تبقى مشاركةُ أيِّ حزبٍ سياسيٍّ في أيِّ استحقاقٍ انتخابيٍّ هي الأصل، وهي من آليات إثبات حضوره ووجوده وانتشاره في الساحة السياسية، ومحطةٍ من محطات الاحتكاك الشعبي له، بعرض برنامجه ومصداقيته على الإرادة الشعبية، كرؤيةٍ بديلةٍ ومنافِسةٍ للسلطة القائمة، وهو ما اهتدت إليه البشرية وما وصل إليه العقل الإنساني، بالاحتكام إلى الانتخابات للتعبير عن إرادة الأمة، والوصول إلى الحكم بطريقةٍ شرعية، تفرض عليه تحمّل المسؤولية في تجسيد ما يدّعيه من البرامج والمشاريع والسياسات والخيارات التي يبشّر بها الرأي العام.

وتُعتبر المشاركة في الانتخابات أو مقاطعتها من القضايا الاجتهادية والتقديرية، وهي لا تكتسب صفة القطعية أو الحدّية أو الإطلاقية، فهي قضيةٌ نسبيةٌ، تحتمل الخطأ والصواب، حسب المعطيات والمتغيّرات والظروف، وحسب الغايات والمقاصد من كلّ موقفٍ أو خيار.

والذي يُطمأنّ فيه هو الاحتكام إلى القرار الجماعي المؤسّسي، الذي تذوب فيه الشّخصانية والأنانية والذاتية.

وتُعتبر “حركة مجتمع السّلم” من الحركات الإسلامية التي حسمت خياراتها الفقهية والسياسية في تبنّي منهج الوسطية والاعتدال، عبر المشاركة السياسية العامة من أجل الإصلاح والتغيير، وذلك بالاعتقاد الجازم أنّ الوصول إلى الحكم من أجل نقل الفكرة من المجتمع إلى الدولة، ومن أجل تحقيق التنمية وصناعة النهضة وبناء الحضارة لا يكون إلا عن طريق الدولة، وبالاحتكام إلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات، ولا يمكن تحقيق ذلك بالمناهج التغييرية الأخرى، مثل: الانقلابات العسكرية أو التدخلات الأجنبية أو الثورات الشعبية أو اللجوء إلى المناهج العنفية.

مع إيماننا بأنّ نتائج الانتخابات والاحتكام إلى الشّعب لا يكفي لوحده لتحقيق التمكين، دون التمكّن من كسب المعركة الأخرى على مستوى جبهة النخبة الفاعلة والمؤثرة في الدولة، مثل: الجيش والقضاء والإدارة والإعلام والمال، ومراعاة العامل الخارجي وفق التوازنات الإقليمية والدولية.

ولقد كانت للحركة تجربةً تاريخيةً في المشاركة في الانتخابات الرئاسية سنة: 1995م، والتي واجه فيها الشيخ محفوظ نحناح – عليه رحمة الله تحدّيًّا فقهيًّا وحركيًّا مع قادة الفكر وقيادات العمل الإسلامي في مدرسة الوسطية والاعتدال، كما واجه تحدّيًّا داخليًّا من أبناء الحركة الإسلامية في الجزائر عمومًا، ومن جزءٍ من أبناء حركته خصوصًا، إضافةً إلى تحدّي مواجهة مرشّح العسكر، في أجواءٍ مشحونةٍ بالصراع الإيديولوجي ضدّ الإسلاميين، وفي بيئةٍ أمنيةٍ خطيرةٍ من الأزمة التي كانت تمرّ بها البلاد آنذاك، بتبنّي البعض للحلول الاستئصالية، وخيار العنف من أجل الوصول إلى السلطة أو من أجل البقاء فيها.

ومع ذلك فقد كانت لتلك المشاركة أهدافٌ مقاصديةٌ تتجاوز عدم واقعية الفوز بمنصب رئيس الجمهورية، في ظلّ توازناتٍ محلّية وإقليمية ودولية لا تسمح بذلك.

وبالرّغم من الضريبة الباهضة التي دُفعت، على خلفية فوز الشيخ نحناح – عليه رحمة الله بتلك الانتخابات والتزوير الفاضح لها، وحالات الانتقام على مستوى الأفراد والبلديات والولايات والمؤسسات التي صوّتت لصالحه، أو على مستوى استهداف الحركة ورئيسها مستقبلاً، سواءٌ في التعديل الدستوري سنة: 1996م، أو حجم التزوير في الانتخابات التشريعية والمحلية سنة: 1997م لصالح الحزب الناشيء “الأرندي”، أو بإقصاء الشيخ من الترشّح في الانتخابات الرئاسية لسنة: 1999م، والذي هو تعبيرٌ صريحٌ بعدم القبول بالحركة كشريكٍ أو بديلٍ أو حلٍّ وسطٍ في ظلّ الصّراع القائم آنذاك.

إلا أنه كانت هناك أهدافٌ ونتائجٌ استراتيجية تحقّقت من المشاركة في رئاسيات 1995م، ومنها:

1_ الإصرار على استئناف المسار الإنتخابي بعد توقيفه سنة 1992م، والذهاب إلى شرعية مؤسسات الدولة عبر الإرادة الشعبية، وليس بفرض الأمر الواقع بشرعية مكافحة الإرهاب والتطرّف، واستعمال العنف من أجل الوصول إلى السلطة أو من أجل البقاء فيها.

ولأنّ العمل السياسي نسبيٌّ، فإنّ المنطق يقبل بالشرعية المنقوصة والمعطوبة أفضل من انعدامها أصلاً.

2_ ترجيح كفّة الحلّ السّياسي والسّلمي على جنون الحلول الأمنية والاستئصالية، وتكريس ثقافة الاحتكام إلى الإرادة الشّعبية على حساب ثقافة الاحتكام إلى شرعياتٍ أخرى.

3_ تحرير الحركة الإسلامية في الجزائر من خطر تعميم صفة العنف والإرهاب عليها، وترجيح كفّة مدرسة الوسطية والإعتدال على حساب التطرّف، وسحب ذريعة استهداف الإسلام والإسلاميين تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

4_ إعطاءُ فرصةٍ للأغلبية الشعبية المحافظة (الوطنية والإسلامية) للتعبير عن إرادتها، وإثبات التوجّه العام للشّعب الجزائري، وتمسّكه بالحل السياسي السّلمي، ضمن التوجّه الوطني – الإسلامي الوسطي المعتدل، بالرّغم من حجم الاستهداف والضغط التغريبي الاستئصالي.

5_ هذه الانتخابات حقّقت وَهَجًا شعبيًّا وبُعدًا جماهيريًّا وحضورًا قويًّا للحركة على الساحة الوطنية والدولية، تجاوز الوعاء الانتخابي للجبهة الاسلامية للإنقاذ سنة: 1991م، بحصول الحركة – رغم التزوير – على نسبة: 25%، أي ما يفوق: 3.2 مليون صوت، وهو ما بوّأها موقع الرّيادة للتيار الإسلامي والمحورية في الحياة السياسية.

6_ هذه الانتخابات الرئاسية أعطت فرصةً حقيقيةً للشيخ محفوظ نحناح – عليه رحمة الله ليصبح شخصيةً معياريةً ورئاسية، وهو ما تمّ التعامل به وعلى أساسه: معه ومع الحركة لسنواتٍ طويلة، ولا يزال هذا الرصيد التاريخي يشفع للحركة في بُعدها الوطني وقيمها السياسية إلى الآن.

ومع إيماننا بأنّ السّياق التاريخي والظروف العامّة والمبرّرات المطروحة ستكون مختلفةً بين “رئاسيات 1995م” وبين “رئاسيات 2019م“، إلاّ أنّه من غير المعقول ألاّ يُفتح النّقاش المبكّر، بكلِّ جديّةٍ ومسؤوليةٍ حول هذا الاستحقاق المهم والخطير، ضمن سيناريوهاتٍ محتملةٍ لابدّ من التفكير بصوتٍ مرتفعٍ فيها، ومنها:

1/ سيناريو نجاح مبادرة التوافق الوطني، ومساندة الحركة لمرشّحٍ توافقي: فما مدى واقعية هذا الخيار؟ وما مدى إمكانيتُه في ظلّ غياب التوافق بين أجنحة السّلطة، وإصرار الموالاة على شخص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مع مؤشرات تراجع خيار العهدة الخامسة، واستبعاد قبول المعارضة والرأي العام لها؟ وخاصة في ظلّ غياب الرؤية التوافقية: السياسية والاقتصادية وضمانات الانتقال الآمن، وأفق الوصول الحقيقي إلى الوضع الديمقراطي، الذي تتنافس فيه الأحزاب على أساس الأفكار والبرامج، وحياد مؤسسات الدولة أمام المتنافسين؟..

….. يُتبع.

تعليق