بعد عنصر المفاجأة، وحالة الصدمة التي خلّفها قرار الانتخابات التركية المبكرة: الرئاسية والبرلمانية في: 24 جوان 2018م، بدلاً من: 03 نوفمبر 2019م، والذي أشَّر على قلقٍ مستشرَف أو ضغوطٍ حاصلة أو أزمةٍ متعدّدة الأبعاد، أو بحثٍ عن شرعية جديدة، أو معركةٍ خفيّةٍ تدور رحاها مع قوى داخلية وخارجية، واحتدام المواجهات وتصعيد التوترات معها، والتي يزعجها الصعود المتنامي للعثمانيين الجدد، والخشية من التحلّل من الإرث الأتاتوركي، والتأسيس لجمهوريةٍ جديدة، ذاتِ مرجعيةٍ إسلامية وبخلفياتٍ تاريخية وحضارية، تترجم الإصلاحات الدستورية، التي أقرّها استفتاء أفريل 2017م، بالانتقال من “النظام البرلماني” إلى “النظام الرئاسي”، وانتخاب رئيس الجمهورية – ولأوّل مرّةٍ – بالاقتراع المباشر من الشّعب، وليس من البرلمان

وهو القرار النابع من حساباتٍ حسّاسةٍ ودقيقة: محليًّا ودوليًّا، والذي اتّخذه “أردوغان” مع حليفه: الحزب اليميني المتطرّف: “الحركة القومية”، كضربةٍ استباقية، على خلفية “المؤامرات” التي تهدّد تركيا، سواء كانت التهديدات الأمنية بتصدير الإرهاب والفوضى إليها، أو تهديداتٍ عسكريةٍ من “حزب العمال الكردستاني” و”الأكراد” في شمال سوريا، وامتداداتهم وتحالفاتهم الأجنبية، أو استهداف شعبية أردوغان بالمحاولات الانقلابية الاقتصادية المتكرّرة، عن طريق ضرب قيمة الليرة، وارتفاع نسبة التضخّم، وأزمة العقار، أو تشويه الملف الحقوقي التركي، كمبرّرٍ للتدخل الأجنبي، في ظلّ علاقاتٍ معقّدة ومتشعّبةٍ ومتناقضة: مع روسيا وإيران والعالم العربي من جهة، ومع حلف شمال الأطلسي والولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني من جهةٍ أخرى، والتي كانت المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة في: 15 جويلية 2016م ذروة الحرب الكونية على تركيا الجديدة.

هذه الخطوة الجريئة والمتسارعة مع الزّمن، والتي يريد إنهاء مرحلة الشكّ الانتقالية حول طبيعة النظام السياسي، باليقين في حسم الصراع بالديمقراطية، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، والتحصّن بالجبهة الداخلية، والمخاطرة بوضع الرصيد التاريخي والتجربة السياسية لأردوغان على المحك اعتُبرت “قنبلةً” من العيار الثقيل، أصابت شظاياها القوى الداخلية والخارجية المناوئة لتركيا الصّاعدة، وأخلطت أوراقها قبل أوان استعدادها للانقضاض على “الدولة الأردوغانية الإسلامية”، الممتدة في جذور الدولة السّلجوقية والعثمانية، وقد استبق بها حالة التراجع في الاقتصاد، وامتصاص الغضبة الغربية عليه، وهو يرسّخ “قيامة أردوغان”، محاكاةً لـ: “قيامة أرطغرل”.

وهي القوى المدمنة على استهداف انجازات “حزب العدالة والتنمية” وطفرته الحضارية: سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، والذي يقود تجربةً ونموذجًا متمرّدًا على النّظام الدولي الليبرالي المتوحّش، وخروجًا على قواعد اللعبة العالمية المرسومة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واسترجاعًا لتركيا المختطَفة منذ سقوط الخلافة العثمانية سنة: 1924م، والدلالات الرّمزية لاستمرار “أردوغان” وإصراره على البقاء في الحكم إلى غاية سنة: 2023م، في ظلّ نظامٍ رئاسيٍّ وبصلاحياتٍ واسعة، وهو ما ألهب الحرب الدائرة بين تركيا والغرب بضراوةٍ قاسية، للإمعان في ظلم الجغرافيا والتاريخ.

فلا يزال التاريخ يحتفظ بتنازلات “كمال أتاتورك” عن أملاك الإمبراطورية العثمانية في ثلاث قارات، في اتفاقية معاهدة “لوزان” (1923 – 2023م) مع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وهي الشروط الخطيرة والمجحفة للسيطرة على تركيا لمدّة: 100 سنة كاملة، ومنها: إلغاء الخلافة العثمانية، ونفي السلطان عبد الحميد الثاني وأسرته، ومصادرة جميع أموال الخلافة، وإعلان علمانية الدولة، ومنع تركيا من التنقيب عن البترول على أراضيها، واعتبار مضيق البوسفور ممرٍ مائيٍّ دولي، لا يحق لتركيا تحصيل أيةَ رسومٍ عليه.

هذه الانتخابات المتزامنة: الرئاسية والبرلمانية، التي يخوضها “حزب العدالة والتنمية” ولأوّل مرّةٍ منذ تأسيسه سنة: 2001م، هي الأصعب والأخطر على تركيا بكلّ المقاييس والمعايير، والمعقّدة والمختلفة تمامًا عن سابقاتها في تاريخها الحديث، وكأنّها ليست شأنًا داخليًّا، بل شأنًا دوليًّا بامتياز، لها أهميةٌ استثنائية، أهمية تركيا ومحوريتها في المنطقة والعالم، والتي تأتي في ظلّ تركيزٍ عالٍ من الاصطفافات السياسية والأيديولوجية داخل تركيا وخارجها.

هي خطوةٌ ذكيّةٌ في “التزامن”، قلِّصت هامش المناورة والاستدراك عليه، وأحرجت الخصوم والمناوئين بعنصر المفاجأة، وهو الذي رتّب أوراقه في الشهور الماضية بإعادة هيكلته، وتطهير صفوفه من المتردّدين في الإصلاحات الدستورية بالذهاب إلى النظام الرئاسي، والتخلّص من العناصر المشكوك في ولائها للتنظيم الموازي “جماعة الخِدمة”، التي يتزعّمها “فتح الله غولن” من أمريكا، والمتّهمة بتولّي كِبْر “المحاولة الانقلابية الفاشلة”.

كما أنها تُعدّ الانتخابات التي تُقنَّن فيها “التحالفات الانتخابية”، وهي خطوةٌ ذكيةٌ ومرونةٌ سياسيةٌ أخرى أظهرها حزب العدالة والتنمية، الذي تراجع وفقَدَ الأغلبية البرلمانية منفردًا، ولكنه أثبت فوزه بها عن طريق هذا “التحالف”، وهي رسالةٌ تحذيريةٌ ومبطّنةٌ له، وتضعه في موقع المرهون لدى “الحركة القومية” في البرلمان، رغم تحرّره منه في الرئاسة، وهي تؤشِّر على خارطةٍ سياسيةٍ جديدة، تخرج “حزب العدالة والتنمية” من محاولات الاستفراد به والتحالف ضدّه والتراجع له، وإعطاء المبرّر الانتخابي لإسقاطه، بعد فشل المحاولات الانقلابية: العسكرية والاقتصادية، وتبدّد الصورة النّمطية لنظام الحاكم الفرد لأردوغان، والتفريق بدقةٍ بين “التحكّم” و”التفرّد”، بتوسيع القاعدة الشّعبية والسياسية لمؤسستي الرئاسة والبرلمان، وقد تمكّن المجتمع التركي من دمج العلاقة الفريدة والمؤكدة بين شخص أردوغان ومستقبل تركيا، بما يضمن نصاب بقائه في الحكم، بعيدًا عن الضجيج الغربي في حديثه عن ديكتاتورية الرجل أو دولة الحكم الفردي له.

ويُعتبر نجاح “أردوغان” في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كأوّلِ رئيسٍ في ظلّ النظام الرئاسي، فوزٌ عابرٌ للقارات، وميلادٌ جديدٌ للدولة التركية، بعيدًا عن الإرادة الغربية، وهو تحوّلٌ كبيرٌ يطال الدولة والمجتمع والفرد، بل له قوةٌ تأثيرية في المنطقة والعالم، وهو ما يُعتبر قفزةً كبيرة، وانتقالاً سلسًا، وبأعلى درجات الشفافية المتطابقة في المعيارية مع ثمرة النضالات الطويلة للتحوّل والتزاوج بين استشراف الماضي الحضاري العثماني واستشراف المستقبل النّهضوي الأردوغاني، وبإرادةٍ شعبية قويّةٍ وحقيقة، وبنسبةِ مشاركةٍ واسعة، تقارب: 90% من الناخبين، الذين يُقدّر عددهم بحوالي: 56 مليون ناخب، في: 81 ولاية، و: 180 ألف صندوق، وبحملةٍ انتخابيةٍ نظيفة، وتنافسيةٍ شريفة، وفي أجواءِ عرسٍ ديمقراطيٍّ يعتزّ بالقومية التركية العالية لدى الجميع، يؤكد على رسالة الشعب التركي، التي أظهرها للعالم وبعث بها إلى جميع المراقبين: المحبّين والمتربّصين، وهي: مدى اهتمامه بالديمقراطية الحقيقية، وباستمرارية الإنجاز نحو المستقبل، وبالقطيعة مع الحقبة الأتاتوركية البائدة.

وبالرغم من “حضارية المنافسة الانتخابية” إلا أنها بدَت وكأنّها “معركةٌ لكسر العظام” بين التيارات الفكرية والسياسية المتناقضة، كمعركةٍ مصيريةٍ ووجودية، أشعلتها حالة الحماس التفاعلي معها، ملأت فيها الجيوش البشرية الساحات والميادين، وشغلت العالم بها، بجماليةٍ تنافسيةٍ قويّة، كأن لم تشهدها تركيا من قبل.

إنّ نجاح ملحمة التجربة الديمقراطية التركية هي ليست نجاحًا لأردوغان أو لحزب العدالة والتنمية، بل هي نجاحٌ لتركيا وللشعب التركي، ولكلّ الشعوب التوّاقة إلى الانتقال الديمقراطي، وهي نموذجٌ للحداثة الإسلامية، ومثالٌ آخر للتجربة الديمقراطية الإسلامية بعد ماليزيا، استقطبت إليها كلّ هذا الاهتمام والتفاعل والمتابعة والشعور العاطفي والتماهي الوجداني مع قصص النّجاح الباهرة، تعتبر إلهامًا قويًّا أمام خيبات الأمل المستنسخة في العالم العربي.

هذا الإنجاز الأردوغاني كان بمثابة الانفجار النووي بقُطْر الكرة الأرضية، له تداعياته في التعاطي معه، وساق إلى مآلاتٍ واقعيةٍ تفرض نفسها، ومنها:

_ احترام تركيا بهذا الصعود الذي فرض نفسه، في المعادلة الدولية: سياسيًّا واقتصاديًّا وحتى عسكريًّا، وهي الآن من الأوزان الثقيلة التي لا يمكن إغفالها في القرار العالمي، والتي أصبحت ملهمةً للبعض، ومعرِّيةً للبعض، ونِدّيةً للبعض الآخر.

_ قبول هذه القوة الإسلامية الإقليمية السّنيّة في المعادلة الدولية وعدم تجاوزها، بعد سقوط كلّ محاولات تقويضها من الداخل ومن الخارج، وهو ما سيكون أملاً لهذه الأمة في مواجهة المخططات التدميرية الخبيثة، ومنها تصفية القضية الفلسطينية وبيع القدس الشريف، وهو ما يترجمه هذا الهلع الصهيوني والموقف العدائي من أردوغان، وقد اعترفت الصحف العبرية بأنه الأمل الوحيد للفلسطينيين في المنطقة.

_ هذه الانتخابات أسقطت دعاوى الخوف من الديكتاتورية الأردوغانية في الماء، بعد تصويره بنموذج الفرد المنتخَب والمستبِد في نفس الوقت، إذ لا تتوفر عناصر وخصائص الحكم الديكتاتوري في هذه الحالة التركية، بحكم بقائه في الحكم بطريقةٍ دستوريةٍ وديمقراطية، ولم يحصل إلا على: 52% من أصوات الناخبين، فلا يستقيم عُود الحكم الفردي الآحادي والتسلطي بوجود تعدديةٍ حقيقية، وأحزابٍ قوية، ومنافسةٍ انتخابيةٍ شرسة، ومشاركةٍ شعبيةٍ واسعة، وحركيةٍ تنمويةٍ فعلية، وتنوّعٍ فكريٍّ وإيديولوجيٍّ واضح.

_ هذه الانتخابات أنْهَت مرحلة الشكّ في طبيعة النظام السياسي، وطوَت مرحلةً زمنيةَ طويلةً من النظام البرلماني، وقطعت هذا الشك باليقين في النظام الرئاسي عن طريق الإرادة الشعبية، رغم الجدل الكبير حوله، والفارق البسيط في الاستفتاء حوله في أفريل 2017م، وهو ما سيعطي الرئيس أردوغان مرونةً وسرعةً في اتخاذ القرارات مهما كانت مؤلمةً وقاسية، وهو المتحصِّن الآن بهذه الشرعية الجديدة، في بيئةٍ إقليميةٍ ودولية معادية، وبيئةٍ محليةٍ معقّدة ومهدَّدة في الثقة والاستقرار والإنجاز.

 

تعليق