عرفت السيرورة التاريخية للحركة الإسلامية المعاصرة انتقالاً متسارعًا وتطورًا متصاعدًا في الفكر والتنظيم وإدارة الوظائف الأساسية لها، وذلك للتطورات الهائلة والانفتاح الكبير على مستوى البيئة الداخلية والخارجية لها، وخاصة بعد الانتقال من السرية إلى العلنية، ومن العمل الدعوي والتربوي – كجماعة – إلى الاهتمام بالشأن العام كحزبٍ سياسي ومؤسساتٍ للمجتمع المدني، وازدادت هذه الضرورة التجديدية عندما وصلت أو شارفت هذه الحركات الإسلامية على الوصول إلى الحكم، والانتقال بالفكرة من الفرد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الدولة، وهي تتطلّع إلى تحقيق النهضة وصناعة الحضارة وأستاذية العالم، “حتى لا تكون فتنة ويكون الدّين كلُّه لله.”(الأنفال:39).

   وأصبح التوجّه العام لهذه الحركات الإسلامية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية هو الذهاب إلى التمييز أو التخصّص الوظيفي، وخاصة بين العمل السياسي والعمل الدعوي، لتعذّر الجمع الهيكلي بينهما في تنظيمٍ واحد، مع البحث عن آليات التنسيق والتكامل والتوازن بينهما، لما يشكله هذا الدمج التنظيمي من تهديدٍ فعلي وتأثيرٍ سلبي متبادل بينهما، لاختلاف المنطق الذي يحكمهما في الأداء الوظيفي، وليس بالضرورة في الفهم التصوّري والبعد الرّسالي، وهي فكرةٌ مثيرة ومشروعٌ طموح  لمن استطاع أن يجمع بين التجديد الإرادي والتخطيط الاستراتيجي والإدارة المعاصرة لمختلف الوظائف المتباينة للحركة، والذهاب الآمن بها إلى ما بعد التنظيم الشّمولي.

    ولكنّ الأسئلة المرافقة لهذا التجديد، والتي تطرح نفسها بقوة هي: هل قرّرت هذه الحركات الإسلامية التمييز بين السياسي والدعوي عن قناعةٍ مبدئية أم عن تأثُّرٍ بضغوطاتٍ خارجية وإكراهات الحكم والمشاركة فيه؟ وهل هذا التمييز هو حصيلةٌ لقناعةٍ فكريةٍ تصوّرية أم هو نتيجةٌ لإكراهاتِ البيئة الداخلية والخارجية؟ وهل هو طمأنةٌ للخصوم والمنافسين أم هو حلٌّ لإشكالاتٍ تنظيميّةٍ داخلية؟ وهل هو نوعٌ من العلمنة للحركة الإسلامية يؤثّر على هويتها؟ أم هو إجراءٌ إداري أملته ضرورات المرحلة وسطوة المتغيرات المتسارعة؟  وهل هذه التجربة هي محطّ اختبارٍ عملي أم مجرد ترفٍ فكري؟ وهل هناك تجاربٌ أثبتت فشلها وأخرى أثبتت نجاحها؟ وهل هذه التجارب يمكن تعميمها واستنساخها على جميع الأقطار؟ أم هي بنت بيئتها ونجاحها مرهونٌ بخصوصيتها القُطْرية ؟ وهل هذا التوجّه هو ضرورةٌ وظيفيةٌ لتجاوز وضعية الهدر الدعوي والانغلاق السياسي من أجل رفع مستوى النجاعة والمردودية فيهما؟ أم أنّ الأحزاب السياسية لا يمكنها أن تكون محاضنًا للتجديد الفكري، ولا مجال للجمع بينهما، للمنطق المختلف لأداءاتهما؟ وهل هو اختيارٌ فكري لتجنّب هيمنة أحدهما على الآخر؟ أم هو تساوقٌ مع السّنة الكونية المنسجمة مع النص الديني في التجديد على رأس كلِّ مائة سنة؟ وأيُّ المقاربات أقرب إلى الصواب في المرحلة الحالية: الفصل أم التخصّص الوظيفي؟ بعد إيجاد الأطر القانونية والعلنية الحاملة لهذه الوظائف الأساسية، والإبداع في لوائح هذه المؤسّسات ولوائح العلاقات بينها، والتي تطمئن على تكامل المشروع الاستراتيجي للحركة، إذْ أنّ التخصّص الوظيفي الرّسالي لا يعني المصادمة الحتمية للفهم الشّمولي للإسلام.                                                                فيرى الدكتور عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم بالجزائر أنّ سيرورة العمل الإسلامي والتحدّيات والإكراهات – وكذلك التجربة – أملت خيار التمييز بين العمل السياسي والعمل الدعوي.. وأنّنا في الحركة قد اتجهنا لهذا التمييز دون إكراه، وكان موضوعَ بحثٍ طويلٍ قدّمناه في المؤتمر الخامس للحركة سنة:2013م، ونسير عليه الآن بكلِّ هدوء..”.

    ويقول: “هناك حركاتٌ أخرى وجدت نفسها أمام إشكالياتٍ سياسية كبيرة خاصة في ظلّ الربيع العربي، فاتجهت إلى هذا التمييز تحت هذه الإكراهات.. وأنّ كلّ الحركات الإسلامية ستسير – في المحصّلة النّهائية – على هذا المسار، بهدف إنجاح العمل السياسي والعمل الدعوي معًا، وأنّ التمييز المذكور هو استجابةٌ لإكراهات الواقع والممارسة السياسية، وليس لضغوط العلمانيين، وأنّ الفصل بينهما هو فصلٌ وظيفيٌّ وليس فصلاً فكريًّا أو رساليًّا.”.

    وقد تنوّعت تجارب الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي في كيفيات إدارة وظائفها، حسب خصوصياتها القُطْرية وظروفها التاريخية وتجربتها التراكمية وبيئتها الداخلية التنظيمية، وبيئتها الخارجية القانونية والسياسية والمجتمعية، ويمكن اختزالها – في عمومها – إلى: 06 نماذج كلّية، وهي:

     1/ تجربة التخصّص الوظيفي المستقل: وهي تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، الذي تفرّغ كلّيةً للعمل السياسي، وتكامل في تجربته الدعوية بالتحالف مع “التنظيمات النورسية”، ومنها: جماعة “فتح كولن” (جماعة الخِدمة)، قبل أن يقع الخلاف والصدام بينهما، على خلفية “المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة” يوم: 15 جويلية 2016م.

    ونتيجة للتجربة الناجحة للحزب السياسي في الحكم، فقد غطّت على الخلل في الوظيفة الدعوية له. ونظرًا لكونه الحزب الحاكم فقد أصبحت المؤسسات الدينية الرسمية، والحرية الكبيرة للمجتمع المدني، والمدارس الدينية لتحفيظ القرآن الكريم وتخريج الأئمة والخطباء دورٌ كبير في تغطية هذا النقص، وكان لها دورٌ كبيرٌ في إفشال تلك المحاولة الانقلابية.

       2/ تجربة التخصّص الوظيفي في إطار الشّراكة الاستراتيجية المعلنة: (وحدة المشروع والاستقلالية في التنظيم: في مجالات العمل وفي الخطاب وفي الرموز والقيادات)، وهي تجربة “حزب العدالة والتنمية” المغربي، مع “حركة التوحيد والإصلاح”، وهي تجربةٌ إرادية وذاتُ تطوّرٍ تراكميٍّ طبيعي،  لتخصّص الحركة في وظيفتها الدعوية، وتخصّص الحزب في وظيفته السياسية، دون الخلط الوظيفي والتنظيمي والقيادي بينهما، مع الإبقاء على مرجعيةٍ تشاوريةٍ موحّدة، وهي: ميثاق الشراكة الاستراتيجية المعلنة. وممّا ساعدها على النجاح النّسبي هو: الاستقرار السّياسي والإصلاح الدستوري والفرصة الديمقراطية.                                                                                                        3/ تجربة الذّراع السّياسي للجماعة الدعوية: مثل تجربة الإخوان المسلمين في مصر والأردن، وهي تجربة مريرةٌ وقاسية، وإذا كانت التجربة المصرية فتيّةٌ ولم تُعط  لها الفرصة في الزمان والاستقلالية، وباغتها الانقلاب العسكري على “الجمل بالذي حمل”، فإنّ التجربة الأردنية فاشلةٌ لتحكّم الجماعة في عمل الحزب، وحدوث التضارب بينهما.

        4/ تجربة الذّراع الدّعوي للحزب السياسي: مثل تجربة الحركة الإسلامية في السودان، بعد تحالف الدكتور “حسن الترابي” عليه رحمة الله، مع الرئيس البشير في الانقلاب العسكري سنة: 1989 ضدّ حكومة ّالصادق المهدي، فأصبح الحزب الحاكم هو الأصل، وهو مَن يقود الذّراع الدّعوي له في المجتمع.

         5/ تجربة الدمج التنظيمي والتماهي التام بين الدعوي والسياسي: مثل تجربة حركة مجتمع السّلم في الجزائر حاليا، والتي تتضخّم فيها الوظيفة السياسية على حساب الوظيفة الدعوية والتربوية، وجماعة العدل والإحسان في المغرب، والتي تتضخّم فيها الوظيفة الدعوية والتربوية على الوظيفة السياسية، مع اجتماع هذه الوظائف داخل الهيكل التنظيمي الواحد، وهو ما أثّر عليها سلبًا: قوةً وانتشارًا، وألبسها جلباب الغموض في تحديد هويتها التنظيمية والفكرية: هل هي أحزابٌ سياسية أم جماعاتٌ دعوية؟                 6/ تجربة الاستقلالية التامّة بين السياسي والدعوي: وهي رؤيةٌ نظرية أكثر منها نموذجًا واقعيًّا، وهي الذهاب إلى استقلالية الحركة الاسلامية التّامة وتفرّغها الكلّي للعمل التربوي والدّعوي وعدم منافستها على الحكم، وعدم انخراطها في الصراع السياسي والتنافس الانتخابي، وجعل نفسها على مسافةٍ واحدة من جميع الأحزاب السياسية، مع عدم إغفالها للخطّ السياسي ودعمها لأيّ حزبٍ أقرب إليها في المشروع والرؤية، وهي تختلف عن السّلفية أو جماعة الدعوة والتبليغ بإيمانها بالعمل السياسي من الناحية التصوّرية والفكرية، وقدرتها على تحريك وعائها المجتمعي لصالح هذا الحزب أو ذاك، بل وتأثيرها على القرار السياسي للبلاد، وخاصة فيما يتعلق بالهوية والثوابت وقضايا الأمة.

 

تعليق