“(التربية هي العمود الفقري للحركة)”
مبدأ كرّسه وثبّته الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في ضمير وفكر ووجدان تيار مدرسة الوسطية والاعتدال وفي منهاجها الدعوي والسياسي .

فأسس مدرسته ..الدعوية والسياسية مع رفقاء دربه( كجماعة سرية، ثم كجمعية وطنية قانونية ،ثم كحرب سياسي معتمد) ..
على أسس ومنطلقات “شمول التربية الاسلامية الصحيحة ”
وكان يولي اهتماما كبيرا لهذه التربية من حيث التوجيه والعناية والمتابعة ففي ملتقى المنهاج التربوي سنة 1994 قال في كلمته التوجيهية .
“ايها الاخوان ملتقى اليوم يتعلق بالعمود الفقري لحركتنا،والعمود الفقري الذي تنطلق منه الأنسجة الصالحة والخلايا الحية والأعصاب القوية: هو العمل التربوي بغير العمل التربوي نصبح مثل بقية الحركات الأخرى التي علاقتها
مع ربها علاقة واهية وعلاقتها مع المجتمعات علاقة انتهازية وعلاقتها مع بقية الأمة علاقة سريعة التلاشي والضمور والضياع والشك..”انتهى

– فهو يعتبر العمل التربوى :
1-مبدأ أساسي ومنهج رباني وقيمة كبيرة لها دور العمود الفقري في جسم الدعوة والحركة السياسية التي تنشد الاصلاح والتغيير ،
2 -وهي فكرة اسقطاب قوية لكونها تتميز:

-أ- بتغذية “الروح والعقل والجسم ”
-ب- و تشتمل على الهدف الديني والهدف الدنيوي معا .
وهذا الذي يعبر عليه رحمه الله
بشمول التربية الاسلامية على نهج ما يراه
ابن خلدون رحمه الله:
” أن الغرض من التربية تحقيق الهدف الديني وهو العمل للآخرة، والهدف العلمي وهو العمل للدنيا، مسترشداً بقوله تعالى: «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا» (سورة القصص(. المقدمة.)

ج – ولأن العرب لا ينقادون طواعية الا بالصبغة الدينية كفكرة ومنهج “(التربية هي العمود الفقري للحركة) أو كولاية وإمامة دينية، أوكقيادة راشدة صالحة مصلحة.
وهذا الذي كان الشيخ الرئيس الرمز محفوظ نحناح يؤكد عليه كمنطلق وأساس للحركة الاسلامية التي تنشد الاصلاح السياسي والتغيير الهادي..وكانت قناعته بنظرية ابن خلدون في ذلك راسخة والتي تتلخص في الآتي :
” أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ..
و السبب .. -أنهم- أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة و الأنفة و بعد الهمة و المنافسة في الرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الدين بالنبؤة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم و ذهب خلق الكبر و المنافسة منهم فسهل انقيادهم و اجتماعهم..
فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق و يأخذهم بمحمودها و يؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم و حصل لهم التغلب و الملك و هم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق و الهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات و براءتها من ذميم الأخلاق..)ج2مقدمة ابن خلدون.

– فالمرحلة الراهنة أصبحت العلاقة فيها بين الدين –كقيم وأخلاق — والسياسة تكتسي أهمية بالغة ،وقد أثارت هذه الإشكالية بين المفكرين،والباحثين المعاصرين
الكثير من الجدل،والنقاش،حيث كتبت دراسات عدة في هذا المجال …

كما أصبح بعض الجدد المنتسبين للتيار الاسلامي السياسي المعتدل بعد ما تلاشت فكرة توحيد التصورات في الثوابت الفكرية والدعوية والسياسية في الحركات الإسلامية الواعية..في زمن هيمنت فيه عولمة المعرفة واختلط فيه التصور الصحيح مع التصورات الفاسدة والمسمومة وأصبح المرجع في ذلك هو الشيخ “قوقل google” بدل “المنهج التربوي العمود الفقري للحركة” أو الولاية والإمامة الدينية، أوالمرشد والمصلح الإسلامي القدوة.
الأمر الذي جعل هذا البعض يحاول ركوب موجة الإجتهاد التنظيمي لتطوير وسائل التربية في إطار التخصص الوظيفي قصد الإنتقال الى الأحسن حسب التقدير ..
الا أن هذا التغيير ستواجهه التحديات التي ستواجه اي عمل تغييري إضافة الى تحدي ضخ العولمة المعرفية المائعة القوية والمتسارعة عبر شبكات التواصل الإجتماعي وغيره من الوسائل الاعلامية المعاصرة والمبرمجة لضرب الإسلام وحركات الإصلاح السياسي .
وفي هذه الحالة ربما تتعطل وسائل التربية المعروفة كالمحاضن والبرامج التربوية التوجيهية والعملية التي كرستها الممارسة الميدانية منذ التأسيس من غير قصد وربما تتعطل الإنطلاقة بالوسائل الجديدة كتعميم الإقتناع بها..فتنتشر فكرة “إبعاد التربية الصحيحة بالقيم والاخلاق للملتزمين والمنخرطين في الاحزاب السياسية
الاسلامية تدريجيا.. وربما تتأكد قناعة د.فريد الأنصاري رحمه الله تعالى القائل:
“كان الابتلاء الذي خسرت فيه الحركة الإسلامية كثيرا!
ظهرت فكرة التخصصات في العمل الإسلامي على جميع المستويات:
الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، والإعلامية، والنقابية، والسياسية، وانطلقت الحركة الإسلامية تقسم ميراثها على أبنائها في حياتها!
ولكن النتيجة أن كل التخصصات التي أعلن عن ميلادها ماتت في مهدها إلا التخصص السياسي! هو وحده نما وتضخم واحتل كل المساحات الأخرى!”(.الاخطاء الستة د فريد الانصاري.)

أو تصبح الحركة الواعية “..مثل بقية الحركات الأخرى التي علا قتها مع ربها علاقة واهية وعلاقتها مع المجتمعات علاقة انتهازية وعلاقتها مع بقية الأمة علاقة سريعة التلاشي والضمور والضياع والشك..”

– والسياسي أو المناضل الحزبي في الحركات ذات التوجه الاسلامي أو الوطني حين يعتصم بالدِّين من خلال التوجيه التربوي والبرامج التربوية العملية الجماعية المستمرة، فإنما يعتصم بالعروة الوثقى، وتحميه التربية الاسلامية الصحيحة من الانزلاق في دوائر الفساد ،ومذهب الإستبداد وتبرير الانحراف على الطريقة (الميكيافيلية )باسم الاسلام!! ، حيث يصبح مبدأ العمل السياسي هو : « الغاية تبرر الوسيلة » .والوقوع في
مساوئ الأخلاق، ورذائل النفاق، فإذا حدث لم يكذب، وإذا وعد لم يخلف، وإذا اؤتمن لم يخن، وإذا عاهد لم يغدر، وإذا خاصم لم يفجر، لإن التربية الدينية تحميه وتقيده بالمثل العليا ومكارم الأخلاق.

#ولا يعقل أن رواد الأحزاب الاسلامية يسمحون بالإنسلاخ عن التربية العمود الفقري لأحزابهم،كما يدعي بعض المنتقدين ؟

وأي مسلم ملتزم لا يرضى أن ينتمي الى أي حزب سياسي عندما يتحول الى اللائكية الحركية التي تفصل العمل السياسي عن العمل التربوي الذي ينمي في اتباعه الصفات الإيمانية والأخلاقية ويرتقي بهم الى مرتبة الربانيين المتقين والصديقين !!

وهل يعقل أن يكون العمل السياسي الحزبي دوره الغالب التنافس في المحطات الانتخابية على المواقع في المجالس المحلية والوطنية،
أو تولي الولايات التي لا تدوم، او كسب صفات المحامين الذين ينقدون الفساد وبرامج الفشل ومواقف السلطة بدون تحقيق اي تغيير ؟

وبدون شك أن التربية في الاحزاب الاسلامية الواعية الثابتة على أصالتها كما كونت رجالا صالحين كإطارت دولة، كونت أيضا نماذج صالحة من الرجال والنساء انتقلوا عبر مدارج السالكين من مرتبة الظلمين لأنفسهم الى المقتصدين ثم الى السابقين بالخيرات وهي مرتبة أولياء الله الصالحين .

– مرتبة أولياء الله الصالحين هي طموحات الملتزمين السالكين

ان الانتشار وكسب الرأي العام واعداد الإطارات السياسية النموذجية أمر واجب وضروري الا أن ذلك شيء لكنه لا يتنافى مع تربية واعداد الرواحل الملتزمة
بمنهج تكوين الربنيين والصدّيقين الذين يتطلعون الى مرتبة أولياء الله الصالحين ضمن منهج الشمول للحركة الواعية فهذا هو المرغوب والمحبوب والمطلوب..

لذلك نقترح على الملتزمين بالنهج التربوي أن ينتقلوا من العمل بالسائل التربية المعتادة الى التنافس على الانتقال الى الدرجات العليا في الايمان والتقوى للوصول الى مرتبة السابقين أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

– جاء في شرح “الوصية الكبرى” لابن تيمية العالم الفقيه السياسي والمجاهد طيب الله ثراه – “إن ولي الله هو المؤمن التقي، بدليل قول الله تعالى:
{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عليهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:62 – 63]، ما ثوابهم؟
{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:64]

قال رحمه الله تعالى: [وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِي
ُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنْ حَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّه
ِ وَمَا صَارُوا بِهِ أَوْلِيَاءَ،
فَفِي صَحِيحِ البخاري
عَنْ أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ:
(يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ
وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عليه،
وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِل
ِ حَتَّى أُحِبَّهُ،
فَإِذَا أَحْبَبْته
كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ،
وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ،
وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا،
وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا،
فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ
وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي،
وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ،
وَلَئِنْ اسْتَعَاذَني لَأُعِيذَنَّهُ
وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُه
ُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ،
يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ).

– فَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيث
ِ أَنَّ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى
عَلَى دَرَجَتَيْنِ:
– الأولى درجة المقتصدين: الذين تقربوا إلى الله بالفرائض فقط،و تركوا المحرمات فقط
فهم أصحاب اليمين الأبرار
من الذين يدخلون الجنة لأول وهلة.

– الثانية: درجة السابقين المقربين، وهم الذين أدوا الفرائض، وأدوا المستحبات والنوافل، وتركوا المحرمات، والمكروهات، وتركوا التوسع في المباحات هذه درجة عالية، فالسابقون هم أعلى درجة من القسم الأول، وكل من الصنفين يدخل الجنة من أول وهلة،

– وهناك درجة ثالثة للمؤمنين
وهم الظالمون لأنفسهم،
الذين يقصرون في بعض الواجبات
ويفعلون بعض المحرمات،
فهم على خطر من دخول النار،
وعلى خطر من عذاب القبر،
و في النهاية يدخلوا الجنة،

– فالسابقون هم أعلى درجة من المقتصدين،
وكل من الصنفين يدخل الجنة من أول وهلة،
-وقال رحمه الله :
فهذه هي أوصافهم،
فمن اتصف بهذه الصفات فهو ولي،
فيجب على المؤمنين
أن يوالي بعضهم بعضاً،
وقد جعل الله عباده المؤمنين
بعضهم أولياء بعض،
وجعلهم إخوة،
وجعلهم متناصرين
متراحمين متعاطفين،
وأمرهم سبحانه بالائتلاف،
ونهاهم عن الافتراق والاختلاف فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا}
[آل عمران:103].
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} [الأنعام:159].
فكيف يجوز مع هذا
لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل
طائفة ويعادي طائفة بالظن والهوى،
وبلا برهان من الله تعالى؟!
وقد برأ الله نبيه
صلى الله عليه وسلم
ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم.)انتهى

– ففي ذلك فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ من القادة و الرواحل والمربين والملتزمين والمنتخبين من الرجال والنساء لنيل درجة الأبرار السابقين بالخيرات أولياء الله الصالحين الذين يؤمنون ويتقون، يجمعون ولا يفرقون، ويصلحون ولا يفسدن..
‏اللهم اجعلنا من المؤمنين المهتدين ومن أوليائك المتقين، ومن عبادك الصالحين، ومن جندك الغالبين، ومن حزبك المفلحين، ومن السابقين المقربين..اللهم آمين

أ.الحاج طيب عزيز

تعليق