السّنة الهجرية الجديدة: 1440 هـ، الموافقة لـ: 11 سبتمبر 2018م، وكعادتها من المحطّات التاريخية المفصلية في تاريخ الأمّة، والتي لا يسعنا الواجب العلمي فيها إلا الامتثال للواجب الشرعي في التأمّل والتدبّر في الخلاصات والنتائج السُّننية الثابتة لحركة التاريخ الناطق، الممتدّ في الزمان والمكان، والذي هو منجمٌ زاخرٌ وعطاءٌ من التجارب لا ينفذ للولوج إلى المختبر البشري، والتحرّر من الجفاء في معرفة هذه السنن الإلهية، والتناغم معها لصالح المسيرة الإنسانية، يتزوّد بها أصحاب الأفكار والمشاريع والدعوات، كنوعٍ من أنواع الاستشراف، وهو: استشراف الماضي، والذي هو من أخصّ خصائص التفكير الاستراتيجي، فقال تعالى عن هذا التكليف الإلهي العلمي: (قد خَلَت من قبل سُنن، فسيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة المكذّبين.)(آل عمران: 137). ذلك أنّ المؤمن لا يعيش قطيعةً مع التاريخ، أستاذ البشرية. والهدف من هذا السير العلمي هو التوغّل في العمق التاريخي، بعيدًا عن الدراسات التاريخية العاطفية والسطحية، والتي تغرق في الفكر الماضوي، وتختبئ وراء قصص الأوّلين، وتتغنّي بأمجاد الغابرين، وتتلهّى بالترف الفكري الجامد في اللحظة التاريخية، فيفرض الواجبُ: النّظرَ إلى الماضي بنظرةٍ علمية، تفيد الحاضر وتستشرف المستقبل، ولا تعيد استنساخ الأخطاء، والسّماح بتكرارها وامتدادها وتسلّلها إلى الحاضر، وإفسادها وتشويشها على المستقبل. ولا يكون ذلك إلا إذا ارتقى المتأمّل في التاريخ من “عالم الأشخاص” إلى “عالم الأحداث” إلى “عالم الأفكار”، وهي اللفتة القرآنية الدقيقة واللطيفة في قوله تعالى: “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” (الأعراف:176)، ولا يكون ذلك إلا بالنظرة العلمية والعقلية، وبالسلوك المنهجي الموضوعي المتجرّد، وبالفكر المتحرّر من الخلفيات والأحكام المعلّبة، والتي لا يستطيعها إلا سلطان العلم والعقل، كما قال تعالى: “لقد كان في قصصهم عِبرةٌ لأولِي الألباب.”(يوسف:111). والعبرةُ مأخوذةٌ من العبور، أي العبور من الطرف المعلوم وهو ظاهر الأحداث، إلى الطرف المجهول وهو معرفة الحقيقة التاريخية، وإدراكُ سرِّ السّنن الإلهية، التي تحكم حركة الإنسان في الحياة.
وهو ما يجسّد الانتقال الآمن للأفكار، ويحقّق النقلة الهائلة من مرحلةٍ إلى أخرى، لتحريك الوعي وإذكاء نار الفاعلية وإيقاظ الشعور بالمسؤولية وتحصيل الحصانة الثقافية والحضارية ضد الإستيلاب الحضاري أمام الآخر، وهو الهدف القرآني من هذا الضّخ التاريخي المكثّف للقصص، والذي بلغ ثلث القرآن الكريم، لرسم السّير المنهجي لأهل الإصلاح والتغيير والتمكين على بصيرة.

1/ الهجرة هي قمّة السّلوك التعبدي بالقيم والأخلاق: والتي يجب أن يصطبغ بها أهلُها، لإنجاح الأفكار والمشاريع، كما قال تعالى: “صبغة الله، ومَن أحسن مِن الله صبغة، ونحن له عابدون.”(البقرة:138)، والمتمثّلة في: المخاطرة والتضحية بالمال والأهل والأرض في مكّة، من أجل التمكين للفكرة والمشروع، بالبحث عن أرضٍ حاضنةٍ له في المدينة، وهو ما ينفي التّهمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أنّ الهدف من “ادّعاء حمْل الرّسالة السّماوية” هو مجرد الوصول إلى السلطة، واستغلال الدّين لأغراضٍ سياسية، والتعطّش لارتداء عباءة الزّعامة والاختباء وراء المقدّس، كما قيل عن سيّدنا موسى عليه السلام: “وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ”(غافر:26)، وقيل له صلى الله عليه وسلّم، في المساومة على صدقية المشروع ومصداقية حامله: (إن كنت تريد مُلْكًا ملّكناك.). هذه المخاطرة التي تمّ تصويرها، تصويرًا قرآنيًّا بديعًا، يهزّ القلوب ويحرّك المشاعر، في قوله تعالى: “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبِتوك أو يقتلوك أو يخرِجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين” (الأنفال:30)، وهو التآمر بقتله جماعيًّا، حتى يتفرّق دمُه بين القبائل. وهو ما يرسّخ حقيقةً لازمةً في أصحاب المشاريع الكبرى في الحياة، وهو تحمّل جزءٍ من المخاطرة في سبيل هذه الأفكار والمشاريع، والتي لا تخلو من المضمون السياسي لها، وهوا ليس عيْبًا أو جريمةً في ذلك. وبقدر ما توحي الآيةُ الكريمةُ بهوْل التهديدات: (ليُثبِتوك: أي السّجن والاعتقال)، أو (يقتلوك: أي التصفية والاغتيال)، أو (يخرِجوك: أي النّفي والإرحال)، بقدر ما تبعث على نوعٍ من الطمأنينة النادرة، وهي: الشعور بوجودِ قوّةٍ خفيّةٍ، والإحساس المفعم بمعيّةٍ إلهية: “.. ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين”، وهي صورةٌ عميقةٌ من السّخرية المفزعة في الصراع بين الإرادات، في قالَبٍ متشبّعٍ بالتشويق والإثارة، وهو: المكر الصّاخب، والخداع الخفي، والتآمر العنيف، بين قوةٍ بشريةٍ تافهة، وبين إرادةٍ إلهيةٍ قاهرة. وإنّ علماء النفس ليثبتون أنّ نفسية الكاذب وشخصيته المزيّفة وأفكاره المصطنعة لا تكاد تصمد أمام الأهوال والمواقف الصّعبة، لكنّ القرآن الكريم يرسّخ صفةً متأصّلة في رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وهي: الثبات في المواقف، والثقة التّامة في الله، والتوكّل الحقيقي عليه وحده. ومع أنه قدّم كلّ الأسباب البشرية الممكنة في نجاح الهجرة، وبكلّ أنواع العلم، من الإحصاء والتخطيط والتدبير في الخروج من مكة، إلا أنّ ذلك لم يكفِ في وصول المشركين إليه، على مسافة الصّفر في “غار ثور”، فلم يكن بينه وبين الموت إلا خيط العنكبوب، وأبو بكرٍ الصّديق رضي الله عنه يقول: (لو نظر أحدُهم إلى شِراك نعله لرآنا..)، والحبيب المصطفى يقول له بكلّ ثقةٍ وثبات: “إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.”(التوبة:40).

2/ الهجرة هي سيرٌ بمشروعٍ حضاري: وفق تخطيطٍ استراتيجي، وإحداثِ نَقْلةٍ نوعيةٌ له، وذلك بالانتقال من فقه الجماعة إلى فقه المجتمع، ومن فقه الدعوة إلى فقه الدولة، ومن العمل الاستراتيجي على مستوى خطّ المجتمع، إلى الكفاح السياسي على مستوى خطّ السلطة، والسير بالمشروع والتمكين له عبر تكامل العمل المجتمعي في مكة، بترسيخ القيم والعقيدة والفكرة، مع العمل السياسي في المدينة، بترسيخ أركان الدولة ومباشرة التشريع واستشراف النّهضة. ولم تكن تلك الهجرة المكانية من مكة إلى المدينة إلا بعد تلك الهجرة المعنوية، في القلب والفكر والاعتقاد، والتي عالجها الوحي المكي، بكلّ تلك القسوة التي عانى من أجلها الصحابة رضوان الله عليهم، وهم يُمتحنون في صدقها ورسوخها، وقد تعرّضوا إلى كلِّ أنواع الأذى والاضطهاد والتعذيب والاستهزاء والحصار في شِعاب مكة.
هذا المشروع هو ما اجتهد في تجسيده، وفق الرؤية الواضحة له، فقد هيّأ المدينة لقيام الدولة، بالمعايير والأركان السياسية المعاصرة، وهي: _ الإقليم الجغرافي الحاملٍ للفكرة: والهجرة إليه في الوقت المناسب.
_ الدستور: وهو ثيقة المدينة، وهي دستور الدولة الناشئة، التي تحدّد المهام والصلاحيات، وتضبط العلاقات بين الشّعب الواحد، على اختلاف جنسياته وثقافاته وأديانه (المسلمين: مهاجرين وأنصار ومنافقين، واليهود، والمشركين). _ مؤسسات الدولة: بالاهتداء إلى ترسيخ ثقافة الدولة وبناء مؤسساتها، وعلى رأسها – في ذلك الوقت – بناء المسجد ذو البُعد الرسالي، فهو مكان العبادة، والتعليم، والقضاء، والشورى، وبعثات الجيش، ومكان اللعب والترفيه، مثل: قصة أبناء الحبشة وهم يلعبون فيه. _ وَحدة الشّعب: وتجلّى ذلك في: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وجعْلِ أهل المدينة – بكلّ مكوّناتها الدينية والإثنية – يدًا على مَن سواهم. وهي ثورةٌ قانونية وسياسية في ذلك الوقت، لا يزال الفِكر السياسي المعاصر لم يرقَ إلى ذروة التسامح الديني والتعايش السّلمي والعيش المشترك مثلها.. إنّ أيَّ فكرةٍ لا يُكتب لها النجاح الحقيقي والتمكين الفعلي إلا إذا انتقلت من “الفرد” إلى “المجتمع” إلى “الدولة”، لصناعة النّهضة وقيام الحضارة، وهو ما خطّه الإمام الشهيد حسن البنّا – عليه رحمة الله في ركن “العمل”، من الأخ المسلم عن طريق: (إصلاح النفس، وتكوين البيت المسلم، وإرشاد المجتمع، وتحرير الأوطان من كلّ سلطانٍ أجنبي: سياسي أو اقتصادي أو روحي، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميةً بحقّ، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وأستاذية العالم حتى لا تكون فتنةً يكون الدّين كلُّه لله..). وما الهجرة إلا سيرٌ بهذا المشروع، وفق هذه المراحل المتزامنة والمتكاملة.

تعليق