لعلّ صفة الغموض وحالة الاحتباس أمام رئاسيات 2019م هي من أبرز مظاهر الأزمة التي تعاني منها الجزائر حاليًّا، فلا يُعقل أننا أمام أهمّ استحقاقٍ إنتخابي، ولا يزال الجميع: “موالاة” و”معارضة” في حالة الخوف والترقّب، وذلك لارتباط هذا الاستحقاق بأهمّ وأخطر منصبٍ في البلاد، وهو منصب رئيس الجمهورية، بما يتمتّع به من صلاحياتٍ واسعةٍ ومطلقة، في ظلّ نظامٍ فوق رئاسي، وما يترتّب عن ذلك من التمتّع بالصلاحيات، والتحكّم في السلطات، والتأثير على المؤسسات، والتوجيه للمسارات.

ويعود السّبب في ذلك إلى الحصيلة السياسية السلبية لحكم الرئيس: عبد العزيز بوتفليقة، باعتماده على قوى متحالفة وجوديًّا معه، ابتداءً من “المؤسسة العسكرية” التي جاءت به، والتي استطاع ترويضها والسّيطرة عليها، لكونه وزيرًا للدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلّحة كشرطٍ مسبقٍ لمجيئه، إلى الغطاء الدولي الخارجي والتحالف العضوي مع المؤثّرين في صناعة القرار في الجزائر، وتحديدًا: فرنسا وأمريكا، وتقاسم النفوذ والتبعية والمصالح معها، إلى “أحزاب الموالاة” التي تحوّلت إلى أجهزةٍ تابعةٍ وفاقدةٍ للسّيادة والاستقلالية والديمقراطية الداخلية، إلى خلق لوبيات المال السياسي الفاسد، المرتبطة نفعيًّا ببقائه، وما قضية “الكوكايين” إلا مثالٌ بسيطٌ عن حجم ونوعية الفساد الذي وصلت إليه البلاد.

وكانت النتيجة هي تصحير الحياة السياسية عن طريق: تزوير الانتخابات، وتصفية الخصوم، والانتقام من المنافسين، وتسيير البلاد بالفساد، وفرض منطق الولاءات بدل الكفاءات، وتوظيف ريع المحروقات لضمان نصاب البقاء في الحكم، واسترضاء الفواعل الخارجية به.

وتحوّلت الجزائر من شعار: الدولة التي لا تزول بزوال الرجال، إلى الدولة المرتبطِ مصيرُها بالشخص، مع تماهي الشخص في السلطة والدولة وصفات الألوهية، والوصول إلى الحالة الفرعونية، التي يُقال فيها لنا جميعًا: “ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد“.

ومن الجنون السياسي الحالي دعوة الرئيس “بوتفليقة” إلى “العهدة الخامسة”، ووضعها كعصا في عجلة الرئاسيات القادمة من أجل شلّ الجميع، وعدم إعطاء أيِّ فرصةٍ لأحدٍ للاستعداد والمنافسة، وهو الذي أُعطِيت له الفرصة الكاملة في الحكم لمدة “عشرين سنة” منذ: 1999م.

وبالرّغم مما توفّرت له من الإمكانات والصلاحيات والبحبوحة المالية إلا أنه عجز عن “صناعةِ قصةِ نجاحٍ تنمويةٍ ونهضويةٍ حقيقية” للبلاد، تشفع لها الأرقام وفق المعايير الدولية، من حيث: نسبة النمو، وتنويع الاقتصاد، وحجم الصادرات خارج المحروقات، وتخفيض نسبة الاستيراد، وقيمة العملة الوطنية، ونسبة التضخم، ومستوى الدخل الفردي، وحجم احتياطي الصرف، ووضعية الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وحجم الاستثمارات الداخلية والخارجية، وحجم المبادلات التجارية، ناهيك عن حجم مساهمة “الصناعة” و”السياحة” و”الفلاحة” و”الخدمات” في الاقتصاد الوطني، دون الحديث عن الجودة في التعليم والصحة والخدمة العمومية..

ونتيجةً لفقدان الثقة في العملية السياسية عمومًا، والعملية الانتخابية خصوصًا، فقد وصلنا إلى حالة العزوف، التي تغتال القاعدة الدستورية: أنّ الشعب هو مصدر السّلطة، وأنّ السلطة التأسيسية مِلْكٌ له.

وهو ما جعل الجميع في حالة الشّلل بالحسم في ملف رئاسيات 2019م، وخاصة عندما يتمّ التلويح بمهزلةٍ انتخابيةٍ أخرى تُسمّى: العهدة الخامسة.

فأحزاب الموالاة والشخصيات الوطنية المحسوبة على النّظام لا تملك الشجاعة السياسية، ولا الجرأة على المنافسة، ولا السّيادة والاستقلالية في القرار لمنافسة “بوتفليقة”، في ظلّ هذا العنف السياسي بفرض سلطة الأمر الواقع، ومحاولة تمرير العهدة الخامسة كما فُرِضت بها العهدة الرابعة، وخاصة عندما تُوظّف “مؤسسات الدولة” لهذا الغرض، وقد كنّا شُهودًا على استغلال منبر البرلمان بغرفتيه – كمؤسسةٍ سياديةٍ وتشريعية – للدعوة إلى “العهدة الخامسة”، تحت غطاء الدعوة إلى الاستمرارية، في الكلمات الختامية لغلق الدورة البرلمانية من طرف رئيسي المجلسين، وهي مهزلةٌ سياسيةٌ بامتياز.

وبالرغم ممّا يتوفّر عليه أرشيف الخزانة القديمة للنظام من المرشّحين المحتملين، إلا أنّ معركة كسر العظام وحالة الصراع داخل أجنحة السلطة وحالة الاستقطاب بين أجهزة ومؤسسات الدولة تجعلهم جميعًا يحبسون أنفاسهم على قرارِ شخصِ “عبد العزيز بوتفليقة”، الذي جعل متناقضات هؤلاء جميعًا تصبّ في صالح حالة الإجماع حوله والعودة إليه، رغم وضعه الصّحي الحرج، والذي لا يؤهّله للبقاء في منصب رئيس الجمهورية.

أما أحزاب المعارضة والشخصيات الوطنية المعارِضة فهي لا ترى فرصةً للمنافسة الحقيقية، في ظلّ الترويع بالعهدة الخامسة، على اعتبار حالة الانحياز والتحكّم في الانتخابات ونتائجها المسبقة، من طرف مؤسسات الدولة لصالح مرشّح السّلطة معلومة، وخاصة خطورة انحياز “الإدارة” و”الأسلاك النظامية” له.

المشكلة ليست في عدد العهدات الرئاسية، وبالتالي ليست المشكلة في “العهدة الخامسة”، وإنما في نزاهة آلية الوصول إلى الحكم، وفي مشروعية أداء السلطة فيه، فلو كانت الانتخابات نزيهة والإنجازات حقيقية ومقنعة فلا اعتراض على العهدة الخامسة أو غيرها، مثلما يحدث مع “ميركل” في ألمانيا، أو “أردوغان” في تركيا، أو “بوتين” في روسيا.

ولابدّ من التذكير بأنّنا عارضنا الرئيس بوتفليقة، وهو في كامل قواه السياسية، وفي زمن البحبوحة المالية، وقبل وعكته الصّحية المزمنة، وتموقعنا ضدّه بسبب: الإخفاق في التنمية، وحجم الفساد، وانعدام الإرادة الحقيقية في الإصلاحات السياسية والاقتصادية.

فإذا أضفنا عامل “المرض”، والعجز عن أداء المهام الدستورية الكاملة، فإنّ موقفنا أقوى صدقيّةً وأكثر مشروعية، وهو موقفٌ سياسيٌّ لارتباطه بمنصب الرئيس، وليس موقفًا شخصيًّا ضدّه كإنسان.

وأمام هذا الوضع غير المشرّف للجزائر، فنحن أمام سيناريوهات رئاسية محتملة، ومنها:

1-  تحقيق مبادرة الإجماع والتوافق الوطني: والتي لا تختلف حولها المبادرات والأفكار السياسية المطروحة من بعض الأحزاب والشخصيات الوطنية، ومنها: مبادرة حركة مجتمع السّلم، والتي تحمل إسم: مبادرة التوافق الوطني الرئاسي، لتكون رئاسيات 2019م فرصةً للحلّ وليست استمراريةً للأزمة برؤيةٍ شاملة، يمكن التوافق حولها بين السّلطة والمعارضة، حول مرشّحٍ رئاسيّ توافقيّ، وكذا التوافق على منصب الوزير الأول، وحكومة توافقٍ وطنيّ، برؤيةٍ سياسية واقتصادية ومسارٍ ديمقراطي توافقي، لفترةٍ زمنيةٍ يمكن الاتفاق حولها والتوقيع عليها.

2- المقاطعة الشاملة لهذه الانتخابات، وخاصة من الأحزاب والشخصيات الوطنية الفاعلة، والطعن في شرعيتها ومصداقيتها، حتى ولو شاركت فيها بعض الأرانب، مع يقيننا بأنّ تكلفة هذه المقاطعة ستدفع الجزائر والشعب الجزائري ثمنها لوحده، كما هو حادثٌ مع نتائج العهدة الرابعة، على اعتبار أنّ استمرار هذا الوضع ستكون نتائجُها كارثية، ولا يخدم إلاّ زبانية السّلطة من النّفعيين والوُصُوليين.                                                                          3_ سيناريو الدّفع بالمشاركة المتعدّدة فيها، رغم الحرج من مهزلتها في ظلّ العهدة الخامسة، بشرط مشاركة الأحزاب الكبيرة والشخصيات الثقيلة من الموالاة ومن المعارضة، وذلك لإحداثِ زخمٍ شعبيٍّ واختراقٍ سياسيٍّ لصالح البلاد، يُبنى عليه الحراك السياسي المستقبلي.

تعليق