يُعتبر “مالك بن نبي” الجزائري (1905 – 1973م) “ابن خلدون العصر”، فهو يمثّل “صدًى له”، ومن أكبر فلاسفة الحضارة في العصر الحديث، يتمتّع برؤيةٍ حضارية، عالمية وإنسانية.

ومع تمثّله لفلسفات الحضارة الحديثة تمثّلاً عميقًا، إلا أنّه يقدّم نفسه كمفكّرٍ مختصٍّ في الحضارة الإسلامية، يهمس في “وعي الأمة” من أجل الإقلاع الحضاري من جديد، وقد جعل أكثرَ مؤلفاته تدور على نسقٍ فكريٍّ ومنظومةٍ مفاهيمية وفلسفةٍ مركزية استحوذت على اهتمامه وتفكيره، وهي: “مشكلات الحضارة“، فيقول في إحدى حواراته سنة 1971م: (إنَّ المشكل الرئيسي – بل أمّ المشكلات – التي يواجهها العالم الإسلامي هي مشكلة الحضارة، وكيف تدخل الشعوب الإسلامية في دورة حضارية جديدة، وكيف تعود الشعوب الإسلامية التي خرجت من حلبة التاريخ لدورة حضارية جديدة.”.

ويعتبر أنّ أسلوب الحضارة يقوم على: المبدأ الأخلاقي، والذوق الجمالي، والبعد العملي، والتقنية، وأنّ قوة أيِّ حضارة أو ضعفها هو مدى تمحورها حول “الأفكار” أو “الأشياء”.

فالحضارة الغربية تجنح نحو “عالم الأشياء” (التقنية)، وتأخذ بُعدًا مادّيًّا فقط، بينما تجنح الحضارة الإسلامية نحو “عالم الأفكار والقيم”، وتأخذ بُعدًا روحيًّا ومادّيًّا معًا، وأنّ أيَّ حضارةٍ لا يُكتب لها الامتداد في الزمان والمكان إلا إذا وقع لها هذا التوازن بين: الكمِّ والكيف، وبين الرّوح والمادة، وبين الغاية والسّبب.

ويرى أنّ مسيرة الأمم والجماعات تخضع لنظامٍ دوريٍّ، وفق “سنن” و”قوانين” كونية واجتماعية وتاريخية، على اعتبار أنّ “التاريخ” كتلةٌ من السنن والنواميس الإلهية، لابدّ من استيعابها وتمثّلها والانسجام معها، وهي التي لا تحابي أحدًا، كما قال تعالى: “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا”.(الأحزاب:62).

وأنّ هناك رسمًا تخطيطيًّا تاريخيًّا لدورة الحضارة في شكلٍ تركيبي لها، وهو أنّ (الحضارة = الإنسان + التراب + الزمن)، ولابدّ من دخول “الدّين/الأفكار والقيم” من أجل فاعلية هذه العناصر، لنصل إلى الصورة التطبيقية والعملية لهذه المعادلة الحضارية، وهي تفاعل العوالم الثلاثة: عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، أو ما يطلق عليه البعض بالتفاعل بين إرادة الله وسُنَنِه، أو بإبداع الإنسان وحرّيته، أو بالحوار الدؤوب بين الإنسان والطبيعة.

وإذا أردنا أن نرصد المراحل التاريخية لصعود أو سقوط أيِّ حضارة – وهي تصدق على الأفراد كما تصدق على الجماعات – فإننا نلخّصها في المراحل التالية:

1- مرحلة الرّوح: وهي مرحلة الفكرة والإيمان بها والحماسة لها والواجب من أجلها، فالإنسان هو العنصر الأساسي لقيام الحضارة، وتبدأ نقطة الصفر فيها من “إنسان الفطرة”، كما قال تعالى:“فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدّينُ القيّم..”(الرّوم:30)، والدّين القيم لا يلغي طبيعة الإنسان بكلّ غرائزها، بل يخضعها لقِيَمٍ شَرْطية لا تقضي عليها بل تنظّمها، بما يساعده على أداء أدواره الحضارية والوظيفية وفقًا لقانون الرّوح، فينتج لدينا إنسان العقيدة والفكرة والتضحية والفاعلية والعطاء والإنتاج والإنجاز، فتنتقل الفكرة من الفرد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الدولة (التشكّل السياسي الأول للحضارة)، ومن الدولة إلى المنتج الفكري والتقني والفنّي وهي التمظهر الأولي للنّهضة، ومنها إلى الكيان الدولي للأمة، مثل: الخلافة (التشكّل السياسي النهائي للدولة وهو الحضارة، وامتدادها في الزّمان والمكان).

2- مرحلة العقل: إذْ تصل الحضارة إلى ذروة إشعاعاتها، مع ظهور تحدّياتٍ جديدةٍ نتيجةً لتوسّعها، وضروراتٍ تجديديةٍ نتيجةً لاكتمالها، وتبدأ بالجنوح من “الرّوح” إلى “العقل” لمعالجتها، وتبدأ “الغرائز” وثقافة “الاستهلاك” في التحرّر التدريجي من سلطة “الرّوح” ووازع “الضمير”.                                       وهي مرحلة ضعف الإيمان وفتور الحماسة للفكرة، فيبدأ التوازن بين “القيام بالواجب والمطالبة بالحق”، وبين “متطلّبات الرّوح واحتياجات الجسد”، وبين “الحقّ في الدنيا والنصيب في الآخرة”، وبين “منطقية العقل وعاطفية القلب”، وبين “الامتياز الخاص والحقّ العام”، وبين “الإنتاج والاستهلاك”، ويحلّ العدل مكان الإحسان.

3- مرحلة الغريزة: وهي مرحلة ما قبل سقوط الحضارة، عندما يتوقف الإنتاج، ويتعطّل الفِكر، ويُغلق باب الاجتهاد، ولا يُنتبه إلى ضرورة التجديد، وهي مرحلة غياب الإيمان وسيطرة الغريزة وانتشار ثقافة الاستهلاك، وتحرّر الإنسان من القيم الرّوحية والأخلاقية، واستباحة كلّ شيء، فتسيطر “المادة” على “الرّوح”، ويظهر إنسان الدنيا والغريزة والاستهلاك والإباحية، وينعدم العدل والإحسان.

وهو ما يلخّصه الحديث النبوي الشّريف الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، في معرض الحديث عن السّقوط الحضاري، وتداعِي الأمم علينا: “.. قيل: أومِنْ قلّتنا يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السّيل (عدم التوازن بين الكمّ والنّوع)، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن“، فقيل: وما الوَهْن يا رسول الله؟ قال: حبُّ الدُّنيا (ظهور إنسان الدنيا والغريزة والاستهلاك)، وكراهية الموت.” (غياب إنسان العقيدة والتضحية).

* الحركة الإسلامية والاستئناف الحضاري:

 لا يمكن التصديق – في الحضارة الإسلامية – بالخروج الكلّي من الدورة الحضارية نهائيًّا، والخلود في مرحلة ما بعد الحضارة، إذ أنّ المسار التاريخي للحضارة يبدأ بالفكرة والقيم، ثم بالكيان السياسي المصغّر لها، وهو: الدولة، ثم بالمنتج الذي يجسّد النّهضة وامتداده في الزمان والمكان، وهو: الحضارة. وإنّ سقوط الحضارة الإسلامية ثم الدولة الإسلامية (سقوط الخلافة رسميًّا سنة 1924م) لا يعني السّقوط الكلّي لكلّ عناصر الحضارة، لبقاء “الفكرة الإسلامية” في الفرد والمجتمع، رغم المحاولات الضّارية للحركة الاستدمارية والاستشراقية، التي اجتاحت العالم الإسلامي في العصر الحديث، للقضاء عليها عبر المسخ الثقافي ومحاولات تدجين الهوية وعناصر الانتماء، كالدّين واللغة والتاريخ والتقاليد.

ولا تزال الأمّة تمتلك – وإلى الآن – عناصر الإمْكان والاستئناف الحضاري، فهي تمتلك: رصيد التجربة الإنسانية والتاريخية المتمثّلةِ في النّبوّة الخاتمة، وتمتلك “صحّة النّص السّماوي” المحفوظ والمستوعِب للأفكار والقيم، وتمتلك العقيدة الصحيحة عن الله والكون والإنسان والحياة، وتمتلك الأنموذج التطبيقي العملي والتجربة الإسلامية الواقعية السابقة، وتمتلك امتداد هذا الأنموذج وتمثّله عبر الزّمان والمكان، وفق الحقيقة النّصية: “لا تزال طائفة من أمتي..“.

لقد كان واجب الوقت – بعد سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م – هو تأسيس “الحركة الإسلامية المعاصرة” بكلّ تشكّلاتها وتمظهرها في الواقع، من أجل الحفاظ على “الفكرة الإسلامية” حتى لا تسقط على مستوى الفرد والمجتمع، بعد أنْ سقطت على مستوى الدولة والحضارة، وهي مرحلة “الصحوة” والقيام بالواجب وفق “فقه الدعوة”، وهو ما اعتمدت عليه الحركة الإسلامية في منظومتها الفكرية والتكوينية والتربوية في المئوية السابقة، بالاشتغال على الفرد والأسرة والمجتمع وترسيخ “الفكرة الإسلامية” فيه، والحفاظ على “هويته”، وهو ما تحقّق واستوفى مبرّرات تأسيسها من أجله.

وهي الآن تتّجه وِفْق الحتمية النّصية: “إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة مَن يجدّد لها أمر دينها”. إلى التجديد ومئوية النّهضة، ومحاولات إيصال الفكرة إلى المؤسسات الرّسمية عبر واجب “فقه الدولة”، وهو ما يفرض عليها “المشاركة السّياسية العامّة”، وواجب التجديد والتطوير في منظومتها الفكرية والتربوية والتكوينية، لصناعة “رجال الدولة” بدل “رجال الدّعوة” فقط.

تعليق