تطِلُّ علينا ذكرَى المولد النبوي الشريف، التي توافق: 12 ربيع الأول 1440 هـ، الموافق لـ: 20 نوفمبر 2018م، وهو ما يحتّم علينا وقفةً مقاصديّةً مع هذه المناسبة، التي ترافقنا في كلِّ سَنة.

إنّ النّظرة المقاصدية في الاحتفال بالمولد النّبوي الشريف تتجاوز رمزية المناسبة إلى شرف استدعاء نسماتِ صاحبِها في حياتنا، ذلك أنّ الوجود النّبوي بيننا هو مصدر الأمان لهذه الأمّة، فلا يجوز تغييب شخصيته والغفلة عن حضورِها الدائم والممتد فينا، وهو ما يؤكّد عليه النّص القرآني الخالد، كما قال تعالى: وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم..”(الأنفال:33)، وما نردّده يوميًّا في صلواتنا، ونحن نخاطبه، وهو أمامَنا ويسمعنا في التشهّد: “السّلام عليك أيّها النّبي ورحمة الله تعالى وبركاته…”.

ذلك أنّ “ذكرى المولد” لا تنفعها “الجغرافية التاريخية” عند الانحباس في بُعدها الزّماني أو المكاني، بقدر ما يدعو النّظر العقلي إلى اختراق حُجب هذا الزّمان والمكان، وتجريدها منهما، وجعل المناسبة متحرّكة فيهما، إذْ أنّ “استمرارية” هذا “الوجود النّبوي” هو مِن معاني الخلود لهذا الدّين، وصدقية التنزيل الواقعي والامتثال البشري وأنموذج الاقتداء العملي للقيم السّماوية، كما قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوَةٌ حسنة..”(الأحزاب:21)، مع امتداد هذا الأنموذج في الزّمان والمكان، كما تقرّره الحقيقة النصّية للحديث النبوي الشريف: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ..“، حتى تأخد “السّيرةُ النّبوية الشّريفة” موقعها في مسيرة الدّعوة والدّولة والحضارة إلى قيام السّاعة.

ذلك أنّ العلّة في التوقّف عند المحطّات التاريخية هي لإعمال العقل بالتفكّر والتدبّر فيها، وهو ما يعني تكامل الزّمان بين الماضي والحاضر والمستقبل، والانتقال في دراسة التاريخ من “عالم الأشخاص” إلى “عالم الأحداث” إلى “عالم الأفكار”، كما قال تعالى: فاقصص القصص لعلهم يتفكّرون.(الأعراف:176)، ولا قيمة للارتقاء إلى “عالم الأفكار” إنْ لم ينطوِ هذا القصد على البُعد العملي بالاقتداء عند الاحتفال والاحتفاء، كما قال تعالى: لقد كان في قصصِهم عبرةٌ لأولِي الألباب.(يوسف:111).

فهي ذكرى من الماضي تاريخًا، ولكنّها عبرةٌ للعطاء والعمل حاضرًا، ومصدرٌ للإلهام والاستشراف مستقبلاً، وهو ما يدعّم “الفقه التطبيقي” للإسلام، والخروج من “الفقه النّظري التجريدي” له، وهو السّر في “بشرية” النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي تبليغه العملي لهذا الدّين، في مدّةٍ واقعيةٍ وصلت إلى: 23 سنة من الدّعوة والدّولة (مكّيةً ومدنيّة)، حتى يكون منهج الاقتداء به “صلى الله عليه وسلّم” استباقًا لمشكلات الفرد والمجتمع والدّولة، وإكْسَابًا لصفة الشّرعية المسبقة، لا مجرد التبنّي والتبرير اللاّحق لها، وخاصّة أنّ تلك “التجربة النّبوية البشريّة” في تمثُّل القيم السّماوية بتلك “المثالية الواقعية” أو “الواقعية المثالية” كانت مسدَّدَةً بالوحي، ترعاها العناية الإلهية بالمرافقة الرّبانية الدقيقة، وهو ما يفسّر الحرص العلوي في النّقد والمراجعة القرآنية لتصرّفاته “عليه الصلاة والسّلام”، مصداقًا لقوله تعالى: ما وَدّعك ربُّك وما قلَى.(الضّحى:03)، وهو ما يعطي لهذه الشّخصية المُحتَفل بها صفة المعيارية والمرجعية الخالدة للأمّة، إذ لا تخلو قطعةٌ زمانيةٌ من مسيرة الإنسانية في تجاربها “الإصلاحية” أو “التغييرية” من الحاجة إلى الاقتداء والتأسّي، كضابطٍ منهجي وإطارٍ مرجعي لعطاءات السّيرة العطرة، كما يقول الدكتور “عمر عبيد حسنة”: (ضمن منهجٍ ينطلق من: مقاصد الدّين، وخلود وخاتمية الرّسالة، وهداية الوحي، وعِصمة النّبوّة، وسلامة النّقل، ودِرَاية العقل.).‏

ولطالما اتّجه الاحتفال بمولده “صلّى الله عليه وسلّم” اتجاهًا شكليًّا أو مظهريًّا، واندفاعًا مناسباتيًّا أو عاطفيّا، بل واقتصرت النّظرةُ الاحتفاليةُ إلى بعض الجوانب التجزيئية، التي تغرق في التسطيح لمنهج الاقتداء به، في شكله ومظهره أو في شخصيته التقليدية والتعبّدية، دون أن تكون الدراسةُ المنهجيةُ لجوانب سيرته دراسةً استراتيجيةً وحضاريةً متكاملةً، إذ هي البيان العملي لشمولية الإسلام وكمال الدّين، التي استوعبت كلَّ جوانب الحياة، فقد اجتمع فيه ما تفرّق في غيره، وما من فردٍ من الأمّة – مهما كان موقعُه أو اختصاصُه أو فئتُه العُمْرية – إلاّ وله من الاقتداء به “صلّى الله عليه وسلّم” نصيب.

وقد تمثّلت شخصيتُه كلّ هدايات السّماء، بالصّفة المطلقة الكاملة والمعصومة، وقد زكّاه الله تعالى من جميع جوانبه، فزكّى عقله فقال: ما ضلّ صاحبُكم وما غَوَى.(النّجم:02)، وزكّى لسانَه فقال: وما ينطق عن الهوَى.(النّجم:03)، وزكّى فؤاده فقال: ما كَذَب الفؤادُ ما رأى.(النّجم:11)، وزكّى بصرَه فقال: ما زَاغَ البصرُ وما طغَى.(النّجم:17)، وزكّاه كلَّه فقال: وإنّك لعلَى خُلُقٍ عظيم.(القلم:04).

إنّ العلم بوجوده “صلّى الله عليه وسلّم” فينا واجبٌ، كما قال تعالى: واعلموا أنّ فيكم رسولَ الله..(الحجرات:07)، وهذا النّسق المعرفي لسيرته يتطلّب التدقيق في الجوانب الحقيقية للاقتداء، وفي المراحل الزّمانية للاقتداء، وفي كيفيات الاستدعاء وفقه التنزيل المعاصر لهذا الاقتداء.

ولعلّ الموقع التعبيري لآية الاقتداء: لقد كان لكم في رسولِ الله أسوةٌ حَسنةٌ..(الأحزاب:21)، جاءت في سياق اللّحظات الحرجة في غزوة الأحزاب، وهي تعالج واقعًا مأساويًّا، وظرفًا صعبًا في ساحات الصّراع المريرة، ولحظات الانكسار والحصار القاسية، بذلك الوصف القرآني الدقيق في قوله تعالى: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ، وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا.(الأحزاب:10، 11)، وهي اللّحظات الاختبارية الحاسمة في صدق الامتثال والاقتداء، في كلّ الظّروف المختلفة، “فقيمةُ الاقتداء وفائدتُه وعطاؤُه، وعظيمُ ثوابه، عندما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة، التي قد يُمتحن صاحبُها في صدق إيمانه وقوّة يقينه.“، يقول ابن كثير في تفسيره: “هذه الآية أصلٌ كبيرٌ في التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أُمِرَ النّاسُ بالتأسِّي به صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في: صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرَج من ربّه عزّوجل..”.

وهو ما يعني الاقتداء به “صلّى الله عليه وسلّم” في “الكلّيات قبل الجزئيات” وفي “الثوابت قبل المتغيّرات”، وفي “الأصول قبل الفروع”، وفي “الضّروريات قبل الحاجيات والتحسينيات”، وفي “الجواهر قبل المظاهر”، وفي “الأفعال قبل الأقوال”، والانتقالُ في الاقتداءِ به من منزلة “السُّنّة” بتعريفها الأصولي، وهي التي يُثاب فاعلُها ولا يُعاقبُ تاركُها، إلى “السُّنّة” الواجبة، بمعنى: الطّريقة والمنهج والقانون المطّرد في الحياة والأحياء.

لقد كان الانبعاثُ النّبويُّ ولحظةُ الميلادِ الشريفِ في الأمّة من أعظم نِعَم الله تعالى عليها، وهي النّعمة التي تُذكرُ فتُشكرُ، فبعد السّياق القرآني القصصي لهزيمة أُحُدٍ وانكساراتِها، قال تعالى: لقد مَنَّ اللهُ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفُسِهم..(آل عمران:164)، وهي من اللّمسات القرآنية الكثيرة المنوّعة والعميقة في الدّلالة على القيمة الذّاتية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو ما يعني أنّ هذه الشخصية التي نحتفل بها هي منبع الإشعاعات الرّبانية على البشرية جمعاء، تبزُغُ أنوارُها على العلم والعمل، فتصنع أنموذجًا للاقتداء، يغرِي بالاتّباع، وهي الحاجة الفطرية، والسُّنّة التشريعية المتوارثة، والطريقةُ الماضية في الإنسانية، بالخطاب الإلهي التكليفي: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.(الأنعام:90) .

تعليق