الشهيد جمال خاشقجي من مواليد: 13 أكتوبر 1958م بالمدينة المنوّرة، وهو ينحدر من أسرةٍ ذات أصولٍ تركية منذ: 05 قرون، وأنّ أصل كلمة “خاشقجي” تركي، ويعني: صانع الملاعق، متخرّجٌ من جامعة “أنديانا” بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1983م، تخصص: صحافة.

عمل كمراسلٍ لصُحفٍ عربيةٍ كبيرة، مثل: “الشرق الأوسط” بين: 1987 و 1999م، وقد غطّى الحرب في أفغانستان، والمأساة الوطنية بالجزائر، وحرب الخليج الأولى، وكانت له حواراتٌ مع “أسامة بن لادن” في أفغانستان والسودان، وقد عيّنه “تركي الفيصل” المدير التاريخي للمخابرات السعودية السابق مستشارًا إعلاميًّا له عندما كان سفيرًا للسعودية في “بريطانيا” و “أمريكا” إلى غاية: 2007م، مما جعله مقرّبًا من البلاط الملكي، وكنزًا استخباراتيًّا مهمًّا، ثمّ عُيّن رئيسًا لتحرير جريدة “الوطن” المحسوبة على الجناح الإصلاحي، والمشاكسة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستقال منها سنة: 2010م تحت ضغط التيار السّلفي المتشدّد، ثم استدعاه الميلياردير السعودي “الوليد بن طلال” – المغضوب عليه حاليًّا – صاحب إمبراطورية “روتانا” لتأسيس قناة “العرب” في البحرين، إلاّ أنّ المشروع لم يُكتب له النجاح.

كان مدافعًا قويًّا عن رؤية السعودية لسنة 2030م لصاحبها ولي العهد “محمد بن سلمان”، ومنافحًا عن السياسة الخارجية للسعودية، ومنها الحرب على اليمن، إلا أنه كان مدافعًا عن “الإسلام السياسي” وفكر “الإخوان المسلمين” رغم انتقاداته السياسية لهم، داعيًّا إلى استيعاب “الرّبيع العربي” والاستفادة منه، محذّرًا السعودية من التماهي في توجّهات “ترامب” بعد انتخابه في جانفي 2017م ومغامراته المجنونة، مما جعل الخارجية السعودية تتبرّأ من مواقفه.

وبعد موجة الاعتقالات والتصفيات التي طالت العلماء والأمراء ورجال الأعمال والإعلام في السعودية من طرف “ولي العهد: MBS” تحت غطاء مكافحة الفساد، أخذت علاقتُه بالنظام السعودي توجّهًا حادًّا، بدأ بالمنفى الاختياري في أمريكا شهر سبتمبر 2017م، تاركًا وراءه عائلته وعمله، وقد طُلّقت منه زوجته قهرًا، معتبرًا “السكوت” خيانةً وخذلانًا لرفاقه خلف القضبان، مستغلاً منبر “الواشنطن بوست” ومختلف وسائل الإعلام العالمية لفضح سياسات وتوجّهات “بن سلمان” بطريقةٍ ناعمة، إلا أنّها كانت مؤذيّةً لطموحات “الشّاب المتهوّر”، لينتهي به القدر إلى الاختفاء القسري بقنصلية بلاده في تركيا يوم: 02 أكتوبر 2018م، تاركًا خطيبته في انتظارها الأبدي له خارجها.

 الإلهام الخاشقجي: 

لقد كانت تصفية “جمال خاشقجي” بتلك الطريقة المروّعة مصدر إلهام إنسانيٍّ متفجّر، ونقطة تحوّلٍ كبيرةٍ في العالم العربي، وزلزالاً مدوّيًّا في المجتمع الدولي، وهو ما يمكن اعتباره “ربيعًا عالميًّا” جديدًا، وموجةً جديدةً من أجل الحرّية، جسّدها حجم التضحيات التي قدّمها “خاشقجي” كثمنٍ لحريّته وكفاحه ضدّ الظلم والاستبداد، وهي حالةٌ نادرةٌ لم تكن في حسبان العقل البشري، إلا أنها كانت “قَدَرًا إلهيًّا” غير متوقّع، مصداقًا لقوله تعالى: “فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا..”(الحشر:02)، إذ اهتزّت لها جميع الفواعل المؤثّرة عالميًّا، لكونها عمليةٌ استفزازية، تعبّر عن منسوب الغباء، وحجم الطغيان، ودرجة الاستخفاف بالإنسان، وغرورًا مبالغًا فيه أمام الرّأي العام الدولي.

ومن أقدار الله تعالى أن تتحوّل هذه العملية السرّيةٌ إلى أغبى عمليةِ اغتيالٍ سياسي، وأكبرِ فضيحةٍ علنيةٍ أمام العالم، أدّت إلى ردود أفعالٍ عنيفةٍ ضدّ السعودية، وقد تهاوت صورتها ورمزيتها، مع السقوط المدوّي لوليِّ عهدها، وهو الذي اعتقد أنّ “أمريكا” و”إسرائيل” و”الدولار” يغنيه في تحقيق “المُلك الذي لا ينبغي لأحدٍ غيره”، وضمان الحماية من الحساب والعقاب مهما “طغى” و”تجبّر”، فجاءته الفاضحة الكاشفة من حيث لا يشعر، وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما أسرّ أحدٌ سريرةً إلاّ أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه.)، وهو ما ظهر في لغة جسد المسؤولين السّعوديين، بدْأً من “القنصل“، وانتهاءً بـ: “MBS“، وأصبح “الخاشقجي” يشكّل رعبًا وكابوسًا ولعنةً تطاردهم جميعًا.

فما هو سرّ هذا الرّجل الذي اهتزّ له العالم بأسْره؟ وهل هذه القضية مرتبطةٌ بقدسية حرية الرأي ووحشية الجريمة؟ أم لها خلفياتٌ خفيّة تحتاج إلى الوقوف عندها؟ أم هي مجرد “القشّة” التي قصمت ظهر البعير؟ بعد تضخّم حالة الاحتقان المحيطة بمملكة البترول والدولار، والتي كانت بحاجةٍ إلى “التنفيس“، فانفجرت قبل أوانها، لحظة المأساة التراجيدية “لجمال”، ممّا جعلها تحت دائرة الضوء وفي عمق التركيز الدولي، نظرًا “للحسابات الخاطئة“، وتورّطها في انتهاك قاعدتين رئيسيتين من قواعد القانون الدولي، وهما: حظر تنفيذ السياسات المحلية داخل تراب دولةٍ أخرى، وانتهاك الاستخدامات القانونية للبعثات الديبلوماسية، وفق اتفاقية “فيينا” للعلاقات الدبلوماسية لسنة:1961م، واتفاقية “فيينا” للعلاقات القنصلية لسنة: 1963م.

حصاد الغرور:

هذه الجريمة المروّعة لاغتيال “خاشقجي” كشفت بما لا يدع مجالاً للشكّ عن الوجه القبيح للسعودية، مع أنها لم تأتِ بجديدٍ لدى البعض، وأنها جريمة دولة، وليست شجارًا عفويًّا مع مجموعةٍ من المارقين، وأنّ الاعتراف المتأخّر – بعد: 18 يومًا – بالجريمة داخل القنصلية، والاستمرار في إخفاء الجثة إلى الآن، وعدم الاعتراف بالمتعاون المحلّي، تجعل الرواية السعودية صبيانيةً ومتنافضةً ومحلَّ سخريةِ العالم، تدين المملكة أكثر ممّا تدين الأفراد، وقد شملت عملية الاغتيال: التعذيب، والقتل خارج القانون، والإخفاء القسري، وهي الانتهاكات الثلاث الأسوأ في حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الاعتداء الصارخ – وبهذه الطريقة الفجّة – على الصحافة والصحفيين.

ورغم حرص “ترامب” على العلاقة الحميمية والشخصية مع العائلة المالكة في السعودية، على خلفيات العلاقات التاريخية، وما يطبعها مؤخرًا من “الصفقات” و”استحلاب الدولار”، ولو على حساب القيم الإنسانية العقدية في الغرب، إلا أنّ التسيير الذكي للأتراك لهذه القضية، ومنها الضغط بالتسريب، وآخرها: إطلاع مديرة CIA – وهي الشخصية الاستخباراتية القويّة – على التسيجلات الدامغة لتفاصيل عمليات التعذيب والقتل والتقطيع الوحشي لجثة “خاشقجي” قد تضع “ترامب” في الزّاوية الحادّة، تجبره على اتخاذ خطواتٍ حاسمة للإجراءات العقابية التي تتّجه إليها أمريكا، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى إحالة تلك الإجراءات إلى “الكونغرس” المتشدّد ضدّ السعودية، وجعل دائرة الخناق تضيق عليها، وهي التي كانت تعتمد في أدقّ تفاصيلها على أمريكا تحديدًا، ولا تستطيع أن تتنفّس هواءً غيرها، إلا أنّ “فضيحة خاشقجي” قد تسقط سبعين عامًا من التأثير والتفاعل الأمريكي – السعودي الإيجابي في الماء، بسرعةٍ قياسيةٍ بسبب هذه الجريمة العابرة للحدود، وقد تخسر “أمريكا” و”إسرائيل” كنزًا استراتيجيًّا مهمًّا قد لا يتكرّر، وأنّ الفشل في “الاغتيال الآمن” لخاشقجي هو كارثةٌ وخطأٌ قاتل ومأزقٌ حقيقيٌّ بالنسبة للكيان الصهيوني، إذ سيتسبّب في اختلال التوازن في المنطقة والعالم لصالح “تركيا” و”إيران”، بما فيها “تبخّر صفقة القرن”، وخسارة التنسيق الأمني والسياسي السّرّي بين “الرّياض” و”تل أبيب”، وهو ما يظهر من حصاد الغرور، بخسارة “بن سلمان” للغرب.

الربيع الديبلوماسي السّعودي:

إنّ السعودية، وبعد هذا الدّرس القاسي في العلاقات الدولية وتضارب المصالح مع المبادئ يجعلها بحاجةٍ إلى ربيعٍ ديبلوماسيٍّ، يتمثّل في مراجعاتٍ عميقة في استراتيجياتها وعلاقاتها، سواءٌ مع الدول العربية، ومنها: القضية الفلسطينية والحرب في اليمن وحصار قطر، أو مع الدول الإسلامية كإيران وتركيا، أو على مستوى إعادة النظر في ارتمائها في الحضن الغربي، وعلى رأسه: أمريكا والكيان الصهيوني تحديدًا، أو في ضرورات استدراك سياساتها الداخلية، والإسراع في احتضان أيِّ احتقانٍ داخلي بسبب قمع الحريات، أو الانتباه إلى وجوب ترميم رمزيتها الدينية المهتزّة، أو على مستوى تدراك علاقاتها مع “الإسلاميين” وعلى رأسهم: حماس والإخوان المسلمين وتصالحها مع الرأي العام العربي والغربي، أو من أجل بناء علاقاتٍ دوليةٍ متوازنةٍ وعادلةٍ مع أقطاب العالم التقليديين والصاعدين، وتحديدًا مع “روسيا” و”الصّين”، والتحرّر من العبودية لأمريكا.

وإنّ ترك الانطباع بمحاولات عقد صفقاتٍ مع تركيا أو أمريكا في هذه القضية هي مدمّرة لمصادقيتها، وتستّرٌ على جرائمها، وتشجيعٌ على استمرارية انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وتكسيرٌ لقواعد التزاماتها بالقانون الدولي والإنساني، وهذا لا يخدمُها اليوم وغدًا.

تعليق