مواصلةً منّا لسلسلة المقالات، التي تهدف إلى النقاش الفكري وتجنّب الاستقطاب الشّخصي، على خلفية انعقاد المؤتمر السابع للحركة أيام: 10، 11، 12 ماي 2018م القادم، يأتي هذا المقال ليعالج – ضمن الأسئلة الحرجة – سؤال المنهج التغييري لها.

فهناك مَن يختزل مناهج التغيير لدى الحركات والأحزاب السّياسية في مدرستين مختلفتين في الوسائل والآليات والمنطلقات، متفقتين في الأهداف، وهي تغييرُ واقعِ الدّولةِ والمجتمع.

1_ مدرسة الواقعية السياسية: وفق المتاح والممكن، وعن طريق نظرية الإصلاح المتدرّج، بالاعتراف بالواقع القائم، وضرورة تبنّي آليات العمل المدني السّلمي المنفتح، الذي يعمل في إطار القانون والمؤسسات.

2_ مدرسة المثالية السياسية: والتي لا تعترف بالواقع، ولا تتعامل معه إلا بمقدار ما يخدمها، عن طريق المغالبة، وبمثاليتها التي لا تهادن أحدًا، ولا تجد مشتركًا مع الآخر، بحيث تتبنى منهجًا صداميًّا مع كلِّ مخالفٍ، وتفتح جبهاتِ الصّراع مع الجميع، وهي بذلك تتحدّى احتكار السلطة في استعمال العنف من أجل البقاء في الحكم، فتتبنّاه من أجل الوصول إليها. وبالرّجوع إلى “حركة مجتمع السّلم” بالجزائر فهي تعمل على محورين وركيزتين أساسيتين، وهما:

_ مركزية إقامة الدّين على مستوى خطّ المجتمع: عبر الوظيفة الدّعوية والتربوية، والوظيفة الاجتماعية والمجتمعية، بغرس القيم، وترشيد التديّن وأخلقة المجتمع، بوسيلة المؤسّسات المتخصّصة في المجتمع المدني.

_ مركزية إقامة الدّولة على مستوى خطّ المؤسّسات الرّسمية لها: عبر الوظيفة السّياسية والفكريّة، بوسيلة الحزب السّياسي، ضمن قانون الأحزاب. وهي من مقاصد تأسيسها ومبرّرات وجودها، مع بقاء بعض رواسب هيمنة فكرة إقامة الدولة والخلافة الإسلامية، والتي هي من الأدبيات التقليدية المهيمنة على منطقِ واهتمامِ الحركة الإسلامية المعاصرة، على خلفية سقوط الخلافة الإسلامية – رسميًّا – سنة: 1924م، وهو المنطق المؤثّر في المستوى الفكري والمنهجي لها في مسألة التغيير. ونظرًا لتراكمية تجربة الحركة، وخصوصيتها القُطْرية، ومرحلة المراجعات العميقة لمؤسّسيها في محنتهم أثناء الاعتقال سنة: 1976م، على يد نظام الرّئيس الرّاحل: هواري بومدين عليه رحمة الله، فقد تجاوزت الحركة بعض المسّلمات، التي هيمنت على النهج التغييري للحركة الإسلامية – وخاصة في المشرق – ومنها:
1_ تجاوز الحكم العدَمي اتجاه الدّولة الوطنية: وذلك بالاعتراف بها، والعمل من أجل الإصلاح من داخل مؤسّساتها، وذلك بالتعاون مع شركاء الوطن فيها، وأنّ الدولة الحديثة ليست كافرةً أو مرتدّةً عن الإسلام، حتى نعمل على إقامة دولةٍ إسلاميةٍ على أنقاضها، واستئناف الحياة الإسلامية من جديدٍ فيها. وأنّ حضور الإسلام على مستوى الفرد أو المجتمع أو الدولة لم ينقطع، بل يتفاوت حضورُه وهيمنتُه بنِسبٍ متفاوتة. وكما هو يتفاوت على مستوى الفرد من حيث القوّة والضّعف أو الزّيادة والنقص، فهو كذلك يتفاوت على مستوى الدّولة، وبالتالي فإنّ ضعفه أو نقصه على مستواها لا يخرجها من الدائرة العامة للإسلام، وهو ما ينصّ عليه بيان أول نوفمبر، والأحكام الدستورية في عمومها، وقوانين الجمهورية في مجملها، وهو ما أكّدت عليه الحركة في لائحة “السياسة العامة” عبر مختلف مؤتمراتها، إذ جاء فيها: “الجزائر أرض الإسلام، وبلدٌ من بلدان المغرب العربي الكبير، ينتمي إلى العالم العربي والإسلامي..” وجاء فيها أيضا: “والشعب الجزائري شعبٌ مسلم، وحّدته مكوّنات هويته الأساسية، المتمثلة في: الإسلام والعروبة والأمازيغية…. فارتباط هذا الشّعب بإسلامه، واعتزازه بانتمائه الحضاري وبتاريخه هو الذي مكّنه من صدّ الحملات ومقاومة الاحتلال، ومن تجاوز كلِّ التحدّيات والأزمات التي تعاقبت عليه بعد الاستقلال.”. وهو ما يعني: عدم النّظر إلى الإسلام من زاوية حضوره على مستوى الدولة فقط، بل هو متجذّرٌ في الواقع والمجتمع، والذي هو محرابٌ – أيضا – للتغيير، وهو ما يستلزم: الاعتراف به كما هو والبناء عليه، وليس إعدامُ الخيرِ فيه، ومواجهته بالتكفير والتخذير والتفجير. فنحن لا ندعو النّاس للدخول في الإسلام من جديد، بل نعمل على استكمال النّقص فيهم، وترسيخ القيم لديهم، وترشيد التديّن لهم. فالدولة – مثل الفرد والمجتمع – لا تزال تتغذّى وتتنفّس الشريعةَ عبر العصور، ولو بنِسبٍ متفاوتةٍ، وبالتالي فإنّ المنهج التغييري الأصوب معها هو: المنهج الإصلاحي التدريجي وليس المنهج الجذري الشّمولي.

2_ تجاوز حصر الشريعة الإسلامية على مستوى الدولة، ومسؤولية الحاكم فيها فقط: ثمّ إشهارُ سيف الآية الكريمة: “ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون..”(المائدة:44)، وكأنّها مجردَ نظامٍ عقابيٍّ، لا يعرف إلاّ تطبيق الحدود، مثل: القصاص والجَلد والرّجم والقطع وأحكام الحِرَابة.. وغيرها.

فأحكام الشريعة الإسلامية موّزعةٌ على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وأنّ نسبة الأحكام المرتبطة بمسؤولية الحاكم على مستوى الدولة قد لا تتجاوز: 10% من أحكام الشريعة. وبالتالي فإنّ مفهوم الشريعة أوسع من مجرد اختزاله على المستوى الرّسمي: السياسي أو القضائي أو الدستوري، فهي تشمل دائرة: العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات، وبالتالي فإنّ السّعي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وأخلقة المجتمع لا يقتصر على مسؤولية الدولة والحاكم فقط. وهو ما يجعلنا نراجع بعض المسّلمات والمنطلقات الخاطئة، مثل الحديث عن: إلغاء الشريعة أو تعطيل الشريعة أو المطالبة بتطبيق الشريعة أو الحديث عن إقامة الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية، لأنّها تنطوي على أفكارٍ لا تبتعد عن التطرّف والتكفير، لوجود نِسَبٍ من الشريعة والإسلام على مستوى الدولة، كما هي على مستوى الفرد والمجتمع، وهو ما يحتاج إلى الاستكمال والترشيد، وليس إلى الإحلال – كلّيّةً – من جديد.

وإذا كان الحبيب المصطفى “صلى الله عليه وسلّم” قد اعترف ببعض القيم في الواقع الجاهلي الذي وجَدَ عليه العرب، وقام بالبناء عليها، كما قال: “إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، فهو يبني ويتمّم على ما هو موجود، وليس باستئصاله جذريًّا والبناء عليه من جديد، وفق نظرية إخوة يوسف عليه السلام، إذ قالوا: “اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ”(يوسف:09)، فإنّ واقعنا المسلم يجعلنا أكثر واقعية في التغيير عن طريق المنهج الإصلاحي التدريجي، اقتداءً بمنهج الأنبياء عندما قال أحدُهم: “إنْ أريدُ إلاّ الإصلاح ما استطعت..”(هود:88)، وليس عن طريق المنهج الجذري الشّمولي الإحلالي.

3_ التدرّج في المنهج الإصلاحي: فالتدرّجُ سُنّةٌ كونية وسُنّةٌ شرعية، وما تميّزت به الحركة في شعاراتها التاريخية، مثل: المرحلية، الواقعية، والموضوعية، وبالتالي فهي تجتهد في المتاح المتيسّر وليس في المثالي المتعسّر، وهي تؤمن بالشراكة والتعاون على الخير مع الغير، عن طريق المبادرات الجماعية والتحالفات السياسية على مستوى السلطة أو على مستوى المعارضة، وبدون أيِّ عُقدةٍ من أيِّ جهةٍ أو تيارٍ كان.

وقد تفاعلت وتعاونت مع مكوّنات التيار الوطني والديمقراطي والإسلامي، وجعلت ذلك من ضمن وسائلها النّضالية، كما جاء في القانون الأساسي لها، في المـادة 05 منه: لتحقيق أهدافها تعتمد الحركة على الوسائل التالية، ومنها:
_ المشاركة السّياسية بكلّ أشكالها، وفق توجّهها السّياسي العام.
_ التحالفات والعلاقات والتكتلات السّياسية.
_ الرّقابة الشّعبية.
_ الحوار والمبادرات..”. وجاء في السياسة العامة أيضا، في التوجّه السّياسي العام: الجزائر المنشودة.. رؤيةٌ إصلاحية: ” حركة مجتمع السلم حركةٌ سياسيةٌ شعبيةٌ إصلاحيةٌ شاملة، تعتمد على منهجٍ تغييريٍّ سلميٍّ وسطيٍّ معتدل، يستهدف بناء الفرد والأسرة والمجتمع، وتشارك في العملية السياسية من أجل استكمال بناء الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة في إطار المبادئ الإسلامية، من خلال التداول السلمي على السلطة، بالوسائل الديمقراطية.”.
وهو ما جعلها تتبنّى هذا النّهج الإصلاحي المتدرّج من داخل مؤسسات الدولة وليس من خارجها، وعبر الاحتكام إلى الإرادة الشعبية بالآلية الديمقراطية، والمشاركة في الانتخابات، وبالتواجد في المجالس المنتخبة: المحلية والوطنية، وداخل مؤسسات الدولة، وهو ما رسّخ منهجها في استراتيجية المشاركة السياسية بمفهومها العام، فجاء في السياسة العامة أيضا: “.. وهي في كلِّ ذلك تعمل في إطار استراتيجية المشاركة السياسية بمفهومها المجتمعي الواسع والشّامل، التي تعني المشاركة في الشأن العام في كلِّ مستوياته، و بكلِّ أنواعه، هدفها تطوير الدولة والمجتمع، وتنمية العمل الديمقراطي وخدمة الوطن.”.
فهي لا تؤمن بالتغيير عن طريق الانقلابات العسكرية، ولا عن طريق الثورات الشعبية، ولا عن طريق العمل المسّلح، ولا عن طريق التدخل الأجنبي، ناهيك عن الاستقالة الطوعية من الاهتمام بالشّأن العام. وهو ما يدفعنا للحديث في الجزء الثالث عن: سؤال الهوية السياسية للحركة.. بين المشاركة والمعارضة.

تعليق