المؤتمر السابع لحركة مجتمع السّلم والأسئلة الحرجة.

1/ سؤالُ الهويّةِ التنظيمية: هل هي حزبٌ سياسيٌّ أم جماعةٌ دينية؟

 

ستبقى “حركة مجتمع السّلم” تجربةً بشرية، وإنْ لبِست جلباب “الصّبغة الإسلامية”، صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون(البقرة:138)، فهو لا يعطيها قداسة النّص الذي تستند إليه، ولا درجة الكمال النّبوي الذي تتأسّى به، ولا مثالية الإسلام الذي تأوي إليه في مرجعيتها.

وإذا كان الدّينُ – في حدّ ذاته – ويخضع لسُنّةٍ إلهيةٍ مطّردةٍ وثابتة، وهي: التجديد، مصداقًا للحديث النبوي الشّريف: إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة مَن يجدّد لها أمر دينها، فستكون الحركة أولى بهذا التجديد، مع التأكيد على أنّه لا يعني التبديل، بل يعني: إحياءُ ما اندرس، ونفض الغبار على ما انطمس، فهو لا يعني تغيير النّصوص، بل يمسّ عنصر الفهم فيها، والإبداع في كيفيات تنزيل أحكامها على الواقع المتغير أمامها، وذلك بإعمال العقل في مساحة النّص، مع القدرة على التمييز بين “الثوابت” و”المتغيّرات”.

وصحيحٌ أنّ عنصر “المراجعات” و”النقد” و”التجديد” هي عملياتٌ ثقيلة في أدبيات الحركة الإسلامية – خاصّة من أبنائها – وتحديدًا عندما تهيمن عليهم “الهواجس الأمنية” و”نظرية المؤامرة” و”عقلية السرّية” و”فوبيا الاختراق” وواقع “التمركز على الذّات”، لاعتمادها على المقدّس، وتطرّف البعض وكأنهم الجماعةُ الأقرب إلى تمثيل الإسلام والدفاع عنه والجهاد من أجل إعادة استدعائه من جديد، بسلوكٍ يحتكر الدّين، ويصادر الحقيقة.

فتحت غطاء الالتزام بالمؤسسات التنظيمية تُغتال حرية الرأي والتعبير، وتحت مشجب السمع والطاعة في المنشط والمكره تُسجن الإيجابية وروح المبادرة، وتحت ستار الخوف من تجريح الأشخاص والهيئات تُرحّل المراجعات، وتحت طائلة الخشية من التورّط في الغيبة والنميمة يُعتقل التقويم والنقد الذاتي، وتحت غطاء التوازنات تُستنسخ نفس الأخطاء وتمتدّ نفسُ العيوب، ونُلدغ من الجحر أكثر من مرتين.

وهذا ما أدّى إلى تراجع الأدبيات النّقدية، والمراجعات العميقة، والوقفات الجريئة، وكأنّ الحركة بلغت درجة العصمة، ووقفت على قمّة التجربة، ووصلت إلى ذروة الكمال البشري؟؟ إلا أنّ نفسَ الأدبيات الدينية نجدها تعطي أمثلةً قويًّةً في النقد والمراجعة لأقدس تجربةٍ دعوية، لصفوة الخلق عبر مسيرة الإنسانية جمعاء، وهي التجربة الدعوية لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وصحابته رضوان الله عليهم جميعا.

فعندما تقرأ قوله تعالى: أوَلمّا أصابتكم مصيبة، قد أصبتم مثليها، قلتم أنّا هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم..(آل عمران:165)، وقوله: ولا تكن كصاحب الحوت..(القلم:48)، وقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(الكهف:28)، وقوله: ..حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ..(آل عمران:152)، وقوله: .. فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ..(الأنفال:1).. وغيرها من النصوص، تجد هذا الرّصيد القرآني القوي، والذي لا يجامل أحدًا في تقييم وتقويم التجربة الدعوية النبوية، وما يحمله من الجرأة العلمية في النّقد المنهجي، والمراجعة العميقة، والمرافقة الإلهية لهذه المسيرة.

1- سؤال الهويّة التنظيمية: هل هي حزبٌ سياسيٌّ أم جماعةٌ دينية؟

من الطبيعي أن تنسجم طبيعة المشروع الفكري لأيِّ جماعةٍ مع الهندسة التنظيمية لها، ونظرًا لطبيعة المرحلة السابقة للحركة الإسلامية، وما تتميّز به من الفهم الشمولي للإسلام، فقد وقعت في شمولية التنظيم الذي يمثّله، فاستوعب التنظيمُ الواحدُ كلّ الوظائف الأساسية للحركة، وهي: الوظيفة الدعوية والتربوية، والوظيفة الفكرية والسياسية، والوظيفة الاجتماعية والمجتمعية.

ومع سيرورة التجربة وتراكميتها تبيّن أنه هناك فروقٌ جوهرية بين منطق الحزب السياسي المدني، وبين منطق الجماعة الإيديولوجية الدعوية، وأنه هناك اشتباكٌ بين شروط الانتماء للحزب السياسي، وشروط الانتماء للجماعة الدعوية، وخاصّة بعد الانتقال من السرّية إلى العلنية، ومن الجماعة إلى التأسيس كحزب، ومن “دال” الدعوة إلى “دال” الدولة، ومن مرحلة “الصحوة” على مستوى خطّ المجتمع إلى مرحلة “النهضة” على مستوى خطّ السلطة، وضرورات التجديد من أجل انتقال الفكرة من الجماعة إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الدولة لصناعة النّهضة، والوصول بها إلى الانبعاث الحضاري، لتكونوا شهداء على النّاس..(البقرة:143).

هذا الاندماج التنظيمي بين الوظيفة السياسية والوظيفة الدعوية أثّر عليهما معًا، فلا الحركة أصبحت حزبًا سياسيًّا قويًّا، ولا هي أصبحت جماعةً دعويةً قويّة، وهو ما أوصلنا إلى التنظيم المرهق، الذي منع من الانفتاح والانتشار، وأضعف سلاسة الارتقاء التنظيمي للأفراد، وضيّق من فرص الترشّح في الانتخابات، وأعطى الانطباع عن الحركة بأنها جماعةٌ إيديولوجية ضيّقة، وأنها ليست حركةُ مجتمعٍ حقيقية، وأنّ هناك شروطًا تربويةً إقصائية لا يقبل بها عموم الشّعب، تحرم الكفاءات والإطارات – من مختلف فئات المجتمع – من خدمة الوطن عن طريق الحركة.

وإذا أضفنا لها تغيّر واقع الالتزام الديني، لوجدنا نوعية وكثرة الالتزام بالدّين عن طريق التديّن الشعبي العام يتجاوز نوعية وكثرة التديّن الحركي التنظيمي الخاص

وإذا أضفنا – كذلك – العائق الدستوري والقانوني، الذي يمنع تأسيس الأحزاب على أساسٍ دينيٍّ، فإنّ واجب الوقت يفرض فكّ الارتباط التقليدي، بالذهاب إلى التخصّص والتمييز الوظيفي، لأنّ الرأي العام الوطني والدولي لا يقبل منك مخاطبته بالدّين وأنت ترتدي القبعة الحزبية، وترتقي منبر الحزب السياسي.

فقد تغيّرت أولوياته من الحاجة الفطرية إلى التديّن في مرحلة الصّحوة وقد تحقّقت، إلى مرحلة الحاجة إلى التنمية في مرحلة النّهضة، والتي تتطلّع أشواقه إليها.

إنّ حسم الخيار في التمكين للمشروع والوصول إلى الحكم عن طرق الإرادة الشّعبية، وبالآلية الديمقراطية، وهي: الانتخابات، يفرض الخروج من منطق التعامل مع الشعب بعقلية الجماعة الضيّقة طيلة العهدة الانتخابية، وبمنطق الحزب السياسي عند الاستحقاقات الانتخابية، ناهيك عن تضييع فرص النجاح الديمقراطي بترشيح القيادات التنظيمية وليست القيادات المجتمعية، وقد انعدمت الفروق بينهما في مستوى الصلاح والاستقامة، لأنّ منطق الانتخابات يستدعي الوعاء الشعبي وليس الوعاء التنظيمي.                   لقد أصبح متعذّرًا الوصولَ إلى البُعد الشّعبي الجماهيري عن طريق الحزب السياسي، لعدّة عوامل مرتبطة بالجانب القانوني وبالبيئة السياسية الموبوءة، وبتيئيس النّاس من السياسة والأحزاب السياسية ومن الانتخابات ومن المنتخبين، وللاختلافات الكبيرة في الاجتهادات والمواقف السياسية، والتي لا تقنع الرأي العام إلا بالإنجاز والملموس، فكان لابدّ أن نجتهد في صناعة القاعدة الشعبية الحاضنة، وفي رفع مستوى الوعي العام عن طريق المؤسسات المجتمعية المتخصصة، وهو ما يستدعي هذا التجديد الوظيفي، وإطلاق سراح بعض الوظائف، والرّمي بها إلى الشارع ليحتضنها الشعب.

كما لا يمكن للدعوة والتربية (وهي مِلْكٌ للشّعب كلِّه) أنْ تدفع ثمن تقلبات وأخطاء السياسة والقيادات السياسية، وأنّه لا يمكن المغامرة والمخاطرة بالوظيفة الدعوية والتربوية عند إقحامها في الصراع السياسي والتنافس الانتخابي والصدام مع شركاء الوطن، وهم مسلمون مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا.

وأنّه لم يعدْ مقبولاً التزاحم على الرّواق التنظيمي الواحد، بل يجب التجديد بالدفع إلى عدم وضع البيضَ كلَّه في سلّةٍ واحدة، وذلك بتوزيع الوظائف على أبوابٍ متفرّقة، كما قال تعالى على لسان سيّدنا يعقوب عليه السلام، عندما قال: ..يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ..(يوسف:67).

يتبع .. الجزء 02| سؤالُ المنهجِ التغييري: هل هو شمولي جذري أم إصلاحي تدريجي؟

 

تعليق