وحين تغير اتجاه الريح غادروه وخذلوه. لقد تغير اتجاه الريح فعلا تحت صدمة نجاح الانتخابات الرئاسية سنة 1995، فثمة من كان له هم شخصي أراد ترك سفينة المعارضة لأن الشعب لم يسند مشروعها بخروجه للانتخابات فلا داعي للمقاومة، وثمة من كان له هم حزبي فأراد إرجاع جبهة التحرير للسلطة لأن السلطة أمسكت بزمام المبادرة، وهناك من كان له هم سلطوي اتجه نظره للأبعد مدى فرأى بأن الخطر الجديد على السلطة هو ذلك الرجل الذي جاء ينقذ الدولة، هو ذلك الإسلامي الآخر الذي يتطلب الأمر جمعا للصفوف لتفويت الفرصة عليه. رأى هؤلاء بأن دخول نحناح الانتخابات التشريعية الموالية في تلك الظروف معناه أخذ الأغلبية في البرلمان في عدم وجود أي حزب ينافسه، يمكن التزوير له في غياب جبهة التحرير غير المعترفة بمسار الانتخابات الجديد تحت قيادة مهري، أما إذا ترشح للانتخابات الرئاسية من جديد فإن الأمر أدهى على زعماء التيار العلماني ( بل الاستئصالي) الذين ظنوا بأنهم تخلصوا من الإسلاميين إلى الأبد، فإذا الذي اعتمدوا عليه في إعطاء المصداقية لمواجهة الفيس أخذ المصداقية إليه وإلى مشروعه الإسلامي الوطني، و ها هو اليوم على مشارف الحكم. لا يوجد ضمن هذه المجموعات صاحبة القرار والنفوذ من كان همه الأول الدولة، كان الهم الأكبر هو السلطة والهيمنة على الساحة . وخلافا لهذا سيبقى التاريخ يتحدث عن الشيخ محفوظ نحناح والأستاذ عبد الحميد مهري بأن همهما الأكبر كان هو الدولة، وبقاؤها واستقرارها ليبقى الوطن … كل من زاوية نظره، في خطئهما وصوابهما … وفي كل القصة التراجيدية التي تتعلق بهما.
لم يكن الأستاذ عبد الحميد مهري ينظر إلى مشروع سانت إيجيديو على أنه انفعال سياسي للانتقام ولا للضغط على النظام السياسي لمكاسب آنية مصلحية. كان عبد الحميد مهري ينطلق من تجربة طويلة في الحركة الوطنية وفي الثورة التحريرية وفي الحزب الواحد بعد الاستقلال. كانت شخصيته التوافقية في كل هذا المسار النضالي هي التي تملي عليه سياساته ومواقفه. كان يعلم أن سبب أزمات الحركة الوطنية وصراع الأشقاء أثناء الثورة والأخطاء التي ارتكبت فيها رغم نجاح هدف التحرير، وفشل جبهة التحرير في البناء ونهضة الوطن، هو دائما سياسة الأمر الواقع ونزعة الصراع وإلغاء الآخر وحرب العصب والأجنحة والجهوية والعشائرية.
لم يكن في هذا شيء يخدش وطنية من حضروا وحضروا لهذا اللقاء، ومن يرفع عقيرته ليتهم بن بلة ومهري وآية أحمد في الوطنية فهو ينذر بقيام الساعة وطلوع الشمس من المغرب. كما أن كل من يستعمل موقف الشيخ محفوظ في الهجوم على عقد روما في سانت إيجيديو يضع نفسه في موقع الصغير الذي لا يدرك أغوار بحر النحناح. لو كان ذلك السبب لما حضر رحمه الله في اللقاء ولما دخل الاجتماع الذي أشرفت عليه منظمة سانت إيجيديو الكاثوليكية، لو امتنع عنه في الثاني لهذا السبب لامتنع في الأول، فما حرم في الثاني محرم في الأول بداهة.
لقد كان مشروع عقد روما مشروعا تاريخيا، اجتمعت فيه الطبقة السياسية الأقوى انتخابيا في ذلك الوقت رغم اختلافاتها الأيديولوجية والسياسية كما لم تفعل من قبل. غير أن عيبه أنه كان عاجزا على حل المشكلة في غياب الطرف الآخر في الأزمة، وهو النظام السياسي. والطموحات التي تعلقت به تشبه الطموحات التي تعلقت بتنسيقية الحريات والانتقال الديموقراطي بغير حق وبغير إرادة من أسسوا التنسيقية. كان يمكن اعتبار عقد روما في سانت إيجيديو مرحلة من مراحل النضال وأداة للضغط على السلطة لتعديل موازين القوة بهدف التفاوض والتوافق في الأخير لا القطيعة، تماما مثلما كان رأينا في هيئة التشاور والمتابعة، ثم تليها مشاريع أخرى تلو المشاريع حتى يتحقق الهدف. أما من اعتبر سانت إيجيديو فرصة لحل المشكلة بالشكل الذي بدت به النقاشات وبخطاب بعض من كانوا فيه فهو رفع لسقف سياسي لا يمكن إدراكه يتسبب في خيبات أمل الجماهير والإحباط والتوقف عن الفعل إذ مآل التقوقع في لحظات تاريخية مضت وتصلب الرأي هو دعم للظالم الأقوى لكي يسحق الجميع.
لم أتصور يوما بأن مهري كان يريد أن يغلب النظام السياسي بعقد روما في سانت إيجيديو، لقد شرح رأيه في الموضوع مرات عديدة ولم نر بعدا لرأيه عن رأينا، أو تباعدا في المقصد بينه وبين الشيخ محفوظ. وعلاوة على ذلك كان مهري يحاول أن يحول جبهة التحرير إلى حزب حقيقي يساهم في بناء الديموقراطية وتحقيق التوافقات الوطنية التي تحمي الدولة في زمن الأزمات وتبنيها بناء يؤهلها للدوام وتحقيق أهدافها في خدمة التنمية وكرامة الإنسان، وكان على استعداد أن يمر حزبه العتيد بفترة يكون فيها في المعارضة، فذلك أفضل له وأفضل للبلد لو تدبر في رأيه المتدبرون. لم يكن يخيفه التداول كما هو حال الزعماء الكبار ، لم يخفه أن تكون الأغلبية في البرلمان إسلامية أو علمانية، او من اليسار أو من اليمين، أو أن يكون الشيخ محفوظ نحناح أو أي حزائري من غير جبهة التحرير هو رئيس الجمهورية. لو نجحت خطة مهري، لكان البلد أفضل حال، ولكانت جبهة التحرير أفضل حال، بالنظر لرصيدها ومخزون المنظومة القيمية والقيادية فيها قبل أن تتحول إلى ما هي عليه اليوم. غير أن غيره – داخل جبهة التحرير ومن استعملها – لم يكن يرى ذلك من هذه الزاوية. لا يمكن أن نعمم فنجعل الجميع صغارا، كان فعلا ثمة صغار غيروا الوجهة لأسباب شخصية بحتة حين رأوا أن اتجاه الريح قد تغير، وتنكروا لمهري بعد أن كانوا شركاءه في مشروع سانت إيجيديوا، ولكن ثمة من كانت لهم أنفسا أكبر فكان يهمهم الحزب قبل أنفسهم، مثل ذلك مجاهد من قادة جبهة التحرير تعرفت عليه عن قرب في المجلس الشعبي الوطني فرأيت فيه الشهامة والاعتزاز بالثوابت وأدركت دوره الكبير في خدمة اللغة العربية والدفاع عن الهوية. سأبقى أمدح هذا الرجل وأمثاله طول الزمن وتلك خلة من الوفاء، ولكن مهما مدحت هذا الصنف من قادة جبهة التحرير يبقى عيبهم الأكبر أنهم أوحاديون في الفكر، وغير ديموقراطييين في السياسة. صرح لي صاحبي هذا بوضوح بأنه لم يتجه إلى المؤامرة على مهري لأن الرجل سيء، فلا يوجد حسبه في جبهة التحرير من هو في مستوى مهري، وأكد بأنه عمل على الإطاحة بمهري لأن سي عبد الحميد أراد أن يخرج جبهة التحرير من السلطة ولا يمكن لجبهة التحرير – حسبه – أن تكون خارج السلطة. بل قال لي ذات يوم ما دمنا نحن المجاهدين على قيد الحياة لا يجب أن تطمعوا في السلطة. رغم احترامي الكبير لهذا المجاهد تبقى الحجة التي تسقط فكره اللاديمقراطي أن تمسكهم الشديد بالسلطة لم يصنع النهضة في البلد ولم يستكمل أهداف بيان أول نوفمبر ولم يجعل الجزائر بلدا متطورا مزدهرا آمنا من المخاطر الداخلية والخارجية التي يتعاظم تهديدها كل يوم، مع تقديرنا واحترامنا لكل ما بذل دون هذا. وفي كل الأحوال هذا الصنف الثاني ممن انقلب على مهري هم حلفاؤه وحلفاؤنا في الدفاع عن الهوية والثوابت والانتماء الحضاري للجزائر، وهم رغم كل شيء أفضل من الصنف العلوي الذي دبر المكيدة للأستاذ عبد الحميد من أولها إلى آخرها. وأعني بهؤلاء التيار التي تحكم في السلطة وسيطر على الحكم في ظل مكافحة الإرهاب واستعمل الجميع لفرض منظومة حكم لا هي ديموقراطية ولا راشدة ولا قادرة على تحقيق التنمية والتطور والازدهار، لا يهمهم مهري ولا الشيخ محفوظ ولا غيرهما، ولا تهمهم جبهة التحرير ولا حركة مجتمع السلم ولا أي حزب من الأحزاب. إنه النظام الذي أسس التجمع الوطني الديموقراطي ليكون أداة أخرى يبتز بها جبهة التحرير التي لا يأمنها رغم دخولها في الصف، ويحد بها من طموح الشيخ نحناح مهما كانت التضحيات الكبيرة التي قدمها. هؤلاء هم الذين كانوا وراء التهديد باقتحام مقرات جبهة التحرير إذا بقي على رأسها الأستاذ مهري، وهؤلاء هم الذين كانوا يهددون ويبتزون ويغرون أعضاء اللجنة المركزية ليغيروا ولاءهم، وهؤلاء هم الذين زوروا علينا الانتخابات من سنة 1995 إلى يومنا، وهؤلاء هم الذين غيروا الدستور سنة 1996 لكي لا يترشح الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله مرة أخرى، وهؤلاء هم سبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي نعيشها، وهؤلاء هم سبب انغلاق الأفق المستقبلي. والأمر لا يتعلق هنا بأشخاص بعينهم، رغم إدانتنا الشديدة لكل ما صنعوه، في كل مرحلة، وإنما الأمر يتعلق بالنظام الذي يصنع الأشخاص والأحداث والعقليات والذهنيات، فيكرر الفشل تلو الفشل. وما أولئك الصغار الذين يريدون طمس معالم شخصيات كبيرة ذات الأبحر عميقة كالشيخ محفوظ نحناح وسي عبد الحميد مهري إلا منتوج رديئ من الدرجة الثالثة لهذا النظام السياسي، هذا النظام الذي نسأل الله له الهداية والرشد حتى لا يغرقنا معه لا قدر الله.

…. يتبع ….
د. عبد الرزاق مقري

تعليق