قد يبدو العنوان متناقضًا، على اعتبار أنّ “الدّين” و”العلمانية” مصطلحان منفصلان وبينهما برزخٌ لا يبغيان، وخاصة في بدايات عصر التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر.

ويعتقد البعضُ – خطأً – أنّ حروبًا قائمةٌ بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وخاصّةً عندما كان البُعد المفاهيمي للعلمانية يزخر بذلك الضخّ النّظري كمنظومةٍ فكرية ومادّية، قبل أن تنحرف إلى بُعدٍ إجرائيٍّ ونظريةٍ سياسية.

إلاّ أنّ التدقيق التاريخي يؤكّد أنّ “الفصل” لا يعني – بالضّرورة – الصّراع والتناقض بينهما، وخاصّة بين “الدّين المسيحي المحرّف” والعلمانية، مع أنّ الثورة الفرنسية سنة: 1789م فضَحَت ذلك التحالف بين “الكنيسة الكاثوليكية” و”النّظام السّياسي الإقطاعي”، وكرّست واقعًا علمانيًّا يصرخُ بالثورة ضدّ “الدّين” و”الإقطاع” معًا، وقد فرضت منطقًا تصادميًّا بعد انتصارها، يخضع فيه رجال الدّين إلى الدّولة بلونها المدني، وفصل الدّين عنها كلّيةً.

إلاّ أنّه هناك توجّهًا تصالحيًّا بين “الدّين و”الدولة” في تجارب أخرى كأمريكا – مثلاً، للسّياقات التاريخية والأبعاد الجغرافية والتطوّرات السّياسية والتحوّلات الاجتماعية والخصوصيات القومية، إلى الدّرجة التي وصل فيها “البابا” في الإرشاد الرّسولي سنة: 2012م إلى الدّعوة إلى “العلمانية الإيجابية” كضرورةٍ للدّين والسّياسة معًا، ويعني بها: “تَحرير المعتقد من ثقل السّياسة، وإغناء السّياسة بإسهامات المعتقد، بحفظ المسافة اللازمة والتّمييز الواضح والتّعاون الَّذي لا غنى عنه لكليهما.”، مع التأكيد على: “الاحترام المتبادل بين السّياسة والدّين، ورفض السّقوط في التّجربة المستمرّة للخلط أو للتحارب.”، والذّهاب إلى التسليم بالدّور الإجتماعي للدّين، بعد أن استقرّ مصطلح “العَلمانية” على يد أوّل مَن صَكّها سنة: 1951م على أنّها تعني “فصل الدّين عن الدولة” وليس “فصل الدّين عن الحياة”، وهو ما يعني أنّ الدولةَ محايدةٌ دينيًّا، وأنّ مؤسساتِها غيرُ منحازةٍ إلى أيِّ طائفةٍ دينية، بضمانها “للمواطنة الكاملة” في الواجبات والحقوق بين الجميع، مهما كان انتماؤهم الدّيني أو العِرْقي أو الثقافي أو اللّغوي..

إلاَّ أنّه – وفي العالم العربي والإسلامي – أخذ مصطلح ومفهوم “العلمانية” – وباستعارة مضامينها الغربية – بُعدًا تصادميًّا مع”الدّين”، وأنّها مؤامرةٌ لتصفيته والقضاء عليه، للاختلاف الجوهري بين “الإسلام” و”المسيحية”، وأنّ البُعد السّياسي لها بفصل الدّين عن الدولة – ناهيك عن الحياة يتناقض جوهريًّا مع طبيعة الإسلام ووظيفته، الذي جاء لسياسة الدّنيا بالدّين، فهو ليس مجرد “عقائد لاهوتية” و”شعائر تعبديّة”، فقد شمِلت تشريعاته: الدّنيا والآخرة، وعالم الغيب والشّهادة، والبُعد الرّوحي والمادّي، والحياة الخاصّة والعامّة، وعمّت أحكامُه الفرد والمجتمع والدّولة، كما قال تعالى: “ما فرّطنا في الكتاب من شيء.” (الأنعام:38)، وهو الدّين الكامل الذي استوعب مظاهر الحياة جميعًا، كما قال تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيتُ لكم الإسلام دِينا.”(المائدة:03).

ولذلك يرى البعضُ أنّ “العلمانية” ما هي إلاّ أداةٌ في يد الدّولة الحديثة لإقصاء “الدّين”، وأنّ الدّعوة إلى العلمانية ليست دعوةً محايدة، بل تحمل مشروعًا إيديولوجيًّا ومضمونًا فلسفيًّا إقصائيًّا، يتمّ استدعاءَها استدعاءً غير ناضجٍ من مضامينها الغربية، فهي “ديانةٌ” للخروج من “الدّين”، ممّا يفسّر حساسيتها المفرطة اتجاه كلِّ ما له علاقة بالدّين أو التديّن، وهو ما يطرح إشكالية “التوظيف السّياسي العَلماني للدّين” ضدّ الدّينِ نفسِه؟؟.

فبعد سقوط الخلافة الإسلامية، ثم الدّولة الإسلامية – رسميًّا – على يد “كمال أتاتورك” سنة: 1924م، كان هدف العلمانية والعلمانيين هو مسحُ أثر الدّين في الحياة، وخاصة في المؤسّسات الرّسمية للدّولة، عبر استهدافه تحت غطاء ملاحقة مظاهر التديّن، كنماذج للرّجعية والتخلّف، مثل: التضييق على المدارس الدّينية، ومنع الحجاب والنّقاب في الأماكن والمؤسّسات العمومية، وتعدّد الزّوجات والميراث في الأحوال الشخصية، وعدم السّماح للصيرفة الإسلامية في المعاملات البنكية، وتصفية كلّ المتديّنين في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، واستهداف المضامين الدّينية في المنظومة التعليمية والتربوية، وإضفاء القداسة على النظام العلماني وتقويض أسس الديمقراطية وتبرير الانقلابات العسكرية ضدّ فوز التيارات الإسلامية، وهو ما جعل “العلمانيين” – بالرّغم من ادّعائهم للحرّية والدّيمقراطية وحقوق الإنسان والحضارة والمدنية – يؤيّدون هذا الحكم العلماني المستبدّ، ويشرعنون له هذه العلمانية كإيديولوجية متطرّفة، تسلّطية وحادّة، تمارس التطبيع النّفسي والسّياسي مع الأنظمة القمعية، ولا تسمح بالحرّيات الدّينية، وهو ما يفضح “القيم الإنسانية” التي يختبئ خلفها هؤلاء العلمانيون، الذين يريدون فرض هذه المضامين الإيديولوجية بالقوّة والتزوير والأنظمة العسكرية..

ولم يقتصر دور “العلمانية” على تحييد الدّين وفصله عن الدّولة فقط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بالتدخّل في “الدّين” نفسِه، وفرض مفاهيم جديدة لممارساته في الحياة العامّة، بل وإجبار النّاس على أنماطٍ جديدة في أداء العبادات، مثل: إجبارهم على قراءة الفاتحة في الصلاة باللّغة التركية، ومنع الأئمة والمؤذّنين من الدّعاء والأذان باللّغة العربية، ومنح المرأة كلَّ حقوقِها ما عدَا حقّها في الحجاب، فكان “هدف العلمانية في تركيا ليس فصل الدّين عن الدّولة، بل وضعَ مفهومٍ جديدٍ للتديّن، وإجبار النّاس عليه.”، وهو ما يُعتبر توظيفًا سياسيًّا للدّين لصالح هذه العلمانية المتطرّفة.

لقد أثبتت التجارب السّياسية في العديد من الدّول أنّ ما هو مطلوبًا من “التيار الإسلامي” من المراجعات النّقدية لأدبياته التقليدية في نظرته إلى الدّولة والدّيمقراطية والتعدّدية والحرّيات وحقوق الإنسان والقيم الكونية والتعايش السّلمي، هو كذلك ما هو مطلوبٌ من “التيار العلماني”، بعد أن تحوّلت الإيديولوجية العلمانية وكأنّها حقائقٌ ثابتة، مطلقةٌ ونهائية، وأنّ الحالة الصّراعية المحتدمة بين التيارين لا تخدمهما، ولا تخدم الاستقرار والتنمية، بل لا تخدم إلاّ الخارج والأنظمة الاستبدادية.

وأنّه لا معنى للذّهاب إلى التنافسية الدّيمقراطية بينهما دون الحوار المجتمعي على المشترك، وأنّ غرورَ كلّ تيارٍ بنقاط القوّة لديه يؤدّي دائمًا إلى المزيد من التأزيم والتوتير، فلا التيار الإسلامي ينفعه عمقه وامتداده الشّعبي، ولا التيار العلماني يستغني بقوّته النّخبوية في: الإدارة والمال والإعلام والجيش والدّعم الخارجي..

هذا الحوار الذي يجب أن يجيب على الإشكالات الصّعبة بين التيارين، وهي:

1- طبيعة الدّولة: هويتها، المبادئ الدستورية والقانونية التي تقوم عليها، وآليات الحكم فيها.

2- الدّيمقراطية: التعدّدية والقبول بالآخر، الاحتكام إلى الإرادة الشّعبية، والتداول السّلمي على السّلطة.

3- الهويّة: مفهوم الحرّية، احترام السّيادة والخصوصية، والحسم في الثوابت وأركان الهويّة.

ولعلّ من أخطر المعضلات هو الاستمرار في الاتهامات المتبادلة “بالتوظيف السّياسي للدّين”، وغياب “الحوار” و”التباس المفاهيم” وعدم الإقرار بالتطوّر الفكري والمفاهيمي والإيديولوجي لكلّ تيار، وأنّه يجب أن تكون لنا “السّيادة والاستقلالية” في التعاطي مع المصطلحات المستوردة من الشرق أو الغرب، وأنّ “الصّراع الإيديولوجي” العدمي والوجودي لن يوصل إلى أيِّ نتيجة، ولن يطيل إلاّ في عمق الأزمة، وأنّ الخطأ الأكبر في “العَلمانية العربية” هو مطابقتها بين “الإسلام” و”المسيحية” في دعوتها للفصل بين “الدّين والدولة” أو بين “الدّين والسّياسية”، وأنّ إخفاق “الإسلاميين” كصورةٍ مشرقةٍ للفكر السّياسي الإسلامي لا يعني فشل الإسلام في الدّولة.

تعليق