بالرّغم من الصّبغة الدّينية، والطبيعة التنظيمية المنغلقة والمؤدلجة للحركة الإسلامية، وبالرّغم من هواجس السرّية والخوف من الاختراقات الأمنية، وبالرّغم من السياقات التاريخية والظروف القاسية التي مرّت بها، والتي كانت من أكبر ضحايا الأنظمة الشمولية، فلم تسلم من كلّ أنواع الاعتداء على الحريات وحقوق الإنسان، من المسلسل الإجرامي للاغتيالات والاعتقالات والصّدامات.

وبالرّغم من محاولات التركيز عليها، على أنها عنصرُ أزمةٍ وتوترٍ في مختلف الأقطار دون غيرها من التيارات، إلا أنها استطاعت أن تتجاوز مرحلة المزايدات عليها بالانغلاق والتمركز على الذات.

ومع الاعتراف ببعضِ معاناتها الذّاتية الحقيقية في تراجع رأسمالها الشّعبي ورمزيتها في المجتمع، إلاّ أنّها استطاعت أنْ تملك الجرأة الأدبية والشّجاعة الفكرية بإخضاع تجربتها البشرية لأدبيات المراجعات النقدية، والتي أصبحت قناعةً جماعية وعملاً مؤسّسيًّا، ارتقاءً إلى “التجديد الوظيفي” و”التخطيط الاستراتيجي” و”التفكير الإبداعي”، لأنّ مشروعها لم يعُد يغري بعمومه وكلّياته، وأنّ وظيفة ومبرّرات تأسيس الحركة الإسلامية في “مئوية الصّحوة” والتركيز على واجب الدّعوة، تختلف تمامًا عن وظيفة ومبرّرات تجديدها في “مئوية النّهضة” بالتركيز على واجب الوصول إلى الدولة، ومنها إلى “الحضارة”، ليقينية أنّ “المستقبل لهذا الدّين“، وأنّ “الإسلام هو حضارة الغد“، مصداقا لقوله تعالى: “يريدون ليطفئوا نورَ الله بأفواهِهم، والله متمٌّ نورَه ولو كرِهَ الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودِين الحقِّ ليظهِرَه على الدّين كلِّه، ولو كرِهَ المشركون.”(الصف:8، 9).

ومن هذه المراجعات: الاختيار الإرادي للانتقال من التنظيم الهرمي إلى التنظيم الشبكي، ومن الطبيعة الشمولية المنغلقة إلى الطبيعة التخصّصية المنفتحة، ومن وَحدة التنظيم إلى وَحدة المشروع.

وتقوم خيارات الذّهاب إلى التخصّص الوظيفي على القناعة المبدئية: أنّ شمولية الفكرة والمقاصد والأهداف ومجالات العمل لا تعني بالضرورة شمولية التنظيم، وهو ما يطرح فكرةَ تقدّم الولاء للمشروع على فكرة الولاء للتنظيم، وهو ما يعني أيضًا أنّ المؤسّسات المتخصّصة في حالة توازنٍ وتكاملٍ وليست في حالة تنافسٍ أو تآكل، فلا المؤسسة الحزبية ذراعًا سياسيًّا للجماعة، ولا المؤسّسة الدّعوية ذراعًا مرجعيًّا للحزب، وهو ما يحرّرنا من النقاش التقليدي والجدال التاريخي بين “الجماعة” و”الحزب”، وأيّهما الأصل وأيُّهما الفرع.

إلا أنّه في الحالة الجزائرية ستكون القيادة – وبشكلٍ طبيعيٍّ وتلقائيٍّ – للقيادة السياسية ببُعدها الرّسالي وليس ببُعدها الوظيفي، إذ أنّ السّياق التاريخي للتطوّر الهندسي للتنظيم دفع سنوات الأزمة الأمنية باتجاه الدمج بينهما، وبعد تطوّر الأحداث الضاغطة دفعت باتجاه تضخّم الوظيفة السياسية على حساب الوظيفة الدعوية، واستوعب التنظيم الحزبي كلّ الوظائف الأساسية في إطار قانون الأحزاب، واندمجت الوظيفة الدعوية والتربوية كأمانةٍ من الأمانات، وهي التي بُني عليها الهرم التنظيمي مركزيًّا ومحلّيًّا، مع أنّ الموانع الدّستورية والقانونية قائمةٌ بمنع قيام الأحزاب على أساسٍ دينيٍّ.

ومع اعترافنا بأنّ الهندسة التنظيمية للمشروع كانت في بعض مراحلها التاريخية اضطرارية وليست اختيارية.

ففي عهد “السرّية” و”الحزب الواحد” فرَض علينا الأمرُ الواقع تضخيم الوظيفة الدّعوية والتربوية على حساب الوظيفة السياسية، وأخذ التشكّل الأول للحركة الإسلامية طابع الجماعة الدّينية السّرية والمؤدلجة. وفي سنوات الأزمة الأمنية فُرِض علينا الأمر الواقع تضخيم الوظيفة السياسية على حساب الوظيفة الدعوية والتربوية، وهي نتيجةٌ حتميةٌ وواقعيةٌ، انسجمت مع الحتمية النّصّية، إذ أنّ الضحيّة الأولى لأيِّ فتنةٍ أو أزمةٍ هو: الدّين، مصداقًا للحديث النبوي الشّريف: “إيّاكم وفسادُ ذات البَيْن، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين.”.

فتخلّت الحركة الإسلامية عن “الدعوة” كوظيفةٍ أساسية من أجل التمكين للدّين في المجتمع، وإن بقيَ بعضُ السّمت الدّعوي في أفرادها وقياداتها في بُعده الرّسالي، وانجذبت تلقائيًّا إلى “السياسة” من أجل التمكين للحزب في الدولة.

وبقي الجدل قائمًا بين أولوية “التغيير من الأعلى” على مستوى خطّ السّلطة، على اعتبار قاعدة: “النّاسُ على دِين ملوكِهم”، واستصحاب التأصيل الشّرعيِّ الجاهز: “أنّ الله يزَعُ بالسّلطان ما لا يزَع بالقرآن”، وبين الأولوية في “التغيير من الأسفل“، على مستوى خطّ المجتمع، على اعتبار قاعدة: “كما تكونوا يُولّى عليكم”، والتأصيل الشّرعي الجاهز: “إنّ الله لا يغيّرُ ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسِهم.” (الرعد:11).

وقد يكون لنا بعضُ العُذرِ في تضخّمِ وظيفةٍ على حساب أخرى لهذه الإكراهات الواقعية، إلا أنّ مصير “حكم الضرورة” يدور مع علّته: وُجودًا وعدْما، ولا حجّة لنا بعد “الأمن والاستقرار”، وهذه الحرية النسبية في اعتماد الأطر التنظيمية القانونية والعلنية الحاملة والحامية للوظائف الأساسية للحركة الإسلامية أن نسمح بهذا الطغيان والاختلال، وعدم التوازن والتكامل بينها.

هذه الرّوح النقدية، وبكلّ هذه الشفافية والوضوح، هي تحرّرٌ من عقدة التعصب التنظيمي، وهي نوعٌ من تعريض الحركة الإسلامية لأشعّة الشمس، والتفكير بصوتٍ مرتفع، بعيدًا عن الدهاليز التنظيمية المغلقة، والصراعات والتجاذبات الداخلية، ومآلات القولبة والنمذجة لعقول ونفسيات الأفراد، التي يغلب عليها الانبهار بالذّات، والتمجيد للقيادات، والتقديس للأفكار، والتعصب للتنظيم، والتي يغيب فيها العقل الاستراتيجي..

فلا يمكن – مثلاً – الإيغال كثيرًا في تحميل مسؤولية ظاهرة الانشقاق والتساقط على طريق الدعوة للأفراد فقط، فقد تتحمّل الطبيعة التنظيمية المغلقة، والشّلل الفكري والسّلوكي في الاستيعاب، والحدّية القاسية في التعامل مع المخالفين والمنتقدين، وسطوة التنظيم الشمولي وضيقه بالأفراد، مسؤولية النزيف الأفقي للقيادات، والتسرّب العمودي للأفراد.

كما لا يمكن القفز على تأثير الخيارات والمواقف السياسية المتقلبة والمأزق التاريخي لانخراط الرموز والمرجعيات الدينية في العمل السياسي الحزبي والفعل الانتخابي الضاغط في ذلك الشرخ الكبير والنزيف الحاد، والذي حرَم الحركة الإسلامية من كوادرَ وإطاراتٍ وكفاءاتٍ نادرةٍ قد لا تتكرّر، في مختلف العلوم الإنسانية والتخصصات الضرورية، في التخطيط والاستشراف والتغيير، مثل: العلوم القانونية والإدارية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية.

فسيطر رجال التنظيم والتنفيذ على رجال الفكر والتخطيط، مما جعل الحركة الإسلامية – ومن الناحية الواقعية والموضوعية – أبعد عن التوازن في العمل بين المجتمع والسّلطة، وأبعد عن الوصول إلى الحكم، وإذا وصلت فلا يلبث أن ينكشف ظهرها لإكراهات قصورها الذاتي، وسطوة موازين القوى الداخلية والخارجية عليها.

وبالمقابل هناك أزمةُ صفٍّ قياديٍّ في عدم انسجامه وتكيّفه مع متغيرات البيئة الداخلية والخارجية، ومنها عدم استيعاب حتميات التجديد وإعادات التشكيل في المراحل التاريخية المفصلية للوطن وللحركة، ومنها: الانتقال من السرية إلى العلنية، والثنائية بين العمل السياسي والعمل الدعوي، مما جعل مواقفها خاضعة للاضطرار أكثر منها للاختيار، مع اهتزاز الدّقة في التمييز بين واقعية مواقف “فن الممكن” للسياسة، وبين شرعية الحقيقة المبدئية للدعوة، مما سبّب إحراجًا تاريخيًّا وأخلاقيًّا في بعض التناقض الظاهري لمسيرة العمل الإسلامي، تسبّب في “تقهقرٍ سياسي”، و”انحسارٍ شعبي”، و”ترهّلٍ تنظيمي”، و”غيابٍ دعوي”، و”ضعفٍ تربوي”.

وهو ما يستدعي حتمية إعادة التشكّل، ومنها: في العلاقات التنظيمية للهياكل والمؤسسات: سواءٌ في العلاقات التنظيمية الداخلية القُطْرية، في إطار توزيع وإدارة الوظائف الأساسية، وخاصة بين الوظيفة السياسية والوظيفة الدعوية والتربوية، وباقي الوظائف المجتمعية والعلاقة مع المجتمع المدني.

إذ تتّجه الحركة الإسلامية المعاصرة إلى التخصص الوظيفي، وهو ما يعني ترحيل بعض الوظائف، وصبّها في قوالب تنظيمية مستقلة عن التنظيم السياسي والمؤسسة الحزبية، وهو ما يحتاج إلى الإبداع في هذه العلاقات، بحيث تضمن: التلاقي في المشروع الاستراتيجي، وتجتمع في المرجعية الفكرية، وتلتئم في وحدة الفهم والتصوّر، وترتبط بقدسية البُعد الرّوحي والتربوي، ولكنها تتمايز في الوظيفة التخصصية، والهيكل الإداري، والتمويل الذاتي، والقرار التخصّصي، مع المرونة في العلاقة التنظيمية بين جميع المؤسسات.

أو على مستوى العلاقات الخارجية بين الأقطار، وتحديدًا في العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إذ اتّجهت أغلب الأقطار إلى فكّ هذا الارتباط التنظيمي، وإيجادُ صيغٍ مرنةٍ في التنسيق والتعاون والتكامل، حتى لا يطغى ذلك التحكّم التنظيمي على خصوصية الأقطار، وسيادة مؤسسات تلك الحركات، والخدش في ولائها للأوطان، والدوس على قوانين ودساتير تلك الدول…

.. يتبع.

 

تعليق