مقدمات: 
1 – يستجيب هذا المقال للنقاش الكبير الذي وقع بمناسبة زيارة رئيس الجمهورية التركي طيب رجب أردوغان للجزائر، والذي وجدنا فيه أنفسنا في قلبه، بإرادتنا وغير إرادتنا. وتجيب هذه المساهمة عن كثير من القضايا الفكرية والأسئلة المطروحة: عن العلاقات التاريخية والرسمية والحزبية، وعن القضايا الإقليمية والدولية المتعلقة بسوريا والكيان الصهيوني وما نعرفه عن السياسات الداخلية التركية التي يتوهم البعض أنه يحرجنا بها.
2 – سيتضح لمن يقرأ هذا المقال بأن موقفنا الإيجابي من تركيا اليوم هو موقف لمصلحة بلدنا ولمصلحة أمتنا العربية الإسلامية، وخطابنا هو لمن يشاطرنا هذا المقصد حتى وإن اختلفنا معه، ونحن ندرك تمام الإدراك بأن ثمة أقلية نافذة بعيدة عن عمق الشعب الجزائري موقفها من تركيا موقف أيديولوجي لا يهمها الحديث عن المصالح الجزائرية ومصالح الأمة العربية والإسلامية، بل خادمة لثقافة ومصالح أجنبية.
3 – الوطنية هي استحقاق تثبته التضحيات والمواقف على الأرض عبر السنوات، أما التشدق بها دون أي تضحية من أجلها ولا تاريخ يثبتها فهو هراء لا يزعزع الوطنيين الصادقين وهم يبنون علاقاتهم الخارجية على أساس رؤيتهم لخدمة البلد. والحمد لله آثارنا في خدمة البلد مسجلة بالصوت والصورة ( انظر مثلا شريط محاضرتي مع الشيخ محفوظ في مؤتمر إسلامي بشيكاغو سنة 1994 في زمن الشك والتيه). ثمة فرق شاسع بين من خلق للأمة ومن خلق لعشيرة، بين من يعمل للإنسانية جمعاء إنطلاقا من قاعدة وطنية صلبة، ومن يتشدق بالوطنية وهو يقتل الوطن كل يوم، خاصة أؤلئك الذين حسم الرأي العام في عمالتهم الاستعمار حتى أصبح أصدقاؤهم لا يستطيعون الدفاع عنهم.
4 – حين نتحدث عن تركيا نحن نتحدث عن تجربة بشرية نستفيد منها كما نستفيد من كل التجارب البشرية، وهي تجربة مفضلة عندنا لأنها تجربة ناجحة جدا على المستوى الدولي ضمن الدول التي كانت تعيش مشاكل تنموية مثلنا كما هي تجربة البرازيل وفيتنام وجنوب أفريقيا وبولونيا ، وهي تجربة مسلمين، كتجربة ماليزيا واندنوسيا، كسرت ادعاء العلمانيين بأن التطور والنهوض لا يكون إلا باتباع الثقافة الغربية وترك هويتنا، وهي بعد ذلك تجربة يقودها إسلاميون تبين ماذا يستطيع أن يفعل الإسلاميون لصالح بلدانهم حين تتاح لهم الحريات.
5 – التجربة التركية الأردغانية استفادت كذلك من الفكر المغاربي بشكل عام ومن الجزائر بالذات من حيث النهج الفكري والسياسي، فهم يقرون بأنهم استفادوا من فكر مالك بن نبي، كما استفادوا من الفكر والتدبير السياسي وإبرام التحالفات خارج المعهود عند الإسلاميين من تجربة الشيخ محفوظ نحناح وحركة مجتمع السلم، وقد بينت ذلك بوضوح في في كتاب “الحركة الإسلامية في الجزائر: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الصادر عن دار الخلدونية سنة 2015 في فقرة تحت عنوان: “أردوغان ونحناح: المنصور والمظلوم”. إذ بينت بأن نفس الاستراتيجية التي استعملها أردوغان بخصوص الصراع بين المؤسسة العسكرية وحزب السعادة ( الرفاه سابقا) لكسر الاستقطاب والانطلاق نحو نهضة البلد هي نفسها التي استعملها الشيح محفوظ في الجزائر ولكن القوم عندنا جميعا لم يكونوا في مستوى البعد الحضاري الذي كان عليه الشيخ نحناح وحركته، ويمكن الرجوع للكتاب للإحاطة بالموضوع. فنحن إذن أفدنا التجربة التركية ونريد ان نستفيد منها نحن كذلك، وحينما يقول لنا الأتراك لقد استفدنا منكم لا يهمنا ما يقوله من يخاصمنا.
أولا: عن العلاقات الجزائرية التركية.
لا يجب أن نشعر بالحرج في الدفاع عن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي وزعيمه أردوغان والتقارب الجزائري التركي والحجج في ذلك كثيرة منها ما يلي:
1 – كل الأحزاب في العالم عندها مثيلاتها في دول أخرى تشعر بالقرب منها، بل لهم أمميات معلنة عكس حالنا، وجبهة التحرير الوطني أعلنت صراحة عدة مرات بأنها تنتمي إلى الأممية الاشتراكية، علما بأن الأممية الاشتراكية فيها الصهاينة والمثليون والعديد من التيارات التي لا علاقة لها بثقافتنا وخصوصياتنا، كما أن التيارات اليسارية الأخرى لها أمميات أخرى كالتيار التروتسكي الذي ينتمي حزب العمال والتيار الشيوعي الذي ينتمي إليه م د س. والمعرفة بهذه المنظومات والخلفيات مهم جدا في النقاش الإعلامي.
2 – لا يوجد أي تناقض بين البعد الوطني والبعد العالمي في الفكر والسياسة، ولا يوجد حزب في الجزائر أو خارجها لا يستفيد من أفكار وتجارب غيره وفق المذهب والتوجه والانتماء الحضاري الذي هو عليه، فالجميع يستشهد بأفكار الفلاسفة والمفكرين من خارج الوطن، والكل يستصحب تجارب البشر في بلدان أخرى، والذي يكون منغلقا غارقا في الشوفينية هو المخطئ المجانب للصواب.
3 – نحن لا نخفي صداقتنا مع حزب العدالة والتنمية التركي ولا يوجد سبب لإخفاء ذلك، وإن أردنا إخفاء هذا وقلنا بأنه لا توجد خصوصية فكرية بيننا وبين حزب العدالة والتنمية التركي لا نكون صادقين ولا يصدقنا أحد، فالعلاقة الفكرية قائمة، والاعتزاز بالتجربة ثابت، ولا يوجد أكثر من هذا، ونحن كحركة مجتمع السلم لنا بروتوكولات تعاون مع العديد من الأحزاب في العالم ومنها الحزب الشيوعي الصيني، ولم تصل علاقتنا مع حزب العدالة والتنمية ليجمعنا به بروتوكول تعاون مثل الحزب الشيوعي الصيني، ولو جاءت الفرصة من كلا الجانبين لن نتردد في تجسيدها، مثلما سنفعلها مع أحزاب محترمة من مختلف البلدان في كل القارات الخمس ما أمكننا ذلك، ضمن إطار المصالح المشتركة للبلدان والشعوب.
4 – لو كانت صداقتنا لحزب العدالة والتنمية تحكمه الأيديولوجية والتعصب المذهبي لما اعتبرنا هذا الحزب قريبا منا، ولكان قربه أكبر لجبهة التحرير الوطني، إذ هو حزب محافظ يعمل ضمن منظومة علمانية ويقول عن نفسه بأنه ملتزم بالعلمانية. إن أفقنا أوسع مما يعتقده غلاة العلمانية، نحن ننظر إلى هذا الحزب أنه نموذج في الحكمة والعقلانية والوطنية في بلده، فرغم جذوره التي تعود إلى التيار الإسلامي أعطى الأولوية للحرية والعدالة والتنمية. وكذلك نحن في حركة مجتمع السلم لن نسعى أبدا لكي نفرض على الجزائريين ما لا يقبلونه وما ليسو مستعدين له، وإنما واجبنا أن نخدم الجزائر ونكافح معهم من أجل الحرية والتنمية، وإذا حكمنا نلتزم بذلك، ولا خوف على الإطلاق في الجزائر على الإسلام، ونعتبر بأن معركة الهوية كانت شغل العقود الماضية للحركة الإسلامية وقد تحقق فيها نجاح كبير بجهودنا وجهود غيرنا. وهؤلاء الذين يريدون إرجاعنا إلى صراع الهوية بمناسبة زيارة أردوغان مخطئون، استفادتنا من الحزب التركي يتجه نحو التنمية والحرية والعدالة وليس الهوية.
4- من لهم مستوى سياسي وفكر مستقيم، كما هو موجود عند الشعوب العادية الواعية في العالم يعلمون بأن ثمة فرق بين العلاقة بين الدول والعلاقة بين الأحزاب، العلاقة بين الدول تدخل في إطار الدبلوماسية الرسمية والثانية في إطار الدبلوماسية الشعبية والضابط بينهما هو الروح الوطنية والمصالح المشروعة القانونية المتبادلة، وعلاقة أردوغان هو مع الدولة الجزائرية، وحزب العدالة والتنمية التركي يفضل العلاقة الرسمية مع الدول لأنه حزب حاكم وهو له كامل الاستعداد للتخلي عن صداقته مع أي حزب إسلامي في أي دولة إذا كانت تفسد هذه العلاقة الشعبية علاقته الرسمية مع تلك الدولة. وكذلك حركة مجتمع السلم هي على استعداد للتخلي عن صداقتها مع أي حزب أو منظمة في العالم إذا قدرت بأن هذه الصداقة مضرة بالجزائر ( أقول بالجزائر وليس لزيد أو عمرو).
5 – أكبر وجهة للجزائريين بعد فرنسا في الرحلات الجوية هي تركيا، فالذين يزورون تركيا بكثافة هم كل أصناف الشعب الجزائري ومنهم العلمانيون والإسلاميون والمتدينون والمنحرفون والتجار والأطباء والمهندسون والأساتذة والرياضيون، وغير ذلك، وسبب تفضيل هذه الوجهة لا يغلب عليه البعد الاجتماعي والأسري كما هو الحال مع فرنسا بل هي الحريات، والسياحة، وجودة الخدمات، والأسعار المناسبة. والإسلاميون جزء من هذا وأنا شخصيا أدعى لتقديم محاضرات ومساهمات فكرية في العديد من مراكز الدراسات في اسطمبول وحينما أسأل لماذا دائما في تركيا يقول المنظمون لا يوجد مكان أنسب من حيث الخدمات والأسعار والحريات من اسطنبول، بل أصبحنا نحن كذلك نفضل تنظيم بعض أنشطتنا في اسطنبول لهذه الأسباب. فعلى العلمانيين الذين يستغربون كثرة زياراتنا لتركيا أن يتوجهوا إلى المطار كل يوم ويطلبوا وقف التنقل إلى اسطنبول من الأعداد الهائلة من الجزائريين الذاهبين والراجعين من وإلى تركيا، أو عليهم أن يدلوننا كجزائريين على دول غربية أو عربية أخرى تقدم التسهيلات والخدمات لمن يريد أن يكون فاعلا وناشطا في مختلف المجالات المهنية والفكرية والرياضية والثقافية والسياسية.
6 – نحن دعاة وحدة مغاربية ووحدة عربية ووحدة إسلامية وتقاربنا مع الأحزاب المغاربية والعربية والإسلامية دعم لهذه الرؤية الوحدوية, ورؤيتنا الوحدوية هي رؤية نوفمبرية ضمن الهدف الخارجي لبيان أول نوفمبر : “وحدة شمال افريقيا ضمن إطارها الطبيعي العربي الإسلامي”.
7 – ضمن رؤيتنا السياسية نعتبر بأن من أدوات حل مشكل الصراعات القائمة في العالم العربي والإسلامي، خصوصا الصراعات المذهبية، هو من خلال وحدة سنية عربية تركية تشجع الدول السنية الأخرى للالتحاق بهذا المحور مما يجعل إيران تنسب وتراجع طموحها التوسعي فتتحقق الوحدة الإسلامية المنشودة ضمن النظريات الوحدوية التكاملية العصرية وروح الأخوة الإسلامية بين كل أهل القبلة كما قال الله تعالى: (( إنما المؤمنون إخوة)).
8 – نحن حينما نتحدث عن التقارب التركي الجزائري نتحدث عن تقارب مع دولة قوية متطورة صناعية ناهضة تستفيد منها الجزائر اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وثقافيا، ولا أجد حاجة للاستشهاد بالأرقام المدهشة للتطور التركي لأنها معلومة لدى الجميع وتحولت إلى نموذج وثقافة سائدة متوفرة بغزارة في كل مكان.
9 – تفضيلنا للعلاقة مع تركيا على العلاقة مع فرنسا لا يجب أن نخفيه، فنحن نعاني جدا اقتصاديا من هذه العلاقات المفضلة مع فرنسا وأوربا لسببين رئيسين:أ/ اللوبيات الاقتصادية الفرنسية التي جعلت المؤسسات الفرنسية تستفيد من البحبوحة المالية بشكل أضر الاقتصاد الوطني في مجال الصناعة والفلاحة والخدمات وقد بينا ذلك عدة مرات بالأصناف والأرقام، ب/ عقد الشراكة مع الأوربيين الذي يشكو منه مسؤولون جزائريون منذ مدة طويلة بما فيه وزراؤنا سابقا ولم يستطع احد تغييره.
10 – تقارب الجزائر مع تركيا لا يعني غلق أبواب الجزائر على دول أخرى، ولا يفكر في هذا إلا ساذج أو مجادل خارج عن الموضوع، والدول التي تقوم على أساس الوطنية ومصالح المواطنين هي التي تتعامل مع العالم على أساس المصلحة الوطنية والشراكة وفق قاعدة رابح/رابح.
11 – اعتراضنا على الذين يحتجون على العلاقات الجزائرية التركية ورفضهم لزيارة أردوغان لا يتوجه إلا إلى الذين يفعلون ذلك لأسباب أيديولوجية، وهم العلمانيون المتطرفون الذين يخدمون المصالح الفرنسية وهم لا يخفون على الرأي العام الجزائري. اما من يعترضون على تركيا لأسباب سياسية فهم أحرار في ذلك ولكن يمكن أن نناقش حججهم فنقر بما هو صواب ونرد ما هو خطأ بدون أي عقدة ولا حرج.
12 – ما يقوله البعض عن الاستعمار التركي للجزائر فهو أمر مخجل يدل على جهل فضيع بالتاريخ، يكفي لهؤلاء الذين ليست لهم بضاعة علمية أن يسألوا من هو خير الدين بربروس والقائد عروج ليفهموا كل شيء، ليعلموا بأنه لو لا تدخل الأتراك لسقطت الجزائر مباشرة بعد سقوط الأندلس ولكنا اليوم شعب آخر غير الشعب الجزائري. والغريب في الأمر أن كل الجزائريين درسوا هذه الحقائق في المدرسة الجزائرية منذ الاستقلال إلى أن بدأ المسح يرفع رأسه. صحيح أن الدولة العثمانية عرفت الضعف والانحراف في بعض مراحلها وكان عموم الأهالي الجزائريين بعيدين عن الحكم أثناء الغزو الفرنسي ولكن هذا لا يلغي الأخوة الإسلامية التركية ولا يلغي مجد المسلمين أثناء العهد العثماني كما لا يلغي أن الأسطول الجزائري كان هو سيد البحار في عهد الأتراك وأن كل الجزائريين كانوا يقرؤون ويكتبون وكانت الجزائر حاضرة علمية وقوة اقتصادية تصدر القمح لفرنسا. من يقارن الوجود التركي بالاستعمار الفرنسي مغرض وخادم لفرنسا يريد أن يغطي على الجرائم البشعة التي اقترفها الاستعمار ، هذا الاستعمار الذي لم يقتل الإنسان فقط بل دمر آدميته . ويكفي أن نقول بأن الجزائريين كانوا كلهم يقرؤون ويكتبون قبل الاحتلال وصاروا كلهم لا يقرؤون ولا يكتبون عند الاستقلال (90%).
ثانيا : عن تركيا
كثير من القضايا التي يستعملها المعترضون على تجربة حزب العدالة والتنمية لا تقف أمام البرهان والحجة، وقبل الجواب على هذه الاعتراضات يجب أن نذكر بأن أردوغان يعتمد منهج التدرج والعقلانية والحكمة في التغيير وهو منهج الحركة الإسلامية التي تنتمي لمنهج الوسطية والاعتدال، وهو منهج قرآني ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاته، فقد حرم الله الخمر على مراحل واعتمد على الإقناع وتغيير الناس سلوكهم بالقناعة وبإرادتهم دون إكراه، كما أمر الله تعالى المسلمين أن لا يردوا على استفزاز المشركين وهم ضعاف (( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة))، وكان رسول الله يصلي في الكعبة وفيها 300 صنم، وحتى وهو ممكن كان يفضل أن لا يتابع مرتكبي الكبائر ويدرء الحدود بالشبهات (( قصة الغامدية وقصة مالك))، كما أن الخلفاء الراشدين فعلوا ذلك كثيرا. بل إن الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز رفض تطبيق كثير من الأحكام وهو الحاكم الأعلى وحين لامه ابنه المتحمس على ذلك قال له : مهلا يا بني إن الله ذم الخمر مرتين وحرمها في الثالثة. إني لا أحب أن أحمل الناس على الإسلام جملة واحدة فيكفروا به جملة واحدة. وصلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس لم يقدر على تحرير الأراضي الفلسطينية الأخرى حتى حررها المماليك.
وأردوغان يتبع هذا المنهج وهو يريد أن يحرر الإنسان ويرفع مستواه الاقتصادي أولا ، ثم الإنسان التركي هو الذي يقرر علاقته بالإسلام والعالم. وأردوغان يبلي بلاء حسنا في هذا الموضوع من خلال الاقتصاد والثقافة والتعليم والحريات، والغريب أن العلمانيين لا يعترفون بأن كثيرا من الواقع الذي لا يعجبهم هو صناعة علمانية متطرفة قبل مجيئ حزب العدالة والتنمية للحكم:
1 – قضية السفارة الإسرائيلية: هذه السفارة هي إرث اتاتوركي علماني منذ 80 سنة واللوبيات الصهيونية والغربية قوية في تركيا منذ هذه السنين التي لم يكن أردوغان حاكما فيها، ولو بدأ بهذه الجبهة سيتعطل عن تحقيق التنمية وتوعية الإنسان التركي فيهزم في المعركة. وهو يحقق إنجازات كبيرة في التضييق على الصهاينة ووعي الأتراك يرتفع أكثر فأكثر. صحيح يجب علينا أن نبقى نرفض وجود السفارة الإسرائيلية في تركيا ونصدع بذلك ولكن في إطار دعم أردوغان وليس ضده لأننا نعلم بأنه وحزبه ضد الكيان الصهيوني وأن الكيان الصهيوني يتربص به في كل وقت.
2 – قضية الناتو: ضمن نفس المنطق هذه حالة أتاتركية علمانية قديمة وهو تحالف مرتبط بالمؤسسة العسكرية التركية، والخاص والعام يعلم بأن المؤسسة العسكرية هي قلعة العلمانية في تركيا وهي التي قتلت رؤساء حكومات وانقلبت على حكومات منهم حكومة أربكان وحاولت الانقلاب على اردوغان، ولو دخل في مواجهة شاملة حول هذه المواضيع مع المؤسسة العسكرية لكانت حجتهم قوية للإطاحة به ولما وقف معه الشعب كما حدث في المحاولة الأخيرة. غير أن أردوغان سير ملف الناتو بكفاءة كبيرة إذ لم يخضع لسياساتهم الاستعمارية وكان أفضل من العرب في موقفه من الهجوم على العراق حين منع جيش الناتو المرور على تركيا نحو العراق وفي نفس الوقت طور قدراته العسكرية وفرض نفسه كأقوى قوة عسكرية في الناتو بعد الولايات الأمريكية المتحدة.
3- قضية الفساد الأخلاقي المنتشر في تركيا: ضمن نفس المنهج القرآني النبوي لم يختر أردوغان إكراه الناس على التدين بل أعطاهم حريتهم وفسح المجال للدعوة والتعليم الشرعي التي كانت ممنوعة ( كان الإفساد حر والدعوة للالتزام ممنوع) وكل من يعرف تركيا يعلم بأن ثمة صحوة إسلامية كبيرة تنتشر في تركيا . والمؤشر البسيط الدال على ذلك هو وضع الحجاب الذي كان ممنوعا أصبح الآن ينتشر في كل مكان في إطار الرضا وبعيدا عن كل إكراه. علما أن أردوغان نفسه عجز على السماح للحجاب بالسلطة في السنوات الأولى من حكمه ولكن الحرية سمحت بذلك. ولذلك حينما سئل أردوغان لماذا لا تفرض أحكام الإسلام في تركيا قال: أنا أعطي الحرية للأتراك وهم عليهم أن يختاروه.
4 – قضية سوريا: قبل الحديث عن رأينا في هذا الملف اتعجب من الذين يدينون التدخل التركي ولا يدينون التدخل الروسي والإيراني والسعودي وتدخل حزب الله، ويسكتون على الجرائم العظيمة في الغوطى وما يفعله بشار المجرم بشعبه ويتحدثون عن عفرين.
رأينا في هذه القضية بالذات ( أي قضية عفرين) أن البلد الوحيد الذي له حجية في التدخل في الملف السوري هي تركيا لأن من أهداف الفتنة في سوريا هو ضرب تركيا ولا توجد دولة أخرى عليها تهديد مباشر وعاجل من داخل سوريا غير تركيا، ولا يوجد لأي قوة إقليمية أو دولية في سوريا حدود مع هذا البلد غير تركيا، والتهديد الحقيقي والأخطر والأكثر على تركيا في سوريا هو من أمريكا وإسرائيل الذين يسندون التيارات العلمانية الكردية المسلحة. ولو لم تتدخل تركيا في عفرين لمزقت شر تمزيق. ولو حدث أن تشكل خطر داهم وعاجل وحقيقي على الجزائر من دولة جارة على حدودها لدعوت للتدخل لحماية البلد وليس للعدوان، وهذه هي عقيدة كل الجيوش حينما تكون قادرة على ذلك. مع إنني اعتبر بأن تركيا اخطأت في معالجة القضية السورية في بدايتها.
5 – عن الحريات: القول المختصر في هذا أنه في المجمل كل انتهاك للحريات مدان ولا يمكن أن يقبل، وكل قضية من القضايا المتعلقة بالحريات تدرس لوحدها فإن كانت القضية تتعلق بالأمن والتخابر مع مختلف القوى التي تتربص بتركيا لأسباب حضارية وأيديولوجية وبسبب تضارب المصالح فإن الصرامة مطلوبة كما هو حال كل دولة، وإن كان الأمر يتعلق بالتضييق على الحريات لأسباب سياسية فهذا لا يقبل البتة، وقد سبق لي أن كتبت مقالا بهذا الخصوص أزعج أصدقاءنا الأتراك ولكن كان ذلك فرصة ليقدموا لنا معلومات خطيرة عن دور جماعة كولن في علاقتها مع أمريكا واستعمال هذه الأخيرة جماعة الخدمة لضرب الدولة التركية. ومع ذلك تبقى كل تجربة بشرية فيها شيء من النقص، والعبرة بالكليات والصورة العامة، ومهما يكن من أمر لا يمكن للعلمانيين المتطرفين الذين يساندون الديكتاتوريات في كل مكان في العالم العربي أن يزايدوا على تركيا في مجال الديموقراطية ودولة القانون إذا ما قارنوها بمستوى الحريات في كل العالم العربي والإسلامي، بل وفي بعض الدول الغربية حين يتعلق الأمر بالمسلمين. وما يحدث من مهازل ودوس على قواعد العدل والقانون في قضية طارق رمضان في فرنسا خير دليل.
6 – عن موقف الدولة التركية من الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي: هذا المثال هو الدليل القاطع على لا موضوعية منتقدي حزب العدالة والتنمية، فإن كان أعتراضهم على الدولة التركية مطلقا فالأولى أن يطال موقفهم الأحزاب العلمانية التي كانت تحكم أثناء تلك الفترة، وإن كان أعتراضهم على حزب العدالة والتنمية فإن هذا الحزب لا مسؤولية له في هذا الموضوع بل إن خصومه الذين حاولوا الانقلاب عليه هم من كان تيارهم يحكم أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر، فأين العقل والموضوعية والنزاهة.

د. عبد الرزاق مقري

تعليق