النائب احمد صادوق

رئيس المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم

      صادق المجلس الشعبي الوطني على قانون المالية لسنة 2019 بالأغلبية و صوتت المعارضة عليه بالرفض ، و الملاحظ القانون  تمت احاطته بهالة إعلامية كبيرة و سوق له انه افضل قانون مالية منذ ظهور بوادر الازمة ، و انه لم يتضمن زيادات في الضرائب و الرسوم و قد افرطت مداخلات نواب الأغلبية في التمجيد و اطنبت في الاطراء ،  فهل فعلا كان هذا القانون كما سوق له  ؟  و انه سيحل المشكلة  المالية   للجزائر و يجنبها المخاطر الاقتصادية المحتمة  التي ستكون لها تداعيات اجتماعية بلا شك ؟

لابد ان ننتبه ان هذا القانون جاء في ظل ازمة مركبة تشهدها الجزائر على مستويات عدة و هناك ارتباط وثيق بين هذه الابعاد و تأثير تبادلي فيما بينها  ، حيث نشهد على المستوى السياسي غموضا و ارتباكا و ترقبا – و نحن على بعد اشهر قليلة من الرئاسيات – و تجلى  ذلك في الصراع المحموم الدائر على من يكون صاحب الحظوة و الريادة في المرحلة القادمة  بما يشبه تماما تفرق الورثة على التركة من اجل السيطرة و التحكم بعد نهاية المالك صاحب الثروة و الجاه ، كما ان الطبقة السياسية عجزت في مجملها على رسم معالم  وتقاليد واضحة للعمل السياسي رغم طول  تجربة الانفتاح السياسي و التعددية .

اجتماعيا نشهد غياب الوسائط الاجتماعية القادرة على امتصاص الصدمات  و تأطير التوترات و ذلك بسبب سياسة الاضعاف الممنهج لمنظمات المجتمع المدني الفاعلة ،  كما  نشهد ظاهرة الاتكال الكلي للمجتمع على الدولة بسبب السياسات الشعبوية الخاطئة التي مارستها السلطة لشراء السلم الاجتماعي و ضمان البقاء  في الحكم .

على الصعيد العالمي و الإقليمي تعيش الجزائر وسط جملة من التهديدات و المخاطر في مقدمتها المخططات الاستعمارية المتجددة التي تستهدف اثارة الفتن و القلاقل و زعزعة الاستقرار و تستعمل في ذلك سياسات  و ملفات معلبة كملف الهجرة و مكافحة الإرهاب المغلف بتجارة السلاح  و المخدرات في الساحل و بعض دول الجوار  و الهدف الأكبر هو الهيمنة و السيطرة على الخيرات و المقدرات و التمكين للقوى الكبرى .

اما على المستوى الاقتصادي فالأمر لم يعد يخفى على احد حيث ان التصريحات و الارقام الرسمية الان تقر بالعجز و الفشل و تشير الى ان البلد في ازمة اقتصادية خطيرة ، و الملاحظ انها ليست وليدة اليوم بل هي نتيجة لجملة من السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة  و الملفت ان جل المؤشرات الاقتصادية الواردة في قانون المالية لسنة 2019 سلبية و تشير الى حالة العجز و الفشل في تجاوز الازمة  و يكفي ان ندلل على ذلك من خلال ما يلي :

  • لم يتحرك معدل النمو فوق 3 % منذ سنة 2010 الى يومنا هذا بل هو في تراجع مستمر مخالفا بذلك كل التوقعات الحالمة التي جاءت بها برامج الحكومة .
  • العجز المستمر و المتتالي في ميزانية الدولة منذ 2007 الى الان ، و اذا كان صندوق ضبط الإيرادات يقوم في السابق بتغطية العجز فإننا اليوم امام عجز بلا تغطية بسبب نفاذ الادخار الوطني و نضوب هذا الصندوق الذي انتهى كليا .
  • العجز المستمر في ميزان المدفوعات و خاصة في الميزان التجاري
  • التراجع المستمر لقيمة العملة الوطنية حيث انتقلت من 80 دينارا مقابل 1 دولار سنة 2014 الى 118 دينارا مقابل 1 دولار سنة 2018 و هي معرضة لمزيد من الانهيار ، دون الحديث عن السعر الحقيقي  للدينار في السوق الموازية الذي يتجاوز هذه القيمة بكثير ، مما يؤثر تأثيرا مباشرا على القدرة الشرائية للمواطن و كذا ربحية المؤسسات و يقلل من التنافسية خصوصا بين تلك المؤسسات التي تعتمد في منتجاتها على الاستيراد .

كما ان هذا القانون لم يتضمن الإجراءات الصلبة و القوية لمعالجة الاختلالات  و تصحيحها و اعتمد في التمويل على مصادر هشة وغير قادرة على الاستجابة للطموحات و مواجهة التحديات و الصعوبات :

  • فالجباية العادية التي مصدرها الطبقة الشغيلة ذات الدخل المحدود لا تتحمل مزيدا من الضغط الجبائي و الاقتطاعات المتنوعة في ظل تثبيت الأجور و محدودية التشغيل و تراجعه إضافة الى ركود القطاع الاقتصادي بشكل عام و كذا التهرب الضريبي و ضعف التحصيل .
  • واما الجباية النفطية فهي غير متحكم فيها لارتباطها المطلق بتقلبات الأسعار في السوق الدولية الخاضعة لمصالح الدول الكبرى و صراعاتها على النفوذ و السيطرة ، كما ان مشكل المحروقات في الجزائر لم يعد منحصرا فقط في تراجع الأسعار بل مرتبط أيضا بعاملين آخرين لا يقلان أهمية عن الأسعار المتراجعة و هما :
  • تراجع القدرات الإنتاجية للجزائر حيث انخفضت بنسبة 37 % منذ سنة 2008 الى 2018 أي خلال العشرية الماضية .
  • زيادة الاستهلاك المحلي حيث تشير الأرقام الى اننا في سنة 2030 لن نكون قادرين على التصدير بسبب تساوي ما ننتجه مع ما نستهلكه و نحن مع حق المواطن في ثروات بلاده و اولويته على غيره في الاستفادة منها .
  • و بخصوص التمويل غير التقليدي فان طبع النقود تجاوز السقف الذي حددته الحكومة سنويا بكثير حيث فاق مجموع ما تم طبعه 3500 مليار دج بما يعبر عن شراهة و تخبط و سوء تقدير ، و كان ينبغي ان تتم العملية في ظل رقابة صارمة من مؤسسات الدولة و على راسها المجلس الشعبي الوطني باعتباره الجهة التي رخصت لهذا الاجراء الاستثنائي مع تحديد السقف الزمني  بسنة واحدة قابلة للتجديد عند الضرورة ، كما انه  كان يفترض ان تتوجه هذه الأموال المطبوعة للاستثمار بهدف تحريك النمو و ليس لسد العجز في ميزانية التسيير ، و قد اصبح واضحا الان التداعيات السلبية  لهذا الاجراء على هبوط قيمة العملة و ارتفاع الأسعار و تراجع القدرة الشرائية للمواطن  ،خصوصا انه جاء بدون تغطية من انتاج او أصول ذات قيمة كالذهب و العملة الصعبة مما سيرهن بلا شك الأجيال القادمة و يحملها ثقل المديونية .

وجب الإشارة أيضا الى ان قانون المالية لسنة 2019 لم يأتي مشجعا للاستثمار بما يخلق فرص العمل و يمتص نسبة البطالة المتزايدة و يرفع نسبة النمو و يوسع فرص التنافسية و انشاء المؤسسات الصغيرة و المتوسطة الرافد الحقيق لأي اقتصاد في أي بلد :

  • فبيئة الاعمال في الجزائر غير مشجعة للاستثمار و طاردة لرأس المال و تجارب المستثمرين ( المحليين و الأجانب ) مع البيروقراطية الإدارية مريرة و مؤسفة بسبب غياب الشفافية     و عدم تكافؤ الفرص بين المستثمرين و تركيز الدعم و القروض في يد فئة قليلة مقربة و  ذات حظوة وولاء ،   و يكفي الإشارة ان الجزائر صنفت في المرتبة 156 في مؤشر التنافسية العالمية وممارسة الانشطة التجارية في  تقرير  منتدى دافوس سنة 2018        و صنفت في المرتبة 103 في مؤشر المعلوماتية لنفس السنة .
  • كما ان المنظومة البنكية و المصرفية في الجزائر جد تقليدية تعتمد على الخزينة العمومية بدل الاعتماد على الادخارات من الافراد و المؤسسات ناهيك عن التخلف في مجال الرقمنة و الخدمات المصرفية المعتمدة على التكنولوجيا الحديثة .
  • حتى التحويلات الاجتماعية التي يزايد بها البعض لم تستطع ان تحافظ على القدرة الشرائية للمواطن مما أدى الى تراجع متوسط الدخل السنوي للفرد من 5626 دولار سنة 2013 الى 4099 دولار سنة 2018 و كنتيجة لذلك فقدت الطبقة المتوسطة 40 % من منتسبيها لصالح الطبقة الفقيرة ناهيك عن ان جزء من هذه التحويلات الاجتماعية لا يستفيد منها المواطن ابدا بل تذهب لجيوب رجال المال و الاعمال و كبار المستوردين في شكل نفقات جبائيه و إعفاءات ضريبية و جمركية دون ان تخضع للمراجعة و التقييم رغم اعتراف الحكومة بفشلها و عدم جدواها .

ان قانون المالية لسنة 2019 هو استنساخ للقوانين السابقة الفاشلة  ولم يأتي باي إجراءات جديدة تقلل من حدة الازمة الاقتصادية و تصحح الاختلالات و تعالج النقائص و تعطي املا للمواطنين بسلوك الطريق الصحيح و مهما كان التسويق والتنميق فهو محرد وهم سرعان ما ينتبه المواطن لخطورة الوضع حينما يصطدم بالواقع الميداني المرير  و المعاناة اليومية  جراء السياسات الفاشلة  ، و السؤال المطروح بإلحاح مالحل ؟ مالبديل ؟  مالمخرج ؟ ذلك مضمون المقال القادم ان شاء الله

تعليق