بقلم الدكتور فاروق طيفور

مسؤول الشؤون السياسية والاقتصادية بحركة مجتمع السلم

مقدمة :

سانحة الأيام المختارة والنفحات المباركة في شهور القبول والتفضيل ،وتوقيت عملية التجديد القيادي التي تمر بها الحركة اليوم وغدا، فرصة للتركيز ينبغي أن تهتبل وتستثمر في بناء او تعديل الاتجاهات وتصحيح المسارات وتصويب المقاربات واستدراك الأخطاء ،سيما إذا اخترنا الحديث الى القيادات بمختلف أصنافها ومواقعها وتخصصاتها على اعتبار ان القيادة بمثابة الرأس من الجسد تحدد الأهداف وتتجمع عندها المعلومات وتدرس وتفكر مستعينة بالكفاءات المتخصصة وتصدر التعليمات وتتابع الخطط والبرامج والمشاريع وتقييمها فبقدر ماتكون القيادة قوية ويقظة وعلى مستوى رفيع من الكفاءة بقدر ماتكون الأمة والبلاد والتنظيمات قوية وحاضرة وفاعلة ومؤثرة تساهم في نهضة الأمة وتقدمها وكلما كانت تلك القيادة ضعيفة ورديئة غير متعلمة وبينها وبين الكفاءة بون شاسع حدثت الكوارث كلها كما نراه ونشاهده اليوم للأسف الشديد على كثير من المستويات والصعد .

لكن لماذا اخترنا الحديث الى القادة ؟

لان القيادة من المسائل الهامة التي تفتقدها امتنا اليوم سيما في هذه الأزمة المتعددة الأوجه بسبب افتقادها للهدف الذي تنجذب اليه وتتلاقى فيه خطوط حياتنا ويمنحنا المنطقية والانسجام سيما اننا نعيش اليوم في وهم وخلل اسمه انتظار البطل المخلص(الفكر المهدوي) او الفرج دون عمل شيئ فالناس ترمق الشخص الذي تناط به الآمال في الخروج من التيه .

نتحدث الى القادة عن القيادة لاننا نعيش ازمة تخلف حقيقية لانكاد نرمق طريقا الى التقدم والازدهار بل أصبحت تنتشر في أوساطنا ظواهر الفساد والانتهازية وبيع الذمم .

نتحدث الى القادة عن القيادة لاننا نعيش ازمة فاعلية وكأننا لسنا خير امة أخرجت للناس عندنا قصور كبير في فن التفاعل وفن التأثير .

نتحدث الى القادة عن القيادة لاننا نحيا ازمة استشعار بثقل المسؤولية والامانة ،وعندما فقد الاستشعار جاء حب المناصب وانتشار الزعامات الورقية وعطلت الطاقات ووليت الرداءة ونطق الرويبضة ودخلت بعض القيادات في تلاسنات وصراعات لاتنتهي على حساب مشروع الامة الكبير فراحت تخطط ليس للنهضة والانعتاق ولكن لتعويق هذا وذاك وبات من العسير جمع هؤلاء على مشترك واسع يمنكنهم من تجسيد التطلعات واصبحت هذه الظواهر امراض مزمنة تمثل اعاقات حقيقة امام النهضة والتقدم .

وقديما قال الشاعر الجاهلي :

لا يصلح الناس فوضى لاسراة لهم … ولا سراة اذا جهالهم سادوا

والبيت لا يبنى الا على عمد … ولاعماد اذا لم ترس اوتاد

فان تجمع اوتاد واعمدة ….وساكن ابلغوا الامر الذي كادوا.

نتحدث إلى القادة لان حالة الاحتضار التي تمر بها النخب في الأمة تحتاج الى عملية وخز جديدة تجعل هؤلاء في حالة يقظة وصحوة وتدلهم على الطريق .

نتحدث الى القادة لاننا في مرحلة تجديد للقيادة على كافة المستويات ومن عتبة القيادة يبدا مشروع الرشد والاستخلاف .

لكن أي نوع من القادة نقصد الحديث إليهم بعبارة (إلى القادة فقط)؟

حديثنا في هذه المساحة هو فقط لمن مارس عملية القيادة في اي مستوى من المستويات سواء على مستوى الاحزاب والمنظمات المجتمعية او على مستوى القيادة الاعلامية او الثقافية او الدينية في المساجد كخطيب او إمام او على مستوى المناصب الادارية في الوزارة او الولاية او البلدية او في فضاءات مدنية وتعليمية تتعاطى مع الشأن العام ،كل هؤلاء معنيين بخطاب (للقادة فقط) على اعتبار اننا نريد ان نفتح باب الحوار والنقاش والنصيحة الى كل هؤلاء لانهم ببساطة رواد المجتمع وقادته ورموزه ،وحراكهم الايجابي سيؤثر بلا شك في البيئة العامة للمجتمع .

لماذا الرشد إذن ؟؟

لان الرشد مفردة ضوئية قرآنية وصف بها افضل الخلق من الذين اختارهم الله لصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وقادوا بعد المشروع كخلفاء راشدين وسميت بعد ذلك تلك الدوفلة التي انتشرت في الامصار بالخلافة الراشدة ، والرشد بهذا الوصف يقوم على ثلاثية ذهبية قاعدتها الفهم والعمل ورأسها الوعي وضبط العلاقة بين هذه الثلاثية هو فن يقوم به عقل راجح ومتزن وحكيم يحسن تصميم التوليفات المتوازنة من الآليات والوسائل والخطط ،حيث تصبح كل مفردة ومكون في المنظومة لها مدلولها العلمي والعملي ،فاذا حدث الخطأ تتحرك آلية التنبيه والتصحيح والتصويب آليا .

والرشد بمدلوله المعرفي يعني “ذاتية اتباع الأسباب“، فإنَّ هذه الأسباب التي تؤدِّي إلى الرشد الفرديِّ والجماعيِّ على السواء هي ذاتية، أمَّا الأسباب الخارجية فهي عارضة، لا تُلغَى مِن الحساب لكنَّها لا تغيِّر من المعادَلة شيئا، والرشد الذي نقصدة حسب النموذج التفسيري أو التحليلي الذي أبدعه المفكر عبد الوهاب المسيري في تفسيره للظاهرة السياسية وذلك لتجاوز القراءة الانطباعية وصولا إلى التحليل الحضاري هو بحث العلاقة بين الفكر والفعل، وبين العلم والعمل، وحركية الفكر والفعل لا تكمن في تحويل الفكر مباشرة إلى فعل وممارسات في الواقع بقدر ماهي إيجاد الخلطة أو الشفرة المناسبة وتوليد المعادلة الحضارية السليمة والمقاربة الفكرية الصحيحة التي يتناسب فيها فكر الإنسان فردا وأمة مع فعله ويتناغم مكنونه الحضاري الكامن مع وزنه وثقله ،فتولد لحظة الوعي واليقظة التي تصنع الحركة الايجابية والسلوك السليم في التعامل مع الواقع ونقله من لحظة الفوضى إلى النظام ومن حالة السكون إلى الحراك ومن زمن القعود والتخلف إلى زمن الصعود والتقدم،أي البحث في كيفية صياغة نموذج او منظومة لها مدخلات واضحة ومخرجات من جنسها، يتم من خلالها سرعة التصميم والشرح والتنفيذ   والتقييم ، وإبراز العيوب  وتحديد المسؤوليات في التوقيت المناسب .

والرشد هنا هو نحت النموذج الافتراضي التفسيري عن طريق معايشة الواقع المنسجم مع روح العصر، والتأمل فيه، وقراءته وتمحيصه. وبعد نحت النموذج والمنظومة نُعمل فيه الذهن والفكر لنولِّد علاقات افتراضية تبادلية ، تكثِّفه وتصقله. ثم نعود إلى الواقع فيُنيره لنا. ولكنَّ الواقع، في كثير من الأحيان، يتحدَّى النموذج فيعدِّله ويزيد كثافته وصقلَه، فحركة الرشد إذن: هي مسار ينطلق من الواقع إلى العقل، ومن العقل إلى الواقع.

ولماذا الاستخلاف بعد ذلك ؟؟

تقوم فلسفه الاستخلاف على محاوله صياغة علاقة تفاعلية بين المستخلف (الله تعالى) والمستخلف (الإنسان) والمستخلف فيه (الكون) وذلك باتخاذ المفاهيم القرآنيه الكلية( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى لها.

فالاستخلاف كمفهوم شامل أى كمفهوم حضاري ونقصد بمفهوم حضاري هنا  -الحضارة كنسق معرفي شامل يتضمن الدين والقيم و المعارف- كحل للمشكلات التنموية، حيث تطرح المقاربة العدالة الاجتماعية بمعنى(الاستخلاف الاقتصادي) المبنية على التكافل العام والتوازن الاجتماعي والوحدة بمعنى (الاستخلاف الاجتماعي) والحرية بمعنى(الاستخلاف السياسي الداخلي والخارجي) والأصاله والمعاصرة بمعنى(الاستخلاف الحضاري) كحلول لهذه المشاكل على أن تكون هذه الحلول تسبح في بحر قواعد الأصول المطلقة ومقاصد النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة.

وبناءا على هذا فان مقاربة الرشد طريق الاستخلاف هي اجتهاد لمعرفه شروط الاستخلاف في مكان معين(الأمة) وزمان معين(القرن 21)، وبالتالي سيكون حديثنا هنا عن الاستخلاف كمذهب في الفكر الإسلامي اي كمجموعة من الحلول للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا.

جي بي اس(GPS) قيادة الرشد والاستخلاف

إن عدم ادراك طبيعة العصر الذي نعيش فيه ينتج عنه ضياع البوصلة والتيه في الحياة بدون دليل على اعتبار ان معرفة الأسس التي يقوم عليها العصر الحالي هو البداية السليمة لاي حراك نحو المستقبل الزاهر للأمة وهو دور للقائد مهم لان الرائد لا يكذب أهله وهو الدليل والموجه والمقرر في أي اتجاه يسير الاتباع مهما كنت الحرفة والصنعة والمهمة التي هم مكلفين بها .ويورد ار ستيفن كوفي كلاما مهما في كتابه العادة الثامنة من الفعالية الى العظمة حيث يقول “أنا اعتقد ان هذه الالفية ستكون عصر الحكمة وسوف يكون ذلك بحكم قوة الظرف القاهر الذي يخضع الناس او من خلال قوة الضمير او ربما لكليهما.ويواصل قائلا:تذكر عصور صوت الحضارة الخمسة،التقنية التي توفرت لعصر الجمع والصيد تجسدت في القوس والسهم وفي العصر الزراعي كانت الات الزراعة وفي العصر الصناعي كانت المصانع وفي عصر المعلومات /معرفة الفرد كان الانسان وفي عصر الحكمة ستكون البوصلة والتي ترمز الى قوة اختيار الاتجاه والغاية والامتثال الى القوانين او المبادئ الطبيعية الذي لا يتغير ابدا والذي يكون عاما للناس جميعا وخالدا وبديهيا.ومع كل تغير في البنية التحتية لكل عصر يتم التخلص من 90 بالمئة من عمال هذا العصر واعتقد ان هذا يحدث الان ونحن نتحول من العصر الصناعي الى عصر المعلومات /معرفة الفرد فاما ان الناس تفقد وظائفها او انه يتم تحويلها تدريجيا بحسب متطلبات الوظتئف الجديدة ،فعصر المعلومات هذا يتحول بسرعة شديدة الى عصر معرفة الفرد الذي سيظل في حالة استثمار دائم في تدريبنا وتعليمنا لنبقى على دراية بآخر مستجد وهو تعليم سيجري على مدرسة الحياة فالذين يتمتعون بالانضباط سوف يواصلون بشكل منهجي تعليمهم الى ان يكتسبوا العقلية الجديدة ومجموعة المهارات الجديدة ليتمكنوا من توقع حقائق العصر الجديد والتعامل معها .

فإدراك العصر الجديد الذي نحن فيه هو بداية الحديث الجديد الذي يمكننا من الاستمرار في أداء الواجب ولكن بلغة ووسائل وأنماط العصر الجديد فانتبه أيها القائد لأنك تساهم في صناعة المستقبل ،وحتى تتمكن من الإحاطة بهذه المفاهيم انصح باقتناء الجزء الأول والثاني من الموسوعة التي أعمل على استكمالها ،الأول تحت عنوان منظومة الرشد في العمل السياسي وقد قدم له المفكر الشيخ راشد الغنوشي والثاني تحت عنوان الموجة الثالثة للحركة الإسلامية وقد قدم له المفكر جاسم سلطان وهما متواجدان بدار الخلدونية ودار تيديكلت بالعاصمة.

تعليق