لم تكن مذكّرة التخرّج في الجامعة الإسلامية بقسنطينة إجباريةً، ولكنّ التحدّي العلمي والفكري الذي كنَّا نعيشه كان كبيرًا، وخاصّة أمام تيار السّلفية العلمية.
وقد كنت – قبلها – رئيسًا لفرع الاتحاد العام الطلابي الحر، ومع الانشغال بالعمل النقابي والسياسي والتنظيمي والتربوي، والاتهامات الجاهزة لنا بتضييع التحصيل العلمي – مبرّر وجودنا في الجامعة – كلّ ذلك اضطرّني إلى إلزام نفسي بتحضير ومناقشة مذكّرة التخرج الاختيارية لنيل شهادة الليسانس، والتي كانت تحت عنوان: “دراسةٌ حديثية وتحليلية لحديث الفرقة الناجية.. دراسةٌ حديثة في ظلّ فقه الواقع، ودراسةٌ سياسية في ظلّ فقه الحديث.”، بحكم التخصّص في الكتاب والسُّنة.
والتي كانت تحت إشراف الدكتور: سلمان نصر، وعضوية الدكاترة: حسان موهوبي، مختار نصيرة، وأبو بكر كافي.
وقد حازت هذه المذكرة على أعلى علامةٍ في الدفعة (17/20 مع التوصية بطبع الرسالة).

وكان الحديث الأشهر في تصنيف الجماعات، وادّعاء صوابية المنهج والانتساب إلى منهج السّلف الصالح هو حديث الفِرقة الناجية: “.. وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة..”.
والذي كان يحرّك معاركًا كلاميةً طاحنة، ويُستعمل كغطاءٍ لبثّ الفُرقة وروح الصراعات بكلّ أنواعها: الفكرية والمذهبية والطائفية والسياسية.

وقد تناولنا في الدراسة الحديثية: تخريجَ هذا الحديث ومناقشة مختلف طرقه، وخلاصة مَن صحّحه ومن حسّنه، والترجيح في الحكم عليه.

كما تناولنا في الدراسة التحليلية: معنى الافتراق المقصود، ومعنى الجماعة، ومعنى الفرقة الناجية ومواصفاتها.
وذكر الإمام الشاطبي في “الاعتصام” أنّ الناس اختلفوا في معنى “الجماعة” إلى خمسة أقوال: (أنها السّواد الأعظم من أهل الإسلام، وأنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، وأنها جماعة الصحابة على الخصوص، وأنها جماعة أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمرٍ واجب، وأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أميرٍ واحد.).

ثم قال في الأخير: “فهذه خمسة أقوالٍ دائرةٍ على اعتبار أهل السُّنة والاتباع..”.

وأغلب شرّاح الحديث ينصّون على أن الجماعة المقصودة هي: أهل السّنة والجماعة، كما ورد في “بذل المجهود بشرح سنن أبي داوود”، و”تحفة الأحوذي بشرح سنن الإمام الترمذي”، و”فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري.”.

والظاهر من جميع الأقوال أنّ المقصود بالجماعة هي: “جماعة المسلمين”، كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “.. أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.”، وهم الملتزمون بالكتاب والسنة في أصول الإسلام العامة وعقائده الصحيحة، وإن تفرّقت ديارهم وتباعدت بلدانهم واختلفت مذاهبهم في: الفقه وفروع الأعمال ومتشابه الأدلة وظنّي الدلالة، وما هو من المسائل الاجتهادية والمصالح المرسلة، وما هو مسكوتٌ عنه، مما لا يُقطع فيه برأيٍّ ولا يُنكر عليه باجتهاد.

ومما جاء في أقوال أهل العلم عن الفرقة الناجية أنها أمّة الإجابة بكاملها، لكونها أمّةً مرحومة، وأنها أكثرُ الأمم دخولاً إلى الجنة، وقد ورد في روايةٍ أخرى هي: “السّواد الأعظم من الناس”، وجاء في شرح الإمام مسلم للإمام النووي قوله: “ويُحتمل أنّ هذه الطائفة مُفرّقة بين أنواعٍ من المسلمين، فمنهم شجعانٌ مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زُهّاد، ومنهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواعٍ أخرى من الخير، لا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.”.

فيتبيّن أنّ “الفرقة الناجية” لا تنحصر في جماعةٍ معينة، ولا في أشخاصٍ معيّنين، ولا في اسم من أسماء الفِرق والجماعات التي جاءت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقصدها بذاتها.

وقال الإمام الصنعاني – عليه رحمة الله عن الفرقة الناجية: “..وهم متّبعو الرسول صلى الله عليه وسلم إتباعًا قوليًّا وفعليًّا وعمليًّا من أيِّ فرقةٍ كانت، هذا وقد ذُكر في الفرقة الناجية أنهم صالحوا كلِّ فرقة..”.

واختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في تعيين هذه الفِرق وحصرها بأسمائها، فهناك مَن قال بأنّ المقصود بالعدد هو للكثرة، وهناك من قال بأنّ العدد لا مفهوم له، وهناك من جعل المقصود به أصول الفِرق دون فروعها، وهي في الأخير غير متناهية، ولا يمكن حصرها بعينها.

ولذلك فأنّ أكثر أهل العلم يقولون أنه لا يمكن تعيين هذه الفِرق، ولا يمكن تحميل الحديث ما لا يحتمل، ولا يمكن القطع أو الجزم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العدد، إذ لا نملك المعيار القطعي والمتفق عليه في ذلك.
ولذلك برّر الإمام الشاطبي رحمه الله في “الاعتصام” عدم التعيين بقوله: “فلأنّ عدم التعيين هو الذي ينبغي أن يُلتزم به ليكون سِترًا على الأمة..”، والسبب أنّ التكلّف في تعيين تلك الفِرق يورث العداوة والبغضاء ويزيد في الفُرقة، فقال أيضا: “فإذا كان من مقتضى العادة أنّ التعريف بهم على التعيين يورث العداوة بينهم والفُرقة، لزم من ذلك أن يكون منهيًّا عنه..”.

وهناك تحقيقٌ نفيسٌ في معنى الافتراق المقصود في الحديث، فجاء في كتاب “بذل المجهود في حلّ أبي داوود”:(والمراد في هذا الافتراق: التفرّق المذموم الواقع في أصول الدّين، وأما اختلاف الأمة في فروعه فليس بمذموم، بل هو من رحمة الله سبحانه..)، وجاء في “فيض القدير” للعلامة المناوي في شرح الجامع الصغير للإمام السيوطي في شرح “وتفترق أمتي..” قال: (وتفترق أمتي في الأصول الدينية لا في الفروع الفقهية، إذ الأولى هي المخصوصة بالذمّ، وأراد بالأمة من تجمعهم دائرة الدعوة من أهل القبلة..)، ولذلك أضافهم “صلى الله عليه وسلم” إليه فقال: “أمتي..”.

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في “الاعتصام”: (ذلك أن هذه الفِرق إنما تصير فِرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلِّي في الدّين، وقاعدةٍ من قواعد الشريعة العامة، لا في جزئيٍّ من الجزئيات..).

ومصطلح “أهل السنة والجماعة” مصطلحٌ تاريخي، اجتهادي وبشري، وليس مصطلحًا شرعيًّا وَقْفيًّا، فقد أُطلق لتمييز الأمة عن فِرْقتين كبيرتين خرجتا عنها، وهما: “الشيعة”: الذين لا يستندون في مرجعيتهم إلى مرويات السنة النبوية الشريفة، بل إلى مروياتٍ مزعومةٍ ومنسوبة إلى أهل البيت، وللتمييز عن “الخوارج”: الذين خرجوا عن جماعة المسلمين وحكامهم، بتكفيرهم واستباحة دمائهم.

فمصطلح “السّنة” يقابل مصطلح “الشيعة”، ومصطلح “الجماعة” يقابل مصطلح “الخوارج”، وهي مصطلحاتٌ علمية معرفية واصطلاحية، وضعها العلماء للتمييز بين المذاهب والأفكار، وليست مصطلحاتٌ عقائدية للتمييز بين الكافر والمسلم، ولذلك لم يكفّر العلماء “الخوارج” و”المعتزلة” وغيرهم.

فمن منهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفّرون أحدًا بسبب الذنوب، فقال شيخ الإسلام “ابن تيمية” عليه رحمة الله في “مجموعة الرسائل والمسائل”: (ولا يجوز تكفير المسلم بذنبٍ فعله أو بخطأٍ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القِبلة..)، وبعدما ذكر “الخوارج”، وما ورد فيهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتالهم، وقتال الإمام علي رضي الله عنه لهم وإجماع الصحابة رضوان الله على ذلك، إذ قاتلهم بعدما سفكوا الدّم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لردّ عدوانهم والحدّ من طغيانهم، لا لأنهم كفارًا، ولذلك لم يُسْب حريمهم ولم يغْنِم أموالهم، فقال “ابن تيمية ” عليه رحمة الله: (وإن كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع ولم يُكفّروا، مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين، الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلَط فيها مَن هو أعلم منهم؟ فلا يحلّ لإحدى هذه الطوائف أن تكفّر الأخرى ولا تستحلّ دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعةٌ محقّقة، والغالب أنهم جميعا جهّال بحقائق ما يختلفون فيه..).

ولذلك وضع “ابن أبي العز” في “شرح العقيدة الطحاوية” قاعدةً جليلة لأهل السُّنة والجماعة وأهل العلم في التعامل مع المخالفين، تميّزهم عن غيرهم في مسألة التكفير والحكم على المخالفين فقال: (من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطِّئون ولا يكفِّرون.).

فكيف بمن يأتي في آخر الزمان، ممَن يريد احتكار الحق واختطاف الحقيقة، واستلاب معنى أهل السنة والجماعة، وادّعاء الفهم المطلق لهذا المفهوم، ليُلبسه لنفسه، ويخلعه عن غيره، ويُخرج به خلقًا كثيرًا – بالملايين من الأولين والآخِرين – من ملّة الإسلام، ويرميهم بالتكفير والتضليل والتبديع والإخراج من الملّة؟!.

فأسماءُ هذه الفِرق مصطلحاتٌ علمية وتاريخية، وهي اصطلاحيةٌ بين أهل الاختصاص، ومن الحكمة عدم إثارتها بين العامّة من الناس، وإلاّ كانت فتنةً وتفريقًا بين المسلمين، لا تصبّ إلا في صالح أعدائهم..

تعليق