إن السيرة النبوية قبس من كتاب الله العزيز الذي لا تنقضي عجائبه، فهي كالقرآن الكريم يتجدد فهم مواضيعها وتتنوع حكمها ودروسها لمن يقتفون أثرها ويستنون بهديها كلما تعمّق وطال سعيهم في  الميدان وعلى أرض الواقع لتحقيق رسالتها. وإن من أعظم فقرات السيرة النبوية هجرته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم من مكة إلى المدينة كحدث عظيم غيّر وجه الأرض إذ بها بدأ التأريخ لأمة الإسلام ومنها انطلق المسلمون لبناء دولتهم التي صنعت نهضة المسلمين وحضارتهم. إن الدروس التي يمكن أن نستفيدها من الهجرة النبوية كثيرة ومتنوعة وحين التأمل في شأنها من زاوية سنن التغيير وتحديات الإصلاح يتضح بأن عملية التغيير تتطلب تحولين كبيرين، الأول  ذاتي  نحن مأمورون به، والثاني خارجي لا نتحكم فيه ولكنه يكون حاسما في عملية الإصلاح إذا استشرفناه وصادف أوانه تهيئتنا الذاتية له وفق قوله تعالى في سورة آل عمران: ((قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137)هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140))).

أما التحول الأول فهو القيام بما أمرنا به من عمل وإعداد وتضحية على هدى وبصيرة، وعمل إصلاحي عميق من داخل الذات الفردية والجماعية وفق قوله سبحانه في سورة الرعد: ((لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) )) .

وأما الثاني فهو ما يتعلق بالتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية والنفسية والفكرية التي تحدث في زمن  ما  فتجعل المرحلة مرحلة تغيير، حتى إذا ما صادف ذلك وجود فئة من الناس قد تهيأت لهذه التحولات وجعلت نفسها في المكان المناسب تكون مؤهلة لقيادة التغيير وتحقيق الإصلاح.

هكذا كان الحال دوما في تاريخ حركات الإصلاح الناجحة، وهكذا كان الحال في قصة الهجرة التي كانت ميعاد انتقال رسالة المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى مستوى الدولة التي وضعت أسس النهضة فالحضارة الإسلامية. لم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم إقامة الدولة في مكة لأن موازين القوة لم تكن في صالحه رغم جدية الإعداد والتضحيات الجسيمة التي قدمها عليه الصلاة والسلام ومعه الطليعة الأولى من الصحابة رضوان الله عليهم. لقد كانت قوة الصد السياسية والاقتصادية التي واجهته ووحدة صف الصادّين الذين حاربوه ومن حالفهم وانقاد لهم في جزيرة العرب أكبر مما يتناسب مع إمكان التغيير الحاسم. غير أن رسول الله عزم على نقل المشروع إلى مكان آخر تتحمل أوضاعه بناء الدولة التي كان ينشدها إذ أدى الذي عليه من الإعداد البشري والمادي والاستشراف وتهيئة الأرضية بإرسال السفراء والدعاة إلى يثرب وكسب الأنصار وإقامة التحالفات، ومع كل ذلك ما كان له أن ينجح لو لا حدوث تحولات كبرى قبل هجرته غيرت التوازنات كلها في البلاد المقصودة. لقد تعددت أزمات يثرب قبل أن تنعم بالإسلام، وكانت الأزمة الكبرى والأخيرة التي فتحت المجال لترحيبها برسول الله صلى الله عليه سلم هو إفناء كبّار المدينة لبعضهم بعضا من أوس وخزرج ويهود. لقد كان يوم بعاث الذي تواجه فيه الخزرج مع حلفائهم أشجع وجهينة، والأوس مع حلفائهم بني ثعلبة وبني زاعوراء ومزينة وقبائل اليهود من بني قريظة وبني النضير يوم فناء زعماء يثرب إذ قُتل قادة الخزرج وعلى رأسهم “عمر بن النعمان”، وقُتل زعماء الأوس وعلى رأسهم “حضير الكتائب” فلم يبق من شيوخهم وعتاتهم سوى عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج الذي لم يكن موافقا على الحرب ولم يشارك فيها فحافظ على علاقته مع الجميع. ولما جنح الأوس والخزرج إلى السلم اتفقوا على أن يعيدوا بناء كيانهم التقليدي عازمين على جعل عبد الله بن أبي بن سلول ملكا عليهم جميعا. غير أن تلك الأحداث العظيمة وفناء حراس النظام القديم جعل القيادة الفعلية في أيادي الشباب فتحرر هؤلاء الشباب ووجدوا في رسالة الإسلام وجهة جديدة تخرجهم من أزماتهم وفتنهم وحروبهم ومن كيد اليهود وهيمنتهم على المال والأسواق فجاء بهم مصعب بن عمير إلى رسول الله فبايعوه وجاؤوا به إلى يثرب وقد تهيأت له، فدخلها بسلاسة وبنى فيها دولته. لم تكن حرب بعاث سوى تتويج لانحدار سحيق كانت تتجه إليه يثرب، إذ كان العرب في قتال مستمر بينهم وكان اليهود يُسعّرون تلك الحرب بلا هوادة عبر عقود من الزمن إلى درجة أنهم عارضوا قرار الأوس بعدم ملاحقة الخزرج حين انهزموا في بعاث إذ قال أحد الأوسيين: “يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب”. ولعل هذا التصرف البغيض المتمثل في استمرار بني النضير وبني قريظة في ملاحقة مقاتلي الخزرج وهم ينهزمون انتقاما منهم على ما وقع بينهم في النزاع على الأرض قبل بعاث تسبب في قطيعة نهائية أبدية بينهم وبين الأوس والخزرج على السواء، وذلك كذلك من تهيئة دخول يثرب عهدها الجديد. كما أن الهيمنة اليهودية على الأسواق وإثقالها سكان يثرب بالديون الربوية وسيطرتهم على الأراضي الخصبة والعلاقة المتميزة والمتينة بينهم وبين عبد الله بن أبي بن سلول المراد تتويجه لإعادة بناء النظام القديم الظالم الخاضع للهيمنة الاقتصادية اليهودية جعل الشباب الذين أضحوا طرفا أساسيا في موازين القوة يسارعون إلى اعتناق الفكرة الجديدة التي تدعو إلى التوحيد والأخلاق الفاضلة وبناء نظام سياسي واقتصادي واجتماعي جديد يقوم على العدل والحرية والمساواة بين الناس، عربِهم وعجمِهم، فقيرِهم وغنيهم، أسيادِهم وموالِيهم.

لقد كان يوم الهجرة التقاء بين الإعداد الجاد والطويل الذي انتهجه أصحاب الرسالة الجديدة وتغيرات خارجية جوهرية لم يكونوا طرفا فيها جرّت النظام القديم في يثرب إلى الضعف والترهل بما لم يجعله قادرا على مواجهة القوة الصالحة الصاعدة. وهذا الذي وقع في يثرب وأدى إلى إقامة دولة الإسلام الأولى هو ما وقع في كل التحولات الكبرى أثناء انتقال الإسلام من المجتمع إلى الدولة، ومن الدولة إلى النهضة، ومن النهضة إلى الحضارة. لعل الكثير من الناس لم ينتبهوا إلى الأسباب التي جعلت الإسلام يقضي على الدولة الساسانية الفارسية في القرن الهجري الأول في عهد عمر الخطاب، والأسباب التي جعلتهم لم يستطيعوا إنهاء دولة الروم إلا في القرن التاسع الهجري في عهد محمد الفاتح العثماني. لم يكن فتح المدائن وبعدها معركة نهاوند وما سبقهما من انتصارات ضد الفرس في القادسية وأخواتها سببه قوة الفاتحين وصلاحهم وحسن إعدادهم فقط، لقد كان ذلك الطرف الأول في معادلة الفتح الذي استحقوا به النصر والتمكين، ولكن لو لا الطرف الثاني في المعادلة المتعلق بترهل الدولة المفتوحة وصراعاتها الداخلية وفساد حكمها وضعفها الاقتصادي رغم غناها وشساعتها لما نعمت تلك الربوع برحمة الإسلام. لقد قام المسلمون بواجبهم فلم يفرطوا في ركن من أركان الإعداد المؤهلة للتمكين فثبتوا على دينهم بعد وفاة نبيهم المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام، وواجهوا حركة الردة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عبر حروب طاحنة لم يعرفها العرب من قبل ساهمت أساسا في بناء جيش إسلامي عصري له القدرة الكاملة على مواجهة الجيوش العظيمة للفرس والروم مستقبلا، ثم سعوا لبناء دولة جديدة عادلة وقوية في عهد عمر بن الخطاب برؤى فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية جديدة حتى أضحوا جاهزين لتوجيه رسالتهم للجوار الدولي عبر حركة الفتوحات التي حققوا فيها في ربع قرن من الزمن ما لم تفعله أية أمة من قبلهم. إن التحولات الكبرى التي كانت تحدث في داخل البلاد التي يقصدها المسلمون في تبليغ رسالتهم أثرت كثيرا في طبيعة الإنجاز من حيث السرعة والحسم. ولئن كان الإنجاز سريعا حاسما في اتجاه العاصمة الساسانية للأسباب التي ذكرناها، فإنه كان بطيئا وغير حاسم في اتجاه القسطنطينية العاصمة الرومية البيزنطية التي بدأت تُعقد بشأنها الألوية ـ تيمُّنا بالتبشير النبوي بفتحها ـ جيشا بعد جيش وقائدا بعد قائد منذ الخليفة معاوية بن أبي سفيان إلى أن فتحها محمد الثاني الذي وصل إليها بعد مسيرة طويلة من الفتوحات العثمانية وضمن ظروف دولية كانت فيها الدولة البيزنطية في أسوء حالها لم يبق لها من أقاليمها سوى مدينة القسطنطينية الحصينة وما حولها.

إن خلاصة هذا المقال التأملي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية هو أن دولاب التغيير في شأن الدول يخضع لسنن لا تتبدل تتعلق بالبيئة الخارجية التي يتحرك فيها المصلحون والتي لا يملكون فيها إلا أنفسهم وما يقومون به، وما هم إلا جزء بسيط في ذلك الدولاب العظيم الذي لا قبل لهم به. غير أنهم إن أدوا الذي عليهم فأعدوا أنفسهم أحسن الإعداد، في حدود ما يستطيعون، دون أن يكون مطلوبا منهم أن يصلوا إلى مستوى قوة الدول التي يريدون إصلاحها أو تغييرها فإن الدولاب العظيم ينصفهم إن وجدهم في المكان المناسب باستشرافهم وتضحياتهم وإنجازاتهم. وإن لم يصادف ما يقوم به جيل من أجيال المصلحين زمن التغيير فإن عملهم لن يذهب سدا إذ هو مسجل عند الله وفي التاريخ ضمن مسيرة التغيير التي يمكن استشراف زمن الحسم فيها ولكن لا يعرف أجلها على وجه الدقة سوى الله تعالى أعلم العالمين.

إن إشارات القرآن الداعية إلى القيام بالواجب دون تفريط، وبالقدر المستطاع، مع التسليم لله في ما يتعلق بأوان التوفيق والنصر والتمكين، ومع حسن الظن بالله بأنه لا يضيع أجر المحسنين كثيرة منها:

ـ قوله تعالى في سورة هود: ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.88)).

ـ وقوله سبحانه في سورة التوبة: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون.105)).

ـ وقوله جل جلاله في سورة يوسف: ((قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. 108)).

ـ وقوله تعالى في سورة الأنفال: ((وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ .60)).

ـ وقوله عز وجل في سورة آل عمران: ((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .26)).

ـ وقوله جل في علاه في سورة النور: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.55)).

ـ وقوله تبارك اسمه في سورة محمد: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ 7 )).

ـ وقوله سبحانه تعالى في سرة هود: ((وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117))).

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

تعليق