تمثل وثيقة بيان أول نوفمبر حالة إجماع بين الجزائريين لم تسبقها حالة مثلها، قبلها أو بعدها. يعتبر نص هذا البيان هو الوثيقة الوحيدة التي اتفق عليها الجزائريون بكل توجهاتهم وخصوصياتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية ومن مختلف جهات الوطن. انتمى الجزائريون قبل الاستعمار إلى دول عدة تغيرت حدودها مرات عديدة، وحينما أصبحت الجزائر ضمن الدولة العثمانية سلم الجزائريون لها أمرهم وولاءهم السياسي ولكن ولاءهم الأكبر كان لقبائلهم وعشائرهم وتقاليدهم، وحين واجهوا الاحتلال الفرنسي واجهوه متفرقين حيث اندلعت مقاومات شعبية في أنحاء متعددة من الوطن لا يوجد بينها أي اتصال. ولئكن كان البعد الديني هو البعد الأساسي الذي غذى تلك الثورات الشعبية فإنها لم تكن لها رؤية سياسية وطنية شاملة خصوصا بعد نهاية مقاومة الأمير عبد القادر الذي أعلن قيام دولة جزائرية حديثة لم تمتد إلى كل أنحاء الجزائر، وكذا بعد نهاية مقاومة أحمد باي الذي كان يقاتل في جزء من الوطن من أجل إعادة الدولة الجزائرية التي أسقطها الاستعمار . وبعد نهاية فترة المقاومة الشعبية التي دامت سبعين سنة استأنف الجزائريون المقاومة في الإطار السياسي ضمن منظمات الحركة الوطنية المتعددة والمتنوعة في مقارباتها، إذ منها ما كان يدعو إلى الاستقلال مباشرة والانفصال السياسي عن فرنسا، ومنها ما كان يركز على الإصلاح الديني والثقافي وبناء الإنسان، ومنها ما كان يدعو إلى الإصلاح السياسي والمساواة مع الفرنسيين. وبسبب التعنت الاستعماري ورفضه منح الجزائريين استقلالهم بل وإبادتهم بسبب هذا المطلب في الثامن ماي من سنة 1945، ومحاربته المستمرة للهوية والانتماء الجزائري ورفضه لأي شكل من أشكال المساواة واعتباره الجزائريين أهالي من الدرجة الثانية وجد النضال السياسي نفسه في مأزق فأدى ذلك إلى انسداد الأفق ووقوع تشرذم كبير في منظمات النضال الوطني.
أمام هذا الوضع حمل شباب المنظمة الخاصة على عاتقهم الانتقال إلى الكفاح المسلح وكان من عبرقيتهم أن لا يكون هذا الانتقال اعتباطيا يستجيب لردود الأفعال والرغبة في الانتقام فحسب بل بنوا تصرفهم على أساس رؤية وطنية شاملة يجتمع عليها كل الجزائريين فحددوا فيها الغاية من الكفاح المسلح والأهداف التي تقوم عليها الدولة الجزائرية التي يريدون إعادة بنائها. لقد وُفقوا أيما توفيق في كتابة تلك الوثيقة التي رسمت ما يجتمعون عليه وما لا يمكن أن يتفرقوا بخصوصه وتحقق حولها الاتفاق فعلا ثم تحول الاتفاق إلى إجماع حين قبلت منظمات الحركة الوطنية الالتحاق بالثورة على أساس تلك الوثيقة وحين تلقى الجزائريون ذلك البيان بالقبول في كل أنحاء الوطن فلم يطعن فيه أحد ولم يعترض عليه الأحد.
وبعد أن اندلعت الثورة رجع الاختلاف بين الجزائريين فلم يتفقوا في مؤتمر الصومام وحول وثائق مؤتمر الصومام وبقوا متفقين حول بيان أول نوفمبر، ثم اختلفوا حول مؤتمر طرابلس ومخرجات مؤتمر طرابلس وبقوا متفقين حول بيان أول نوفمبر. بل إنهم اختلفوا حتى حول اتفاقيات إيفيان وبقوا مع ذلك متفقين حول بيان أول نوفمبر. وبعد الاستقلال تعمق الاختلاف بينهم بل وأوشكوا أن ينخرطوا في حرب أهلية، وحتى في إطار النظام السياسي المتغلب الذي جاء على اثر انقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة ثم على إثر انقلاب 65 بقي الجزائريون مختلفين إلى يومنا هذا وبقي اتفاقهم في نفس الوقت قائما حول بيان أول نوفمبر.
إن بيان أول نوفمبر هو الوثيقة الوحيدة التي تمثل الاجماع بين الجزائريين، وعليه صيانة هذا البيان وإعلاء شأنه، واعتباره المرجع الأساسي للدساتير والتشريعات والمبادئ والمثل التي تقوم عليها الدولة والمجتمع، والعمل الدائم على تجسيد بنوده هو ما يضمن وحدة الجزائريين إلى الأبد، ويصحح الانحارافات حين تقع، وكل تهديد لهذا البيان في كليته أو لأحد من بنوده وفقراته هو تهديد لوحدة الجزائر واجتماع أهلها.

تعليق