لم يكن سهلاً على “حركة مجتمع السّلم” أنْ تشارك في استحقاقيْن انتخابييْن (الانتخابات التشريعية، والانتخابات المحلية)، وتنظّم استحقاقيْن تنظيمييْن كبيريْن (مؤتمر الوَحدة، والمؤتمر الديمقراطي السّابع) في أقلّ من سنة، ومع ذلك فقد أبانت تجربتُها الواقعية ورصيدُها التاريخي على قدرتها الفائقة في كسب رهان هذه الاستحقاقات، بالرّغم من البيئة السّياسية والقانونية والانتخابية الصّعبة.

وقد تابع الرأيُ العام، ورافقت مختلفُ وسائل الإعلام مجريات التحضير وعقد المؤتمر الاستثنائي السابع للحركة أيام: 10، 11، 12 ماي 2018م بالقاعة البيضاوية بالجزائر العاصمة، وبقِي السّؤال مطروحًا: ما الجديد في هذا المؤتمر؟ حتى يأخذ هذا الزّخم وهذا الاهتمام؟

*أوّلاً: تجذير الممارسة الدّيمقراطية:

على الأحزاب السياسية – التي تطالب السّلطة بالحرّيات والديمقراطية – أن تكون قدوةً عمليةً في ذلك، وممّا ميّز الحركة في الاستحقاقات الانتخابية والتنظيمية هو حرصها الشديد على الممارسة الديمقراطية الداخلية في أبهى صورها، والالتزام الصّارم بقانونية الإجراءات، انطلاقًا من المناقشة والمصادقة على مشاريع أوراق المؤتمر في مجلس الشورى الوطني، ولائحة انتخاب المندوبين ونِسب تمثيلهم، إلى المناقشات المسؤولة والجادّة من قِبل الجمعيات العامة البلدية والندوات الولائية والندوات والمتخصّصة، إلى انتخاب مندوبي المؤتمر – محليًّا – بطريقةٍ ديمقراطيةٍ وشفّافة، إلى المناقشات القويّة داخل المؤتمر والمصادقة على لوائح الحركة، إلى الانتخابات الحرّة والشفّافة لأعضاء مجلس الشورى الوطني من قِبل مندوبي الولايات والمؤسّسات والجالية والكتلة البرلمانية، إلى انتخاب رئيس الحركة ونائبيْه، ورئيس مجلس الشورى الوطني ونائبيْه بالاقتراع السّري من قِبل أعضاء مجلس الشورى الوطني، البالغ عددُهم: 332 عضوًا.

ولقد كان لانتخاب رئيس الحركة رمزيةً ديمقراطيةً خاصّة، حيث كان التنافس قويًّا وجدِّيًّا بين الدكتور: عبد الرزاق مقري (الذي تحصّل على: 241 صوتًا من أصل: 329، أي بنسبة: 73%)، ونائبه السّابق الدكتور: نعمان لعور (الذي تحصّل على: 84 صوتًا من أصل: 329، أي بنسبة: 27%.).

كما أنّ نتائج هذه المنافسة الشّريفة أعطت صورةً جماليةً لديمقراطيةٍ حقيقية، تعكس هذا التنوّع والثراء في الأفكار والرّجال.

*ثانيًّا: التدقيق في الرّؤية السّياسية والتوجّهات الكبرى:

لطالما كانت “حركة مجتمع السّلم” مثارًا لجدلٍ كبيرٍ حول هويّتها السّياسية وتوجّهاتها العامّة ومنهجها التغييري، وخاصّة فيما يتعلّق بموقعها السّياسي بين “المشاركة” و”المعارضة“، على خلفية حالة الاستقطاب وجدلية الحضور الإعلامي لقيادات الحركة وقناعاتهم المختلفة.

ومن إنجازات هذا المؤتمر هي: حالة التوافق العام والانسجام الكبير في ضبط هذه المفاهيم، وأصبح المنادون بالمشاركة يؤكّدون أنه ليس المقصود بها – بالضّرورة – المشاركة في الحكومة، بل تعني الحضور السّياسي للحركة.

ولقد ضبط المؤتمِرون هذه المفاهيم في البرنامج السّياسي، إذ جاء في باب: المفاهيم، فصل: التوجّه السياسي العام واستراتيجية المشاركة: “حركة مجتمع السّلم حركةٌ سياسية شعبية إصلاحية شاملة، تعتمد على منهجٍ تغييريٍّ سلميٍّ وسطيٍّ معتدل..“، “تعتبر الحركةُ المشاركةَ في العملية السياسية توجّهًا حضاريًّا…“، “وهي في كلِّ ذلك تعمل في إطار استراتيجية المشاركة السياسية بمفهومها المجتمعي الواسع والشامل، والتي تعني: المشاركة في الشأن العام، في كلّ مستوياته وبكلّ أنواعه..“، و”ترى الحركة أنّ معيار المشاركة في الحكومة أو اختيار موقع المعارضة تتحكّم فيه العملية السّياسية والانتخابية..“، “فمعارضة الحكومة أو المشاركة فيها – كلاهما بهذا المعنى – خيارٌ من خيارات استراتيجية المشاركة السّياسية الجادّة..”.

وبذلك أحال المؤتمرُ مسؤوليةَ صناعةِ واتخاذِ القرار في ذلك إلى “مجلس الشورى الوطني“، حسب نتائج العملية السّياسية والانتخابية، والظّروف العامّة التي تمرّ بها البلاد.

*ثالثًا: التخصّص الوظيفي:

تعتبر “حركة مجتمع السّلم” من الحركات الإسلامية الشّمولية في التنظيم، شمولية الإسلام الذي تعمل له، فقد استوعبت كلّ وظائفها الأساسية: السياسية والفكرية والدعوية والتربوية والاجتماعية والمجتمعية: الشبابية والنسوية والطلابية والنقابية في هيكلٍ تنظيميٍّ واحد.

وإذا كان هذا التنظيم الهرَمي صالحًا في ظروفٍ وفي سياقاتٍ تاريخيةٍ معيّنة، فقد أصبح متعذِّرًا الاستمرار عليه الآن، وهو ما أشار إليه البرنامج السّياسي في الفصل الثاني، أنّ هذه التخصّصات أصبحت غير مستوعَبة في الهيكل الواحد، بما يستدعي إعادة تنظيم الوظائف ومراجعة أنماط تسييرها، بما يساعد على التطوير، ويحقّق مستهدف الانفتاح والانتشار، وعدم الاختلال في التوازن والتكامل بينها، وهو النّهج المفضّل لتجسيد شمولية الفكر، باعتماد التخصّص الوظيفي، عبر مؤسّسات المجتمع المدني، الحاملة لتلك الوظائف، بحيث: تتخصّص في التأسيس، وتتنوّع في الاهتمام، وتتكامل في النشاط، وتتوازن في الوظائف، وتتلاقى في المرجعية، وتجتمع في التشبيك، ويتمّ الرّبط التنظيمي بينها عن طريق التمثيل في مجلس الشورى، والرّبط الوظيفي عن طريق التمثيل في مجلس المؤسّسات: ولائيا ووطنيا.

إنّ هذا التنظيم الشّبكي هو الذي سيؤدّي إلى الاحترافية والتخصّص والتفرّغ لهذه الوظائف الأساسية، بحيث لا تطغى وظيفةٌ على أخرى، ويكون التخصّص فيها حسب الاختصاص والرّغبة والميول للأفراد.

إنّ هذا التجديد الوظيفي هو الذي ينسجم مع طبيعة المرحلة التاريخية التي تمرّ بها الحركة الإسلامية المعاصرة، بالانتقال من مرحلة الصّحوة إلى مرحلة النّهضة، بسبب انجذابها الكلّي نحو العمل السياسي، واهتمامها الكبير بالشأن العام، والمشارفة الواضحة على الوصول إلى الحكم، عن طريق الحزب السياسي المدني العصري البرامجي، وتفرّغ المؤسّسات المتخصّصة إلى نشر الوعي وترسيخ القيم والمحافظة على الهويّة في المجتمع..

هذا المسار التجديدي الذي أقرّه المؤتمر الخامس سنة: 2013م، ووُضعت له الخطّة الخماسية، بتأسيس المؤسّسات المتخصّصة، وهو ما تجسّد خلال العهدة الماضية، وأصبح للحركة: 11 مؤسّسة وظيفية: باعتمادها، وقياداتها، وهياكلها الوطنية والولائية.

*رابعًا: تخفيف الشّروط التّنظيمية والتّربوية:

لطالما اتُهمت حركة مجتمع السّلم بأنها حركةٌ نخبوية، منغلقةٌ على نفسها، ومتمركزةٌ على ذاتها، وعاجزةٌ عن الانفتاح والانتشار، وفي حالة احتباسٍ عن البُعد الشّعبي والجماهيري.

ويعود السّبب الرئيسي في ذلك إلى طبيعتها التنظيمية، التي تجمع بين طبيعة الحزب السّياسي وعقلية الجماعة الدعوية الإيديولوجية، وإلى شروطها التربوية، التي يُشترط فيها العبور على: 09 مراحل تربوية، للارتقاء في: 04 درجاتٍ للعضوية، وهي: العضو، المناصر، الملتزم، العامل، بالتزامٍ تربويٍّ وماليٍّ وحرَكي، وبمؤشراتٍ وملامحٍ عالية النِّسبة، قد تصل إلى درجة المثالية في التديّن: فكريًّا وروحيًّا وسلوكيًّا، والتي قد تستغرق سنواتٍ طويلةٍ للارتقاء التنظيمي، والتمتّع بحقّ الترشّح والترشيح فيها.

وقد تمظهرت هذه المرونة التنظيمية في تخفيف شروط الترشّح لرئاسة الحركة، حيث تمّ تخفيض السّن من: 40 سنة إلى: 35 سنة، ومن: 10 سنوات عضوية في مجلس الشورى الوطني إلى: 05 سنوات. ونتيجةً لهذه الطبيعة التنظيمية والتربوية المعقّدة للحركة فقد تمّ اعتماد مبدأ التخصّص الوظيفي، للذّهاب إلى الحزب السّياسي المدني العصري، بالشروط المخفّفة في الانتماء إليه، وخدمة البلاد بواسطته.

*خامسًا: ملف الوَحدة:

بعد تحقيق الإنجاز الاستثنائي للوَحدة بين “حركة مجتمع السّلم” و”جبهة التغيير” بتاريخ: 22 جويلية 2017م، وبعد هذه التجربة الفريدة المملوءة بالمخاوف والمحاذير، والتي واجهت فراغًا قانونيًّا في قانون الأحزاب، وحملت معها مرارات الانقسامات، وجراحات الانشقاقات، التي وقعت بعد المؤتمر الرابع سنة: 2008م، وبعد الاستفادة من هذه التجربة، والتي بيّنت هوّةً مفضوحةً بين الجانب النّظري المثالي، وبين الجانب الإجرائي الواقعي، فقد أفرد القانون الأساسي للحركة في هذا المؤتمر فصلاً كاملاً ومرِنًا لاستيعاب أيِّ وَحدةٍ تنظيميةٍ مع أيِّ حزبٍ آخر، وأحال إجراءاتِها إلى النّظام الداخلي، وصلاحيات تحقيقها إلى “مجلس الشورى الوطني“، باقتراحٍ من “المكتب التنفيذي الوطني“، دون اللّجوء إلى أيِّ مؤتمرٍ استثنائيٍّ آخر، وهو ما نصّت عليه المادة: 06 مكرّر 03: “يضطّلع مجلس الشورى الوطني بالمصادقة على الإجراءات المتعلّقة بالوَحدة، بعد اقتراح المكتب التنفيذي الوطني للآليات والإجراءات الضّابطة لذلك. يحدّد النّظام الداخلي إجراءات تكييف مسار الوَحدة في هياكل الحركة.”.

*سادسًا: ملف الأمازيغية:

أفرَد البرنامج السّياسي للحركة فصلاً كاملاً – ولأوّل مرّة – لملف الأمازيغية، والتي يعتبرها قضيةً وطنية، تندرج ضمن عناصر الهويّة الجزائرية، وهي مظهرٌ للثراء والتنوّع والتكامل، وليست قضيةً للتوتير والصّراع والتضاد، وهي مكسبٌ أصيل، يجب ترقيتها بالحوار والاعتراف بالتقصير وبالاستدراك، في إطار الانسجام الوطني، وبدون مصادَمةٍ لباقي الثوابت وعناصر الهويّة الأخرى.

وتقوم رؤية الحركة على تعلّم اللّغة الأمازيغية بالحرف العربي، وترقية حرف التيفيناغ، وتشجيع الدراسات والتظاهرات بما يعزّز القيم الوطنية والإسلامية.

تعليق