” يجب أن نكون واعين بأن النار في المسكن”، “نحن نتجه مباشرة إلى الحائط!”، “لو يبقى الحال كما هو عليه سنعجز في خلال سنتين أو ثلاث سنوات عن استيراد أي شيء بما فيها الحبوب”. هذه العبارات عن الاقتصاد الوطني ليست لحزب معارض أو لشخصية مناوئة، هي تصريحات وزير التجارة السيد محمد بن مرادي للهيئة الإعلامية الرسمية: وكالة الأنباء الجزائرية.
في الوقت الذي يهتم فيه العديد في الساحة السياسية بالانتخابات الرئاسية ومن يكون رئيسا للجمهورية، يتجه اهتمامنا نحن، في حركة مجتمع السلم، إلى هذه الآفاق الخطيرة. وبدل أن نهتم بمن يكون رئيسا، ومن نصارع، ومن نحالف، وكيف ننافس، ومن ننافس يتركز اهتمامنا في البحث عن السبل لإنقاذ البلد وفتح الآفاق المستقبلية الواعدة. وعوضا عن البحث في من سيحكم البلد يسيطر على تفكيرنا كيف سيحكم البلد.
يصرح وزير التجارة بهذه التصريحات الصريحة الصادقة رغم الارتفاع النسبي لأسعار البترول، لأنه يعرف ما لا يعرفه بعض بسطاء العلم والفكر المتمسكين بتلابيب السلطة الحاكمة، ولو بالوهم، خوفا من أن يؤدي سقوطها إلى سقوطهم، أو سقوط أحلامهم. يعلم وزير التجارة أن مشكل الجزائر أعمق بكثير من أن ينقذه سعر برميل ب 70 دولارا أو حتى ب100 دولار، وأن ذوبان احتياطي الصرف حقيقة حتمية في حدود سنتين إلى ثلاث سنوات. هو يعلم بأن لمشكل الأزمة البترولية في الجزائر ثلاثة أبعاد، كل واحد منه أخطر من أخيه، ثمة أولا مشكل الأسعار حيث لا يتحقق توازن ميزانية الدولة بأقل من 120 دولارا وهو احتمال غير وارد عند أكثر المحلليل الاقتصاديين تفاؤلا، ورغم موجة البرد التاريخية في العديد من الدول وخصوصا الأوربية لم يرفتع ضغط الطلب السعر إلى 75 دولارا إلى الآن، وما هو أخطر من هذا بالنسبة للجزائر ثانية هو تراجع الإنتاج حيث تدل الدراسات المتعددة أن الذروة البترولية في الجزائر كانت في 2006، وأن الاكتشافات الجديدة كلها قليلة الحصيلة بعيدة كل البعد عن أحجام آبار “العجوزين” حاسي مسعود وحاسي الرمل. وما هو أخطر من هذا، ثالثا، أننا اليوم نستهلك قرابة نصف ما ننتج من الغاز، ومن هنا إلى 2025 يصعب علينا أن نصدر شيئا من البترول، وفي 2030 يعسر حقا أن نصدر شيئا من الغاز، لأننا ببساطة سنستهلك في تلك الآفاق ما ننتجه. وحتى وإن تمكنت الجزائر من إنتاج الغاز الصخري فستكون أسعاره في السوق العالمية رخيصة لوفرته في العديد من الدول، وذلك دون الحديث عن الأخطار البيئية ومعضلات المردودية، وحتى وإن تفاءلنا كثيرا في الاستفادة من هذا ” الكنز” الذي يعول عليه العجزة والكسالى فسيكون بعد فجوة من الزمن خطيرة نكون فيها بلا مداخيل وتحت ضغوط اجتماعية قد تكون حاسمة في انقلاب الأوضاع.
يؤكد وزير التجارة بأن البلد حين ينتج أربع مواد اقتصادية يستورد مائة، وهو في هذا السياق يحاول أن يقنع المستوردين بأهمية قرارات إنقاص حجم الاستيراد (للمحافظة على احتياطي الصرف) ، والتوجه نحو الإنتاج ، وحين نجمع هاذين المعطيين: عدم الإنتاج وخفض الاستيراد يعود بنا العقل إلى التفكير في مخاطر التمويل غير التقليدي ( الإصدار النقدي أو طبع النقود دون رصيد من الذهب مكافئ ولا إنتاج) لنوضح بأن تلك النقود التي تدفع للمؤسسات ولأجور العمال ستزيد من الطلب على بضائع غير موجودة أو قليلة، لا بالإنتاج ولا بالاستيراد، مما يجعل الأسعار ترتفع إلى أن تصبح معدلات التضخم مؤشرات لتوترات اجتماعية خطيرة.
لست أدري هل المتصارعون على السلطة، والواهمون والحاقدون على بعضهم البعض، ومتخصصو الانتقام والصراعات لهم الاستعداد للتمعن في هذه الحقائق التي يؤكدها الخبراء والساسة المهتمون من كل الاتجاهات أم لا؟ لقد أدينا من جهتنا الذي علينا وتحدثنا مثل غيرنا عن هذا منذ سنوات وجمعنا كل الحديث بهذا الخصوص وفصلناه في بحث من 50 صفحة نشر في عدة مواقع قبل قرابة شهرين تحت عنوان الانتقال الطاقوي، وها نحن مرة أخرى نعود للحديث عن هذا بعد أن بدأت الأصوات تتعالى بشأن الانتخابات الرئاسية سنة 2019.
أي انتخابات رئاسية نتحدث عنها والآفاق هي كما هي لم يتغير منها شيء كما ذكر وزير التجارة في ما سقناه أعلاه؟ أي عهدة خامسة يريدها السيد رئيس الجمهورية إذا كان يريد ذلك؟ وأي جزائر سيحكمها؟ وبأي مال سيشتري به الزبناء السياسيين و”المصلحجيين”؟ وكيف يسكت الجبهات الاجتماعية الملتهبة المتصاعدة؟ وهل له ولهم الاستعداد للدخول في مغامرة القمع وتحمل نتائجها؟ لا أظن أن الرئيس أو من حوله يجهلون ما ينتظرهم ما بعد 2019 لو أرادوا الاستمرار في الحكم. وحتى وإن كان الرئيس ذكيا، وكان من حوله أذكياء وكان جميعهم دهاة مكرة فغادروا السفينة قبل أن يتجلى للخاص والعام عوارها وربما غرقها، فماذا يستطيع أن يفعل من يخلفه ممن يعينه أصحاب النفوذ والقرار في مشهد ديموقراطي مغشوش كما هي العادة، لن تكون له من ميزة بقوته ووفرة صحته إلا أنه سيكون أقدر على القمع من الرئيس المريض فيزيد الطينة بلة والخرق اتساعا. وحتى وإن سلمنا بأن المعارضة ستتفق على مرشح واحد: أي فرصة ستكون لينجح في الانتخابات، إن كان الهدف هو النجاح، في ظل تزوير انتخابي سيكون هو سيد الموقف في موعد انتخابي ستكون فيه السلطة لا تزال هي الأقوى بكثير في ميزان القوة؟ وحتى وإن استبد بنا الحلم فقلنا بأن الرئيس المقبل سيكون راشدا ذو كفاءة، سواء كان من خزانة السلطة، أو من خزانة المعارضة، كيف له أن يسير بلدا ستكون فيه الاحتجاجات كبيرة والمطالب عظيمة والموارد شحيحة والأزمات عميقة ومخاطر الخارج داهمة، … في جو اللاثقة، والصراعات السياسية المصلحية والانتقامية والجهوية والعرقية التي تمنع من ظهور نتائج أي حكم مهما كان راشدا، من يستطيع أن يسير بلدا في هذه الظروف …. حينذاك. علما بأن النتائج التنموية لا تظهر ولا يستفيد منها الناس إلا خلال خمس إلى ثمان سنوات في ظل الاستقرار ورشاد الحكم.
لم يبق للجزائر بعد ضياع الفرص والأوقات والموارد إلا التوافق بين جميع الفاعلين في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإنقاذ الموقف.. ولنسم ذلك ما نشاء: انتقال ديموقراطي ، تحول ديموقراطي، انتقال سياسي، انتقال اقتصادي، إجماع، تفاوض، توافق، تفاهم … لا تهم الأسماء، المهم أن ينتبه الجزائريون بأنهم يوشكون على الغرق فيقرروا التوقف عن الاهتمام بالمصالح الشخصية والاختيارات الانتقامية، والتوجهات الذاتية لصالح المصلحة العامة التي فيها المصالح الشخصية لكل واحد في هذا البلد الذي يتوفر على قدرات وفرص خارقة للعادة خارج المحروقات ليكون بلدا عظيما.

د. عبد الرزاق مقري

تعليق