لست أدري لماذا يتصرف بعض المسؤولين في بلادنا بلا مسؤولية ولا مراعاة لمشاعر الشعب وثوابته ومقدساته ومصالحه، وأحيانا يتمادون فيدوسون القوانين والمبادىء الدستورية روحا ونصا. هل يشتغلون لأهداف لا وطنية متعمدة؟ أم هل عندهم عقد نفسية تتحكم في تصرفاتهم؟ أم أن ثمة مصالح شخصية تحركهم؟ أم هي تصرفات عفوية تنبئ عن ثقافة وتكوين صُقلت بها شخصيتهم فهم لا يدرون أنهم يشتغلون لغير صالح بلدهم؟
ومن ذلك استماتة بعضهم في الحديث باللغة الفرنسية في المحافل الرسمية والدولية بحضور وفود أجنبية تمجد لسانها وترفع من شأن لغاتها رغم أن أكثر تلك اللغات اقل انتشارا في العالم ولم تقدم للبشرية في تاريخها إنجازات حضارية كالتي قدمتها اللغة العربية سابقا. لست أدري لماذا يهيننا هؤلاء المسؤولون؟ لماذا يعتدون على مشاعرنا وتاريخنا وحضارتنا بل ويدوسون على دستور البلد وقوانينه؟
لا تتعلق أسئلتي بشخص بعينه، فالظاهرة متكررة ومتورط فيها كثيرون. غير أن حديث وزير الخارجية الجزائري الحالي باللغة الفرنسية في منصة الأمم المتحدة أرجعنا إلى الحديث عن هذا الموضوع. لقد وضعنا عبد القادر مساهل بحديثه بلغة المستعمر القديم في مستوى الدول الإفريقية الفاقدة للسيادة التابعة لما يسمى “افريقيا الفرنسية” التي دمرها الاستعمار القديم والحديث تنمويا وثقافيا وحضاريا وإنسانيا. أين هي الجزائر المحورية القوية الكبيرة التي يتشدق بها هؤلاء والتي نأمل أن تكون كذلك. أين نحن من هذا الادعاء أو من هذا الحلم حينما يكون لساننا فرنسيا على منصة الأمم المتحدة؟
حينما سألت بعضهم كيف يجرؤ الوزير على اقتراف هذا الخطأ الجسيم في حق لساننا وثقافتنا وسيادتنا قيل لي بأنه، وفق ما ورد في جريدة الخبر في 12 ديسمبر 2015، سئل ذات يوم عن هذا فاستشهد بالفقرة الثانية من المادة التاسعة من الأمر رقم 30-96 التي تنص على ما يلي: ” يمكن أن تستعمل استثناء اللغات الأحنبية إلى جانب اللغة العربية في الندوات والملتقيات والتظاهرات الدولية”.
يا له من عذر أسوء من الخطأ ذاته، كيف لهذا الوزير في وزارة سيادية أن يُقْدِم على عمل مشين يَنفر منه الطبعُ والذوق العادي، ويمجه الحس الوطني، ويرفضه التشبع بقيم الوطن، ويثير بشأنه الاحساسُ بعزة الانتماء غضبا لا ينطفئ، ثم هو بعد ذلك يستند على القانون بطريقة هي كذلك خاطئة، كالذي يستند على عصا أكلتها الأرضة من داخلها.
إن مقالي هذا لا يتعلق بالإدانة بهذا الفعل سيء السمعة، فقد قمنا بذلك في بيان رسمي من الحركة، ولكن الذي أريده من خلال هذه الأسطر أن أبين بأن السيد الوزير خارج عن القانون بفعلته هذه ولو أراد الاستدلال بالقانون.
أولا – التشريعات الجزائرية التي تناولت موضوع استعمال اللغة العربية ثلاثة هي:
– قانون تعميم استعمال اللغة العربية الذي أصدره المجلس الشعبي الوطني سنة 1990 وصادق عليه رئيس الجمهورية الشادلي بن جديد رغم الضغوطات الشديد ويتعلق الأمر بقانون رقم 91-05 مؤرخ في 30 جمادى الثانية عام 1411 الموافق 16 يناير سنة 1991.
– المرسوم التشريعي الذي صادق عليه المجلس الاستشاري برئاسة رضا مالك وصادق عليه رئيس الدولة محمد بوضياف ويتعلق الأمر بالمرسوم رقم 02-92 المؤرخ في 4 جويلية 1992. وهو المرسوم الذي جمّد عمليا القانون السابق بدعوى تأجيل تطبيقه إلى غاية توفر الشروط اللازمة.
– الأمر الرئاسي الذي أصدره رئيس الجمهورية اليمين زروال وصادق عليه المجلس الانتقالي الذي ألغى مرسوم المجلس الاستشاري والمتمم والمعدل لقانون تعميم استعمال اللغة العربية ويتعلق الأمر رقم 96-30 مؤرخ في 10 شعبان عام 1417 الموافق 21 ديسمبر سنة 1996.
ثانيا – الأمر رقم 96- 30 الذي استند عليه الوزير لتبرير قانونية حديثه باللغة الفرنسية، حسب جريدة الخبر، هو قانون لصالح اللغة العربية إذ ألغى التجميد وأمر بفورية التطبيق وأسس للمجلس الأعلى للغة العربية الذي أعطيت له مهمة مرافقة التطوير والتطبيق.
ثالثا – الفقرة الثانية من المادة التاسعة المشار إليها لا علاقة لها بالأمر بل هي في أصل القانون الأول رقم 05-91. بل إن الأمر رقم 96-30 أضاف مادة متممة تمنع الإطلاق في استعمال اللغات الأجنبية في المحافل الدولية في الفقرة الثانية من المادة 11 والمادة 12 منه.
رابعا – يظهر للوزير بأن استعماله للغة الفرنسية له مستند قانوني ولكن استعماله لهذه المواد القانونية هو ما يدينه أكثر وفق ما يلي:
1 – هو يتعسف في استعمال القانون لأن الفقرة الثانية من المادة التاسعة تنص صراحة بأن استعمال اللغة الأجنبية في المجال الخارجي والدبلوماسي يكون استثنائيا وإلى جانب اللغة العربية. ولا يوجد أي شيء استثنائي يجعل الوزير يستعمل اللغة الفرنسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللغة العربية كانت غائبة كلية.
2 – الأمر الرئاسي الذي أصدره زروال (والذي اخطأ الوزير في الاستناد إليه لأنها غير موجودة فيه) ضده، لأن هذا الأمر المتمم للقانون الأصلي ضبط أكثر هذا الاستثناء إذ ينص في الفقرة الثانية من المادة 11 منه ما يلي : “غير أن تعامل الإدارات والهيئات والجمعيات مع الخارج يكون وفقا لما يتطلبه التعامل الدولي”. ولا يوجد أي شيء يتطلب استعمال اللغة الفرنسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة فالترجمة متوفرة والذين يتكلمون الفرنسية في ذلك المجمع أقل ممن يتحدثون باللغة العربية.
3- إذا كان وزير الخارجية يريد أن يطبق الأمرية أو القانون المشار إليهما لماذا لا يطبق باقي مواد هاذين التشريعين اللذين داست عليهما كل الحكومات، ويعمد هو بنفسه إلى تعريب وزارة الخارجية ويمتنع عن استعمال اللغة الفرنسية في المناسبات الرسمية في الجزائر.
4 – لو كان الحديث باللغة الأجنبية في الكواليس وفي الاجتماعات الهامشية والفرعية في الأمم المتحدة لكان الأمر أهون ولكن الحديث الرسمي ( بدل رئيس الجمهورية ) على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة مسألة سيادية، والحديث فيها باللغة الأجنبية لا معنى لها سوى أن اللغة الرسمية الفعلية في الجزائر هي اللغة الفرنسية، وهذا ما لا يقبله الوطنيون الصادقون وما سيدفعون من أجله أغلى ما يملكون للوقوف ضده ومنعه.

تعليق