كلما ظهرت تطورات تسيء لسمعة البرلمان وتزيد في تهاوي مصداقيته ترتفع بعض الأصوات تطالبنا بالخروج منه. ليس العيب في هذا المطلب أو في تنفيذه، فذاك سلوك سياسي لا يلام صاحبه، وموقف حزبي يمكن لأي حزب أن يتخذه. ولكن العيب هو في الدعوة إلى خطوة عبثية لا تحمل هدفا ولا تستجيب لرؤية ولا يتحقق منها أي مكسب ملموس لصالح الحق والعدالة والديمقراطية أو لصالح معيشة المواطن وإنهاء الظلم والفساد.
لو كان الخروج من البرلمان يمثل لحظة فارقة يلتحم معها الشعب لفرض التغيير على النظام السياسي عن طريق الشارع بهبة جماهيرية سلمية حاسمة لكانت الاستقالة الجماعية من الهيئة التشريعية واجبة لا تثير أي نقاش أو جدال. أما أن تخرج الأحزاب المقاومة من المجالس المنتخبة في هذه المرحلة التي لا يوجد فيها أحد من الأحزاب أو المنظمات أو حتى المواطنين مقتنع باستعمال الشارع للتغيير فلن يكون الخروج سوى تخل طوعي عن منابر مهمة لمواصلة التوعية والمقاومة السياسية وفضح الفساد والفشل، وذلك خصم مهم من سلة أدوات النضال السياسي القليلة التي لا تزال تملكها الأحزاب كالاجتماع في المقرات والقاعات وإصدار البيانات والحديث الإعلامي وفي أحسن الأحوال الاتصال المباشر بالمواطنين عبر حملات العمل الجواري لمن يقدر على ذلك من القوى السياسية المعارضة المنتشرة في مختلف ولايات الوطن.
إن المعركة اليوم هي معركة ” الوعي السياسي” وليست معركة ” العنتريات العبثية” التي لا تندرج ضمن مشروع سياسي يعرف أصحابه ماذا يفعلون وما يقدمون وما يؤخرون. ليس فقدان مصداقية المجالس المنتخبة ولا حتى عدم شرعيتها هو وحده ما يجعل الأحزاب تتركها أو تقاطعها، لو كان الأمر كذلك لغادر رجال الحركة الوطنية المجالس المنتخبة المزورة من قبل السلطات الاستعمارية قبل أول نوفمبر، ولما بقي أربكان وأردوغان في مجالس الدولة التركية التي كان يعبث بها العسكر كما يريدون، ولما تصرفت على هذا النحو كثير من الأحزاب في العالم كله قبل أن تتحقق فيها الديمقراطية الحقة.
إن الذي يجعل مغادرة البرلمان موقفا سياسيا سديدا هو وصول الوعي الجماهري إلى الحد اللازم لتحمل أعباء التغيير وانتشار الروح النضالية لدى عدد كبير من المواطنين، حتى إذا ما دعوا – مثلا – إلى إضراب شامل أو قرع الأواني من شرفاتهم دون الخروج إلى الشارع والاحتكاك بالأمن تكون الاستجابة واسعة تكسر الادعاءات الكاذبة للأنظمة الشمولية بأن الشعب معهم ويصبح التزوير الانتخابي مفضوحا لا يقدر على تغطية عزلة النظام السياسي، حتى إذا ما كان حجم الوعي شاملا كاسحا ومستوى التنظيم لدى المعارضة عاليا أمكن الخروج للشارع سلميا ضمن ما يكفله الدستور، فلا تقدر أي قوة أمنية صده أو إخراجه من طبيعته السلمية الديمقراطية.
إن بيننا وبين الوصول إلى هذا المستوى من الوعي لمسافة طويلة لا يصبر عليها كثير من الناس، غير أن الوصول ممكن التحقق لو ثبت القادة السياسيون الوطنيون الواعون المستعصون على مخططات الترهيب أو بيع الذمم فواصلوا العمل مهما كانت ضغوطات استعجال عوام الناس ومهما كانت مكائد المناوئين ودسائسهم. وسيكون نجاحهم أسرع حينما يُسندون من طبقات شعبية واعية واسعة، أي حينما تتسع دائرة الوعي فيدرك الناس بأن إصلاح الأوضاع يكون بمساندة الفعل الإصلاحي لا بالضغط عليه، والصبر على ثماره ولو طال إيناعها، وتوجيه السهام كلها للفساد والمفسدين وليس لمن يحاول الإصلاح ولو لم يصل بعد لتحقيق التغيير المنشود.
لا شك أن غضب كثير من المواطنين على الوضع السياسي المتعفن في بلادنا هو ما يدفعهم إلى المطالبة بترك البرلمان الجزائري الذي قضت أحداث الانقلاب على رئيسه على ما بقي له من مصداقية. إنه يمكن تفهم هذه المطالبة من جماهير المواطنين، كما يمكن فهم أن يُستغل استبطاء عوام الناس الثمرة من قبل بعض المناوئين للأحزاب أو لقياداتها أو نوابها بحجة أن المعارضة لم تفعل شيئا، ضمن ظاهرة التدافع السياسي أو لأسباب نفسية لا علاقة لها بالسياسة إطلاقا. إن هذه الحالة وتلك كلاهما من قواعد العمل السياسي، وتلك التوجهات العاطفية الصادقة للمواطنين أو الانتهازية للمناوئين للضغط على القوى السياسية التي اختارت المقاومة السياسية في المساحات المتاحة لن تتوقف بالمطالبة بالخروج من البرلمان. ستطالبهم كذلك بالخروج من المجالس المحلية، وقد تطلب منهم بعد ذلك حل أنفسهم كأحزاب. علاوة على أن هذه القوى العاطفية ومن يستغلهم من المناوئين لم تشارك أغلبها في الانتخابات ولم تصوت على الأحزاب المقاومة ولن تصوت عليها في استحقاقات انتخابية مقبلة رئاسية أو تشريعية أو محلية. فهي ليست في كل الأحوال من الجمهور الذي يمكن الرهان عليه في ملحمة المقاومة السياسية الشاقة والطويلة…قبل أن يكتمل الوعي. بل إن هذه القوى صارت جزء من استراتيجية النظام السياسي الذي يتحمل وحده مسؤولية تشويه العمل السياسي وتلطيخ صورة النائب والبرلمان ونشر السلبية والتشاؤم واليأس حتى يخلو له الجو فلا يتوجه الراغبون في التغيير إلى صناديق الاقتراع فيصل يوما ما إلى إنجاح واجهاته ” الحزبية” بلا حاجة للتزوير الانتخابي. ولو لا صمود وثبات المقاومين السياسيين لحقق أهدافه قبل سنوات خلت.
إن الهدف من المشاركة في الانتخابات اليوم رغم ما يطالها من تزوير، والوجود في المجالس المنتخبة رغم الخدش الذي ينال مصداقيتها وشرعيتها ليس هو التغيير، ذلك يوم سيأتي لا محال، ولكنه ليس اليوم! إن الهدف من هذا الفعل السياسي هو المقاومة السياسية من أجل الاستمرار في توعية النخب والجماهير حتى لا يتحول الشعب إلى قطيع يساق بالترهيب والتطميع و بالوهم والخداع كما يحدث في بعض البلاد العربية. إن منابر البرلمان والمجالس المحلية هي منصات للصدح بالحق في وجه الحاكم وفضاءات اتصال مع الجمهور من خلال وسائل الإعلام، وتواصل مباشر بخلق كثير من الناس لا يعرفون عناوين مقرات الأحزاب ولكنهم كل يوم في مقرات المجالس المنتخبة وفي اتصال مع المنتخبين يبحثون عندهم عن مصالحهم. ناهيك عن تلك المعارك الملحمية، الكاشفة للفساد المقلصة للهيمنة ولو بقدر، مع ممثلي الحكومة والهيئات التنفيذية ونواب الموالاة ومنتخبيهم والتي ما كان لها أن تكون لو لا سانحة الاطلاع في المجالس على حقيقة تسييرهم المهلك للبلد وعلى قوانينهم وقراراتهم وسياياتهم الخطرة على استقرار الوطن ومستقبله.
إنه لمن البديهي أن يقول كثير من المواطنين ماذا فعلت المعارضة! تلك هي طبيعة الإنسان الذي خُلق من عجل، وذلك هو السؤال الذي طُرح على الأنبياء رواد الإصلاح، قبل أن يتحقق لهم النصر بعد طول معاناة. لقد قيل لرسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (( متى نصر الله))، وقيل لسيدنا موسى عليه السلام: ((قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا))، ومن البديهي كذلك أن يدخل على الخط كثير من المناوئين الذين لا هم لهم إلا الإحراج لغايات في نفس يعقوب، وأن تستغل السلطة الحاكمة إحباط عوام الناس لترسل ذبابها الالكتروني وعملاءها وشبكاتها لتحويل سخط الناس للمعارضة وليس للحكام وأجهزتهم الحزبية بحجة أن المعارضة لم تفعل شيئا.
إنه لأمر طبيعي أن يستعجل عوام الناس الثمرة، بل حتى لو سقطت الأنظمة الحاكمة وجاءت قوة سياسية أخرى للحكم بعد أن أنهى من سبقهم كل الثروات ودمروا المقدرات، فسادا وتبذيرا وسوء تدبير وربما عمالة بالنسبة لبعضهم، سيستعجل الثمرةَ عوامُ الناس وينتظرون تحسين أوضاعهم في اليوم الموالي الذي يجيء فيه أحزاب أخرى للحكم، ولن يقبلوا ولن يفهموا أبدا أن بناء التنمية وتحقيق الرفاه يتطلب سنوات من العمل الجاد وحسن التدبير. وسيدخل على الخط كذلك مفسدون وعملاء لتعويق الجَهد الوطني الصادق لإعادة بناء الوطن.
هكذا هي الحياة وهكذا هي سنن التغيير، على المصلحين أن يضعوا في الحسبان أن من واجباتهم، صمن العمل الإصلاحي، الصبر على ظاهرة استعجال عوام الناس والاستمرار في العمل والإعداد وتثمين تراكم الإنجاز ولو كان صغيرا لا يراه المستعجلون، مع بعث الأمل في النفوس والوعد بالخير وتغير الأحوال حتى لا تنقطع من التشاؤم الأنفاسُ، ومعالجةِ مكائد القوى المناوئة التي تعمل دوما على حجب الإنجاز وتُحسن الاشتغال في بيئة اليأس والإحباط.
لقد صبر رسول الله صلى عليه وسلم كثيرا على استعجال المستعجلين من بسطاء الناس، وكابد كيد المتآمرين من داخل الصف وفي محيطه الخارجي . ألم يكن عليه الصلاة والسلام يواجه يهودا ومشركين في الخارج محاربين؟ وفي مسجده يصلي معه منافقون يتربصون؟ ألم يكن يعد المستضعفين من حوله بقصور فارس وأصوار القسطنطينية وأمامه أحزاب العرب قد جاؤوا لإنهاء وجوده، ومن خلفه جحافل يهود ينتظرون لحظة الإجهاز عليه، وبين صفوفه منافقون يثبطون ويستهزئون ويتخابرون.
إنها السيرة النبوية تتكرر في كل وقت، ما يهمنا أكثر في الاستفادة منها أن نصلح أنفسنا ونصحح أخطاءنا ونواصل طريقنا ونجود أداءنا ونثبت على الحق مهما كانت الصعاب، نتلطف بعوام الناس المستعجلين ونبالغ في وعدهم بالتي هي أفضل ونحاول إشراكهم في أعباء التغيير، ونعالج أمر المناوئين المثبطين المستهزئين، ونواجه شبكات الكُبّار بذكاء وبسالة وتجرد وإخلاص … ونترك بعد ذلك السنن تفعل فعلها … وإننا والله لمتفائلون!
وإن سئلنا بعد هذا، هل نترك البرلمان أم نواصل المقاومة سيكون الجواب الصيرفي: نواصل المقاومة ولنا في كل مرحلة خطة محينة أو مغايرة نصلح بها ما استطعنا، و نكسر بها بعون الله المؤامرة.

د. عبد الرزاق مقري
رئيس الحركة

تعليق