وقع حادث مهم في تطورات فتنة المجلس الشعبي الوطني ، له دلالات عميقة، لم ينتبه إليه الكثيرون: لأول مرة توضع منظمة المجاهدين في واجهة الصراع السياسي ويخيب سعيها، هل هي رسالة سياسية مقصودة أم أن احترام المجاهدين زال فعلا من النفوس؟ ومن وراء ذلك؟
ظننت أن النخوة الثورية الجزائرية ستتحرك أكثر لدى السلطات الرسمية ولدى المجاهدين وأبناء الشهداء وأبناء المجاهدين وعموم الجزائريين حينما سمعوا ذات يوم برنار كوشنر الوزير الفرنسي اليهودي السابق يقول: ” ستنتهي مشكلتنا مع الجزائر حينما يندثر جيل المجاهدين الذي حاربوا من أجل استقلال الجزائر”. كنت أظن أن هذه القناعة المتجذرة لدى كل المسؤولين الفرنسيين تقابلها قناعة معاكسة لدى المسؤولين الجزائريين تجعلهم يحتفون دوما بنوفمبر ورجاله من المجاهدين والشهداء ويعملون على تجسيد قيم نوفمبر ونقلها إلى الأجيال حتى تبقى خالدة في هذا الوطن المجاهد. غير أن الملاحظ أن السنين المتعاقبة بدأت تأكل فعلا من مكانة نوفمبر لدى العديد من المسؤولين الفاعلين ولدى الكثير من النخب. لقد أصبحنا اليوم نسمع البعض يدعو إلى التحرر من الماضي في علاقتنا بفرنسا بل ثمة من ينقص من قيمة بيان أول نوفمبر ذاته. لقد قرأنا ترّاهات وتصرفات هنا وهناك لم تلق الرد المناسب من السلطات كردهم حين يُنتقدون في كفاءاتهم ونزاهتهم الشخصية.
لقد كان الرجوع إلى المجاهدين أمرا لا مفر له في كل شأن مهم من شؤون الوطن، بل إن حكام الجزائر مرّروا كثيرا من المشاريع السياسية اللاديمقراطية التي خدمت المصالح الخاصة ولم تخدم المصلحة العامة باستغلال المجاهدين ومنظمتهم، وبجعل المجاهدين ومنظمتهم بينهم وبين الشعب حتى يحجم الجزائريون على رفض تلك المخططات أو مواجهتها احتراما للمجاهدين. أما اليوم وقبل أن يخرج هذا الجيل كلية من الحياة أبعدوه تماما عن المشاركة في قراراتهم الأساسية ولم يصبح يُسمع لرأيهم.
تمنيت لو أن المجاهدين في منظمة المجاهدين أدركوا أن الأيام دارت ولم تصبح لهم المكانة التي كانت لديهم فلم يتدخلوا في شأن الصراع الذي وقع في المجلس الشعبي الوطني دفاعا عن زميلهم السعيد بوحجة.
لا يهمنا السعيد بوحجة فهو مجاهد متحزب يتحمل مسؤوليته مع حزبه، ولكن من كان يظن أن منظمة المجاهدين تتخذ موقفا سياسيا عبر بيان علني ولا يُسمع لها. أهي نهاية احترام إرادة المجاهدين كما تمناها برنار كوشنر الفرنسي؟ ثم هل هو الطلاق الفعلي العلني بين حزب جبهة التحرير الوطني ذاته وبين المجاهدين، وبين هؤلاء ومختلف المنظمات والأحزاب الموالية التي ركبوها تركيبا قيصريا باسم المجاهدين.
إنه لا يتعلق الأمر بهذا الصراع السياسي الذي قد يجد فيه سياسيون غير واعين، تُحركهم الانتهازية والمصالح الشخصية ولو كانوا أبناء شهداء، حلفاء مع أصحاب المشاريع الاستعمارية الذين يعون ما يفعلون. إن الأمر يتعلق بتهديد حقيقي لذكرى نوفمبر ولقيمه، بل ولقيم الوطن كلها، سواء ما يتعلق بالدين أو اللغة أو الثقافة. ثمة من يشتغل سرا لمحو كل ما له علاقة بانتمائنا وتاريخنا وحضارتنا خدمة لمصالح الاستعمار وطموحاته الجديدة. إنهم يسخرون لذلك سمومهم المدسوسة في الدسم في المدرسة والإعلام والأسرة والمسجد، يكفي أن نرى الاحتفاء الذي خصصته قناة جزائرية في يوم نوفمبر، أقول في يوم نوفمبر، لكاتب يجاهر بعدم الاهتمام بالجذور والأصول، يحتفون به وهو يؤكد جهارا بأنه يفضل الثمرة على الجذور، وكأنه يُتصور أن تكون ثمرة دون أن يكون لها جذور، والله إنهم لم ينتبهوا بأن الثمار التي يتحدث عنها جذورها في بلاد أخرى غير بلادنا!
من وراء كل هذا؟

تعليق