من أكثر الإشكاليات السياسية والسسيولوجية والنفسية أيضا إثارة للجدل هو الحديث عن الرأي العام أو ما يسمى “الشعب”، خاصة عندما يتم ربط هذا المفهوم بمصطلح “التغيير” ودور الشعب فيه بعد ما تحدثنا في مقال سابق عن دور الثالوث المهم (الإعلام والمجتمع المدني والنخبة).

هذا المفهوم المعقد الذي اختلف الناس في تقييمه ودراسته وتشخيص دوره والذي يمكن حصر النقاش المتعلق به في الرواقات التالية:

  • جزء من الباحثين والدارسين والمراقبين ينفي نفيا قاطعا ويدفع التهمة كلية عن الشعوب على اعتبار ألا حول ولا قوة له في عملية التغيير وأن المسؤولية كل المسؤولية تقع بالكامل على السلطات الحاكمة التي بيدها: الأمن والإدارة والمال والمؤسسات والقوة العمومية مستدلين بمنطق أن التغيير يأتي من فوق.
  • جزء كبير من النخب والدارسين والباحثين يحملون المسؤولية كاملة للشعب كونه شعب صامت وراض بأوضاعه على سوئها واعوجاجها بل وقسوتها لا يطالب بحقوقه، لا ينتفض راض بما هو كائن وبالتالي يستحق الوضعية البائسة التي يعتبر السبب الرئيس فيها، ويدعم هذا الرأي كثيرون بما فيه قطاعات واسعة من الشعب تقر بتقصيرها، وأن ما وصلت إليه من أوضاع لا تحتمل إنما بالدور السلبي لها (التغيير يأتي من أسفل).
  • أما الرأي الثالث فهو الذي يتوسط الرأيين السابقين، والذي يرى أن الشعب له جزء من المسؤولية بالإضافة والتشارك مع عوامل وفضاءات أخرى مختلفة كالإعلام على سبيل المثال لا الحصر والنخب والسلطة والمجتمع المدني والسنن الكونية التي تتعاقب بين فترة وفترة أخرى إذا ما وجدت من يحركها ويستثمرها.

حجج الرأي الأول..

هذا الرأي لا يحمل الشعوب أية مسؤولية في عملية التغيير بل هي عادة ما تكون ضحية أو مستقبل سلبي لكل موجات التغيير التي تتعرض لها الشعوب والمجتمعات.

  • عادة الشعوب هو الاهتمام بالمطالب الاجتماعية البحتة والتي تتلخص عموما في لقمة العيش وتحسين القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى الانعزال التدريجي عن الحياة العامة والشأن السياسي أو حتى الفعاليات الاجتماعية (المجتمع المدني).
  • الاستبداد في مجتمعاتنا العربية والذي حاصر الشعوب قهرا وعنفا بل وتجفيفا لكل ينابيع الإبداع التي توجد عادة في الشعوب فطرة او اكتسابا، وهناك في التاريخ القديم والمعاصر من التجارب التي تشهد كيف قمعت هذه الأنظمة المستبدة ثورات شعوب ومطالب الرأي العام فانزوى الشعب ومحركوه ونخبه خوفا من تكرار هذه التجارب المريرة والسيئة الصيت.
  • الشعوب لا تتحرك من تلقاء نفسها، وهذه عادة الشعوب بل تتحرك بتأطير من النخب والتي للأسف الشديد لا تزال في عالمنا الثالث مستسلمة ومتقاعسة، وأنصار هذا الرأي لا يحملون مسؤولية التغيير للشعب ويركزون على هذه النقطة تحديدا وهي أن الشعوب لا يمكنها المبادرة دونما تحريك أو تأطير أو توجيه.
  • الشعوب ليست كيانا متشابها أو منسجما بل هو كيانات مبعثرة ومشتتة من حيث اختلاف المستويات والانتماءات والعادات والتقاليد، ما يعزز نظرة أن الشعوب لا يعول عليها في إحداث أي عملية تغيير –حسب أنصار هذا الرأي-.
  • ببساطة الشعوب لا تمتلك أدوات التغيير كالمال، السلطة والأمن والإدارة والاستخبارات والإعلام، والتي تملكها حصرا السلطات والأنظمة الحاكمة. التي تمتلكها وتوجهها وتتصرف فيها كيفما تشاء.

ما يدعم الرأي الثاني..

هذا الرأي الذي يركز على الشعوب في إحداث تغيير بأنها هي المحركة والموجهة لكل الأحداث، كونها الفاعل من جهة والضحية من جهة أخرى إذا ما استسلمت الشعوب لصالح السلطات السياسية الحاكمة، وأدلة هذا التيار يمكن ذكر بعضها في النقاط التالية:

  • هناك تجارب كثيرة في التاريخ البشري القديم والمعاصر على السواء كان بطلها الشعوب التي ثارت على الاستبداد والطغيان والظلم وغيرت من واقعها من النقيض إلى النقيض.
  • “كيفما تكونوا يولى عليكم.” دليل هذا التيار القاطع والجازم على أن الشعوب هي التي تصنع تغييرها وتصنع قائدها ومخلصها لأنه بالنهاية سيخرج من بينهم.
  • الشعوب هي الحامية لكل مشروع تغييري لأنه بالنهاية هي من تدفع ثمن من يحكمها سواء بالسلب أو بالإيجاب.
  • اهتدت الديمقراطية الغربية التي صنعتها الشعوب في الثورة على الاستبداد الطبقي والملكي إلى فكرة أن الشعب هو من يختار حكامه ويراقبهم ويحاسبهم، والديمقراطية هي الوسيلة الأنجح إلى يوم الناس هذا كأداة للتداول على الحكم والاستقرار والتنمية.

ما يدعم الرأي الثالث..

يدافع هذا التيار بواقعية كبيرة وببعد نظر أعمق عن أن الإشكالية لا ترتبط بمدى التهمة المطلقة في تقاعس الشعب عن أداء مهمته، وما بين البراءة المطلقة في تحمل مسؤوليته في التغيير المنشود، ولعل أبرز أدلته في تعزيز هذه القناعة ما يلي:

  • يتحمل كل شعب مقهور المسؤولية في تغيير واقعه الأليم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لكنها مسؤولية تشاركية تحركها النخب وتؤطرها، يحتويها الإعلام والمجتمع المدني وينخرط فيها الشعب حماية واستجابة، والأهم من هذا كل ضمان استقرارها كتجربة فتية ولاستمرارها في الزمان والمكان بالانتباه الدائم لكل المخاطر التي تحرك هذا الحراك السلمي الواعي.
  • لا يوجد شعب بالعالم يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما يسبق ذلك تمهيدا وحراكا تقوم به النخب نتيجة الظلم المستشري والاستبداد العنيف والقمع المتفاقم.
  • من أهم عوائق تحرك الشعوب هو عدم قدرتها على التخطيط الجماعي والتفكير المنتظم والهادف لتباعدها وعدم تناسقها وأحيانا كثيرة الاختلافات الثقافية والإيديولوجية والاثنية والمذهبية التي تطبع العلاقات الداخلية داخل منظومة الشعب الواحد تعيقه على هذا الحراك.
  • لا يمكن تحميل الشعب المسؤولية كاملة لوحده حفاظا على عملية التغيير نفسها. فالشعوب عندما تتحرك من دون تأطير وتوجيه واعي قد تفسد أكثر مما تصلح، بل قد تنتقم على طريقتها من الظالمين والمستبدين كردة فعل عفوية، ما قد يؤثر سلبا على كل حراك قد دفع الكثيرون جهدا ووقتا وتضحية كبيرة في التحضير له، والتجارب العالمية كثيرة جدا في حراك الشعوب التي فشلت في النجاح في تحقيق مبتغاها نحو فضاء أرحب ومستقبل مشرق.
  • عندما تتحرك الشعوب بمفردها قد تتحكم في الانطلاقة وحتى زمانها ومكانها وظرفها، لكن لن يكون لنا نفس الحظ والفرصة في معرفة مآلات هذا الحراك ما يؤدي قطعا الى الفشل أيضا.
  • يرفض مؤيدو هذا الطرح أن يتم محاسبة الشعوب واتهامها بالتقاعس وألا تغيير يرتجى منها، صحيح قد تتكاسل الشعوب أو ترضى بالوضع الموجود لكن بذور الحياة التي ستتفتق في أي وقت موجودة، ووجب أن تدفع الشعوب إلى أن هناك دوما أملا وفرصة متجددة يمكن استثمارها، فصحيح أن التغيير لا تحدثه دائما الشعوب ولكن لا تغيير في الآن ذاته من دون دعم الشعب، فتهميشه لن يكون إلا وبالا على أي حراك وعلى كل المستويات.

أنا أدعم التيار الأخير وما ذهب إليه من حجج

د. بن عجمية بوعبد الله

تعليق