تميّزت حركة مجتمع السلم بسلوكٍ وفكرٍ توافقيٍّ معروف، ويشهد لذلك التاريخ الحافل من المبادرات الجادة منذ التسعينات، كاستجابةٍ لاحتياجات وضرورات كلّ مرحلةٍ تمرّ بها البلاد، ولا يزال التاريخ يحتفظ بالعديد منها منذ بداية التعديية، فقد دعت في بيانٍ لها في سبتمبر 1989م إلى توحيد كلمة الأحزاب الإسلامية، ثم تقدّمت بنداءٍ لتحالفٍ وطنيٍّ – إسلاميٍّ ضدّ المؤامرات التي تُحاك ضدّ الثوابت والصحوة الإسلامية والمسار الديمقراطي سنة: 1990م، إلى أن تأسّست الحركة تحت إسم: “حركة المجتمع الإسلامي” – حماس في: 30 ماي 1991م، بعد الوقوف على حالة الانفلات والصدامية وخطورة التوجّهات المتطرفة والخيارات المسلّحة لبعض الجماعات الإسلامية، على خلفية الانقلاب على نتائج الانتخابات المحلية سنة: 1990م، ونتائج الانتخابات التشريعية سنة: 1991م، فكان لابدّ للحركة من “التمايز” لإنقاذ “النموذج الإسلامي” من تهمة الإرهاب وشبح الاستئصال، وطرح البديل الوسطي المعتدل، الذي يؤمن بالتغيير السلمي المرحلي والمتدرج عبر المشاركة السياسية، وعودة المسار الانتخابي، والاحتكام إلى الشعب وليس إلى السلاح.

فأصدرت الحركة بيانًا تدين فيه توقيف المسار الانتخابي، كما تدين فيه اللجوء إلى العنف، ورفعت شعارًا أنّها: “ضدّ العنف من أجل الوصول إلى السلطة أو من أجل البقاء فيها“، كما ميّزت بين “الدولة” ووجوب الوقف معها، خوفًا من التقسيم والانهيار، وبين “النظام” و”السلطة”، ووجوب معارضتها – معارضةً إيجابيةً وسلمية، وأصدرت – ضمن مجموعة السبعة – في: 25 أفريل 1992م (03 أشهر بعد توقيف المسار الانتخابي) تصريحًا تعارض فيه “المجلس الأعلى للدولة” في إجراءاته غير الشرعية، وتدعوه إلى فتح منطق المصالحة الوطنية: باحترام الحريات وحقوق الإنسان، وفتح حوارٍ وطني، وإعلان رزنامةٍ لتنظيم الانتخابات، وتشكيل حكومةٍ قادرة على تحقيق ذلك، ثم كانت وثيقة الأحزاب الأربعة لإنجاح الحوار الوطني بداية جانفي: 1994م، ثم وثيقة ندوة الوفاق الوطني نهاية جانفي: 1994م، ثم وثيقة العقد الوطني منتصف جانفي 1995م، ثم مشروع الصلح الوطني سنة: 1995م، ثم المشاركة في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 1995م لإعادة المسار الانتخابي، وشرعنة مؤسسات الدولة – ولو بشرعيةٍ معطوبة، فهي أفضل من عدم وجودها أصلا، ثم الدعوة إلى جدارٍ وطني سنة: 1997م، ثم وثيقة الائتلاف الحكومي في أفريل 1999م، ثم مشروع المبادرة من أجل ترقية الوئام المدني سنة: 2000م، ثم عقد التحالف الرئاسي في: 16 فيفري 2004م.

ثم كانت مبادرة “ميثاق الإصلاح السياسي” بعد المؤتمر الخامس لها سنة 2013م، ثم المشاركة في مبادرة “الانتقال الديمقراطي” للمعارضة مجتمعة سنة 2014م، ثم بدأت تطرح مبادرة “التوافق الوطني” ابتداءً من الجامعة الصيفية سنة 2016م، بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 2017م، وعبّرت صراحة على استعدادها للمشاركة في حكومةٍ توافقيةٍ إذا توفّرت ثلاثة شروط فيها، وهي: انتخاباتٌ تشريعية ذات مصداقية، وكتلةٌ برلمانية محترمة، ورؤيةٌ سياسية واقتصادية توافقية، ونظرًا لما تعرّضت له تلك الانتخابات من التزوير الفاضح، فقد تعذّر تجسيد تلك الرؤية، ومع ذلك لم تتوقف الحركة عن ممارسة سلوكها التوافقي، فعرضت مرّة أخرى خطوطًا عريضةً لمبادرة “التوافق الوطني”، وأجرت سلسلةًً من اللقاءات والمشاورات قبيل المؤتمر السابع للحركة في ماي 2018م، ومراعاةً لهذا الاستحقاق التنظيمي وعدم إلزام أيِّ قيادةٍ جديدةٍ بها فقد كانت ملزمةً أخلاقيًّا بعدم الإعلان عن تلك اللقاءات والمشاورات، وبعد المؤتمر – مباشرةً – باشرت الإعلان الرّسمي عن هذه المبادرة بطاقمها القيادي الجديد.

وبالرغم من ردود الفعل المتباينة حولها فلا زلت متمسّكين بها، وهي مبادرةٌ وطنية وليست حزبية، وهي متفتّحةٌ على كلّ الملاحظات والمواقف وردود الفعل حولها، وهي ليست نهائيةٌ حتى نتحدّث عن مصيرها، ونعتقد أنّ الجميع معنيٌّ بها: أحزابًا ومؤسساتٍ ومجتمعًا مدنيًّا، وهي ترقى إلى مشروعٍ وطنيٍّ كبير، تشتغل عليه مع مَن لديه الرغبة والقناعة بالتوافق الوطني، كمخرجٍ من الأزمة الحالية متعدّدة الأبعاد، واستشرافٍ لأزمةٍ مستقبلية خطيرة – لا قدّر الله، وهي تستفيد من هذا الحراك السياسي حولها، لتطويرها والوصول بها إلى المساحات المشتركة.

ومن الطبيعي أن تتباين وُجهات النظر حولها من طرف الأحزاب والمؤسسات والشخصيات، لأنها وِجهةُ نظرٍ من حزبٍ سياسيٍّ لا يزعم لنفسه احتكار الصواب أو امتلاك الحقيقة الكاملة في تشخيص الأزمة وسُبل الخروج منها.
والإتصالات والمشاورات هي التي تنضج المبادرات والمشاريع والرؤى التوافقية الجماعية.

وهذه المبادرة لا يمكن إعدامها بمخالفة أو معارضة جهةٍ ما لها، فهي ستأخذ بُعدًا سياسيًّا مع الأحزاب، وبُعدًا رسميًّا مع المؤسسات، وبُعدًا مجتمعيًّا مع الهيئات والمنظمات، وبُعدًا شعبيًّا مع الرأي العام، وبُعدًا عموديًّا يجمع بين المستوى الوطني والمحلي، بالذهاب بها إلى الشعب.

وهي مبادرةٌ كغيرها من المبادرات الكثيرة السابقة، نعلم أنّ نجاحها مرتبطٌ بتوفر الإرادة السياسية المجتمعة بين المعنيين بها، وهي ليست مرتبطةً بإرادتنا فقط، ونحن جادّون وصادقون ومصرّون على نجاحها، ويكفينا فيها: تقديم الأسباب والقيام بالواجب وتبرئة الذّمة وإقامة الحجة، وهي ستدخل في رصيد التجربة السياسية، وتراكمية مسار المبادرات، ومحاولات الإصلاح في البلاد، وهي لا تخلو من تحقيق العديد من الأهداف.

ونعتقد أنه قد تمّت محاولة الانحراف بالنقاش حولها، وتأويل بعض المقترحات فيها، وهي لا تزال خطوطًا عريضة، ولم نتحدّث بعدُ عن تفاصيلها وآلياتها من وجهة نظرنا، والحوار بين المعنيين بها هو الذي يزيل الغموض أو المخاوف أو التحفّظات حولها، لأننا لا نريد فرض تصوّرنا عنها، ومن الطبيعي أن المبادرة التوافقية تتطلب التفاوض والتنازل والبحث عن المساحات المشتركة، وأنّ الاختلاف في وُجهات النظر هي ظاهرةٌ صحّية وحقيقة واقعية، ونحن نتعاطى إيجابيًّا معها.

وإذا لم نصل إلى حلٍّ توافقي بمناسبة رئاسيات 2019م كفرصةٍ حقيقةٍ للجزائر، فنحن معنيون بهذه الانتخابات، وسنضغط باتجاه الانتخابات التعددية والمفتوحة، والآفاق السياسية والديمقراطية لها، وسنكون على موعدٍ للاختبار العملي لعدم انحياز مؤسسات الدولة لمرشّح السلطة، وسنستمر في المقاومة السياسية، وستكون تشريعيات 2022م فرصةٌ أخرى لها، ولابدّ من الاستعداد الكامل لها والجاهزية القصوى لاغتنامها.

والذين يجزمون بأنّ ردّة فعل المؤسسة العسكرية هو إعدامٌ للمبادرة هم يتّهمون الجيش ضمنيًّا بالتدخل في الحياة السياسية والحزبية، وهذا غير صحيح، ونحن لا نقصد ذلك، بل نقصد أيَّ جهةٍ تدّعي أنه بمعارضتها للمبادرة هو إعدامٌ لها.
لأنها ببساطةٍ غيرُ مرتبطةٍ بجهةٍ واحدة، بل هي مفتوحةٌ أمام الجميع إلا مَن أبى.
وهي ممتدةٌ في الزّمن، غير مرتبطةٍ بسقفٍ معيّن، وسنتكيّف مع تطوّرها إيجابًا أو سلبًا.

إنّ الذي نرجوه ألاّ يُقحم الجيش – مرة أخرى – في الحديث عن المبادرة، لأن حديثنا عن ضمانته بعد توافق الجزائريين عليها هو جزءٌ مكمّل للمبادرة وليس هو الأصل فيها، لأننا نتحدث عن التوافق الوطني وليس مجرد التوافق السياسي، ولذلك لابد من التركيز على الأصل وهو مضمون المبادرة، وليس الجدال العقيم في المختلف فيه..

وقد لا نختلف مع بعض الأحزاب في التشخيص، إلاّ أننا نتفهّم الاختلاف معهم في وجهات النظر في الحل، ومن الطبيعي أن تختلف الأحزاب فيما بينها، وهو مظهرٌ من مظاهر التعددية، ولابد أن يكون ذلك في إطار احترام الرأي والرأي الآخر، ونحن نترفّع عن إصدار أحكامٍ أو توجيه اتهامٍ لأحدٍ في مقارباته وخياراته السياسية، والحوار لا يكون إلا بين المختلفين، وبه نصل إلى المساحات المشتركة، ونحن لم ندع إلى التدخل المباشر للجيش، وقد أثبتت تجاربُ الانتقال الديمقراطي في العديد من الدول نجاحها بمساهمة جميع مؤسسات الدولة في ذلك، ونؤمن جازمين بأنّ تكريس ثقافة الاستماع إلى بعضنا ستضيء نقاط الظلّ وتذيب الجليد بيننا كسلطةٍ ومعارضة، وتقرّب بيننا في مساحات الاختلاف، بعيدًا عن الأبراج العالية في التخاطب عبر وسائل الإعلام.

تعليق