إنّ تشبّع أيَّ أمةٍ بزخم المناسبات الدينية والتاريخية ما هو إلا تعبيرٌ على تدفّق الرّصيد التاريخي لها على الحاضر والمستقبل، وما هي إلا وَمضاتٌ إشعاعية في حياتها، والتي هي نفحاتٌ إلهيةٌ يفيض بها على مَن يشاء من الأمم والشّعوب.

هذا الإصطفاء الزّماني هو ما عبّر عنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم بقوله: أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله المحرّم.، وهو الشّهر الذي تزاحمت فيه مناسبة رأس السّنة الهجرية، كتأريخٍ لأهمِّ منعطفٍ تاريخيٍّ في الأمّة، بالانتقال من “الدعوة” في مكة إلى “الدولة” في المدينة، ومنها إلى “صناعة النّهضة” و”بناء الحضارة” و”أستاذية العالم”، مع مناسبة “عاشوراء”، التي كانت منعطفًا تاريخيًّا آخر لنبيٍّ من أنبياء الله تعالى وهو موسى عليه السلام، في حسم المعركة مع النّظام العالمي الفرعوني القديم، يوم نجّى الله موسى وقومه من فرعون وجنوده، في العاشر من شهر الله المحرّم.

وهي المناسبة التي ينفجر منها عبَق التاريخ، وتنبعث منها رائحة الإنجاز بترجيح كفّة الصراع لصالح الرّسالة السّماوية على حساب المشاريع الأرضية.

ولا يوجد ما تُخلّد به هذه القِطع الزّمانية النورانية بمثل تحريك الشّعور وتعميق الإحساس بقيمتها الرّمزية، فيأتي التكليف الإلهي بالتماهي في العبودية، عن طريق تفاعل الرّوح وحضور القلب والعقل معها، وهو ما نستشفّه من تشريع الصيام ليوم عاشوراء، في لفتةٍ لطيفةٍ لانتصار الرّوح على الجسد، بما يعظّم شعائر الله يؤهّل الإنسان إلى الإقبال عليه، فيزداد طُهرًا ونقاءً.

وهو ما يفسّر سرَّ الحرص النبوي على هذا اليوم لأهميته، فقال ابن عبّاس رضيّ الله عنه، فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيام يومٍ فضَّله على غيره إلاّ هذا اليوم؛ يوم عاشوراء“.

وكثيرٌ ما يتّجه الاهتمام بهذه المناسبة إلى الشأن التعبّدي الفردي المنعزِل، وننسى الأبعاد السياسية والدلالات الحضارية والسّنن الكونية، التي يجب أن ترافقنا في الحياة بمعرفتها والتسَاوُق معها، وفق التوجيه الإلهي: قد خَلَت من قبلكم سُنن، فسيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة المكذّبين(آل عمران:137).

* إمتزاج المعركة السياسية بالتتويج التخليدي التعبّدي لها:  

لم تكن دعوة سيّدِنا موسى عليه السلام خاليةً من البُعد الرّساليِّ لها، ولم تكن مجرّد تبليغٍ نظريٍّ لرسالةٍ سماوية منعزلةٍ عن الواقع على الأرض، فقد كانت معركةً سياسيةً مريرةٌ وقاسية، وكانت مواجهةً عدوانيةً محفوفةً بالمخاطر منذ البداية، ابتداءً من مهده في التابوت، كما قال تعالى: إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ، فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ، يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ..(طه”38،39)، إلى المواجهة المباشرة والصدام الإعلامي مع الأدوات الفرعونية التقليدية للسّحرة أمام الرأي العام، وقوله تعالى عن تلك المشاهد الناطقة: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ.” (غافر:26)، إلى الهجرة من مصر إلى فلسطين عبر البحر لتحريرها، وحدوث المعجزة التاريخية على أعتابها، وهي المناسبة العاشورائية الخالدة، وكأنّ المواجهة تصل إلى نهايتها، والمعركة تصل إلى ذروتها، في مشهدٍ دراماتيكي متسارع، بعد أن خيّم ليلٌ طويلٌ من الاستبداد والديكتاتورية واليأس من التغيير، لينبعث شعاعٌ من الأمل، ولو بتدخّل عوامل خارجية مؤثّرة، متمثلةٌ في العوامل الطبيعية وفق التدبير الإلهي، لحسم المعركة الطويلة الممتدة، عن طريق “البحر”، كما قال تعالى: فلما ترَاءَى الجَمْعان قال أصحابُ موسى إنّا لمدركون،  قال كلاّ إنّ معي ربّي سيهدين، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم“، إلى قوله: وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين، إنّ في ذلك لآية، وما كان أكثرُهم مؤمنين.” (الشعراء:61-67).

فكان لهذا الإنجاز السياسي حظوةً بالتخليد عن طريق التعبّد والتعلّق الإلهي الرّوحي، فامتزج البُعد السياسي بالبُعد التعبدي لهذه المناسبة، في جزْمٍ اعتقاديٍّ بوجود قدرةٍ خفيّةٍ غيبيةٍ ترافق أهل الإيمان في مسيرتهم السياسية، تستحقّ الشكر، والاعتراف بالفضل، والإقرار بالعبودية، فصامه موسى عليه السلام شُكرًا، واحتفل به المشركون في مكة واليهود في المدينة، وصامه “صلى الله عليه وسلّم” وأمر بصيامه، وقال – كما جاء في الصحيحين – : .. نحن أحقُّ وأولى بموسى منكم“.

* التمايز الحضاري:

من خصائص المنهج النبوي في الإصلاح والتغيير هو القدرة على التزوّد من الماضي، وبداهة التكيّف مع الواقع، والاستشراف القيادي للمستقبل، فهو الذي يمتد منهجه في الاقتداء إلى خلاصة التجربة التاريخية للأنبياء، وإلى المعرفة بفقه الواقع من حوله، ليرسم مسارًا مستقبليًّا للأمة متميّزًا، وكانت محطة الوقوف مع مناسبة عاشوراء درسًا عمليًّا في ذلك، فهو الذي لا يغفل المناسبة، ولا المحتفِلٍين بها، ولا يحرِم الأمّة من إشعاعاتها، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة، فوجد اليهود يصومون عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يومٌ عظيم، أنْجَى الله فيه موسى وقومَه، وغرّق فرعون وجنودِه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فنحن أحقّ وأوْلى بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، وهو ما يجسّد توحّدَ المشاعرِ بالشّعائر، رغم البُعد الزّماني والمكاني بينهما.

لكنّ هذا التناغمَ مع الواقع لا يعني الذوبان فيه، ولا الاستسلام له، ولا الوَلَع بالغالب فيه، بل لابدّ من التمايز عنه، لصناعة رمزيةٍ استقلاليةٍ وسيادةٍ متفرّدةٍ فيه، ذاتِ أبعادٍ حضاريةٍ كبيرةٍ، لأمّةٍ طموحةٍ إلى قيادة العالم، فكان تشريعُ مخالفةِ اليهود في صيام عاشوراء بصيام يومٍ قبله أو يومٍ بعده، هي الوسيلة من جنسها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً، وهو من أهمّ مقاصد الشريعة في التعاطي السّياسي مع الآخر.

وهو أشبه في التشريع للتمايز الحضاري بتحويل القبلة من “المسجد الأقصى” إلى “المسجد الحرام”، بعد: 17 شهرًا من الهجرة، واليهود يتبجّحون بأنّ موافقتهم في القِبلة هو سببٌ في عنادهم، بأنّ دينهم هو الأحقّ بالاتباع، وهو ما كان مؤلمًا وقاسيًّا على المسلمين في المدينة، والرّسول صلى الله عليه وسلّم يمسك أعصابه، أدبًا مع الله تعالى في رغبته الجامحة بمخالفة اليهود، فنزل الوحي الإلهي يكشف ذلك الصراع النّفسي الذي يختلج قلبه، فقال تعالى: قد نرَى تقلّب وجهِك في السّماء، فلنولّينّك قِبْلةً ترضاها، فوَلّ وجهك شطر المسجد الحرام..(البقرة:144).

ولقد كانت المزاحمةُ على صيام عاشوراء، والتوافقُ الزّماني عليها معهم معركةٌ أخرى في إثبات الولاء وترسيخ الانتماء الهوياتي بين المسلمين واليهود، وهم يدّعون على غيرهم اتّباع موسى عليه السلام، كشرعيةٍ تاريخية يريدون استقطابهم بها، فكان لابدّ من الصّدمة التشريعية بمخالفتهم، وهم الذين يخطئون في التقويم بالأشهر الشمسية وليس بالأشهر الهلالية، رغم ارتباطها الدقيق بالعاشر من محرّم.

تعليق